كيف خرجت المثلية الجنسية من الأمراض النفسية؟

هذه ترجمة لمقالة When Homosexuality Came Out (of the DSM) التي نُشرت في ديسمبر 2014.

يصادف هذا الشهر أنه وقبل 41 سنة لم تعد المثلية الجنسية مرضًا نفسيًا. أُكرهت جمعية الأطباء النفسيين الأمريكية بعد معارضة متصاعدة من النشطاء المثليين، ومعارضة أخرى من داخل الجمعية نفسها على إزالة المثلية من الإصدار الثاني للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-II). تعتبر إزالة المثلية الجنسية من مجال الطب النفسي مؤشرا نموذجيًا على الطبيعة الاجتماعية للتشخيص النفسي ودليلا على اضطراب الدلالات النفسية: فالمثلية التي كانت تعتبر مرضًا وانحرافًا، صارت المنظومة السائدة تعتبرها نوعًا طبيعيًا من أنواع النشاط الجنسي البشري. خروج المثلية الجنسية من دليل DSM يستدعي أن نتأمل في الجوانب التالية: (1) التغير في مفهوم الأمراض النفسية بطيء؛ (2) التشخيص تصرف اجتماعي؛ (3) تشييد الأمراض والاضطرابات (سواءً كانت “نفسية” أو ما سواها) تصرف اجتماعي؛ (4) تشييد الأمراض له تبعات اجتماعية؛ (5) التغير في مفهوم الاضطراب يعكس القوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية أكثر من عكسه للتطورات العلمية.

انتهاء المثلية الجنسية بصفتها مرضا

على الرغم من أن إزالة المثلية الجنسية من دليل DSM يُصوّر كنقلة جذرية وخاطفة في النظرة للميول الجنسية، إلا أن الواقع أكثر فتورًا. في الحقيقة، لم تُزَل المثلية الجنسية من المصطلحات التشخيصيّة للنسخة المنقحة الثانية من دليل DSM؛ بل نُقلت بين قوسين إلى تشخيص جديد: اضطراب الميول الجنسية. أريد بهذا التغيير في التشخيص إحداث أقل قدر ممكن من الاضطراب في ممارسة الأطباء النفسيين، وتنص الملاحظة التي تناولت هذا التغيير أن “من النادر أن تجد خلافًا” على أن “وسائل العلاج الحديثة تتيح لنسبة كبيرة من المثليين الجنسيين الراغبين في تغيير ميولهم الجنسي ذلك.” ورغم أنها تنصّ على أن المثلية الجنسية لا توافي شروط اعتبارها اضرابا نفسيًا، إلا أن نفس الملاحظة تقول: “لا شك أن النشطاء المثليين سيدّعون أن الطب النفسي اعترف بالمثلية الجنسية أخيرا بصفتها ‘طبيعية’ كما المغايرة الجنسية، لكنهم سيكونون على خطأ.” في ذات السنة نُشرت العديد من المنشورات التي تناولت جوانب تشخيصية وعلاجية عن المثلية الجنسية، ومنها الإكراه، واستخدام الصعق الكهربائي، بل والجراحة على فصوص الدماغ. علاوة على ذلك، لم يكن “اضطراب الميول الجنسي” (الذي صار اسمه لاحقًا “الميول الجنسي المرفوض من الأنا/ego-dystonic sexual orientation”) يُطبّق إلا على الانجذاب المثلي؛ وكان الافتراض الضمني هنا أن المنجذبين للجنس المغاير لم يكن لهم ليشعروا بسوء تجاه انجذابهم ذلك، وبغض النظر عن كون هذه الفرضية صائبة أم لا، فلا تزال مسلمة دون تمحيص.

لم يكن الحال كذلك حتى عام 1987 حينما اختفت المثلية الجنسية تمامًا من دليل DSM، لكن مفهوم “الميول الجنسي المرفوض من الأنا” ظل حاضرًا في التصنيف الدولي للأمراض الذي تصدره منظمة الصحة العالمية. مؤخرا رأينا نقلة مماثلة فما يخص المتحولين جنسيًا. من الملفت أنه في الوقت الذي كانت المثلية الجنسية تغادر دليل DSM، أُدخل التحوّل الجنسي فيه لأول مرة، وتحول إلى “اضطراب الهوية الجندرية” وأخيرا (في الإصدار الخامس من دليل DSM) إلى “الانزعاج الجندري/gender dysphoria”.

التشخيص بصفته تصرفا مجتمعيا

طقوس التشخيص تتم في فضاء مجتمعي. التشخيص -كما يقول أرثر كلينمن- يستند على السمات، إذ يقوم على تحويل التجارب إلى “أعراض” و”دلالات” تشير إلى مرض أو اضطراب. تلك التشخيصات تحمل معنًى ليس لمن تنطبق عليه فحسب، بل لمعنى أن تكون بلا مرض ولا اضطراب أيضًا. لو أخذنا المثلية الجنسية كمثال، فظهورها كمفهوم اجتماعي وطبي في نهاية القرن التاسع عشر صاحبه اختراع مفهوم المغايرة الجنسية، ومن هنا كان دور الطب النفسي محوريًا في خلق قطبين للهوية الجنسية لا يزالان حاضرين حتى اليوم، رغم تفريغ الميول الجنسية من دلالاتها الطبية. ومن هنا كان التشخيص دالا ليس على إمكانية علاج حالة معينة ومآلاتها فحسب، بل في خلق هويات، ومنح الاعتراف، وعلى العكس من ذلك تماما: قد يدمر كيان الشخص، وقد يَحُول دون تشييدنا لسردية تتجاوز الوصف الطبي النفسي. الانفصام [مثلا] ليس تشخيصا فحسب، بل يحمل في طيّاته هوية معيّنة تتبدّل بأريحية الثقافية: مرّة تشير إلى المرأة البيضاء الفاتنة التي داسها المجتمع، ومرة تشير إلى الرجل الأسود العنيف المتسلط الذي يُشكّل خطرًا على السلم الاجتماعي.

التأسيس الاجتماعي للمرض النفسي

رغم أن مفهوم اللواط يمتد إلى العصور البابلية إلا أن مفهوم المثلية الجنسية لم يتأسس إلا بنهاية القرن التاسع عشر. في تلك الفترة ولأول مرة، تحوّلت الممارسات الجنسية إلى تشخيص وإلى هوية جنسية. لم يكن هذا التحول وتوقيته مصادفة بل صاحبه قبول ضمني بأن الجنس ليس غرضه الإنجاب فحسب، بل المتعة، وصاحبته زيادة في نفوذ الأطباء بصفتهم الخبراء، وصاحبته حاجة لأن يصف الأطباء “الممارسة الجنسية الصحيّة”. وبنفس الكيفية، كان زوال اعتبار المثلية الجنسية من كونها اضطرابا في وقت تسامت فيه المتعة على الواجب، ونمت فيه معاداة السلطة، وساد فيه الطب النفسي بصفته مُخلّصا من العلل الاجتماعية لزماننا؛ وجود أساس بيولوجي للمثلية الجنسية أو للاضطراب النفسي أو عدم وجوده لا يؤثر على كون الأطباء النفسيين يظلون من وسائل السيطرة الاجتماعية. على سبيل المثال، عام 1972 (بعد سنة من إزالة المثلية الجنسية من دليل DSM) اقترح جون فينر وزملاؤه معيارًا تشخيصيًا لعدد من الأمراض النفسية ليُعتمد في البحث العلمي، ومن بين ال”14 علة نفسية” كانت المثلية الجنسية:

  • هذا التشخيص ينطبق عند وجود أكثر من 18 تجربة مثلية جنسية (وذلك يوافق مقياس كنسي من 3 إلى 6).
  • يستثنى من ذلك المرضى المتحولون جنسيا.
  • يستثنى من ذلك المرضى الذين يمارسون النشاط المثلي الجنسي فقط عندما يُحتجزون لمدة لا تقل عن سنة بدون وصول إلى الجنس المغاير.
  • نرى هنا تعريفًا نفسيًا مُعتَمدًا لكنه اعتباطيٌ تمامًا، إذ يسمح للسجناء المحتجزين لفترة طويلة بممارسة الجنس مع الذكور. جميع التشخيصات الطبية يُشيّدها المجتمع سواءً كانت نفسية أو لم تكن، لكن الأمراض النفسية تحمل في طيّاتها هوية -شئنا أم أبينا- نادرًا ما تحملها بقية الأمراض الطبية.

    التبعات الاجتماعية للأمراض

    قد تكون الأمراض وصمة عار؛ ورغم أن الجذام والدرن والسرطان والإيدز حملت وصمة عار على المرضى في فترة ما في التاريخ، إلا أن تلك الأمراض نادرًا ما تؤثر على تجربة الذات كما الأمراض النفسية. اعتبار المثلية الجنسية مرضًا أقنع بعض الأفراد أنهم مرضى، وذلك -بحد ذاته- جعلهم (يشعرون أنهم) مرضى! إزالة المثلية الجنسية من قالب الطب النفسي ساعد -بلا شك- في توطيد حقوق من يعتبرون أنفسهم مثليات ومثليين أو ثنائي التوجه الجنسي. حقوق التبني، والزواج المثلي، ونقض “لا تسأل، لا تقل“، لم يكن لها أن تحدث لو أن المثلية الجنسية لا تزال تعتبر تجسيدًا لمرض نفسي عميق. ومثل ذلك أن تشخيص الأمراض النفسية يُشعِر الأفراد أنهم مُغايِرون وأنهم مختلفون عن من سواهم من الناس، ولعلهم أقل أهمية أو أقل استحقاقا أو أقل قيمة. إذا ما تبنّى الشخص تشخيص الانفصام، يتبعه تدميرٌ لكيانه وثقة أقل بنفسه وتمزّق لأحلامه وشعورٌ بانعدام القداسة. الطبيب النفسي ريتشارد ورنر ذهب أبعد من ذلك حين رأى أن الذين يرفضون تشخيص الأمراض النفسية الحادّة قد يكون مآلهم أفضل إذ أنهم يحتفظون بحقهم في تشييد سرديتهم لذواتهم ويُحدّدون ما يهمهم حقًا، ورغم حملات التوعية العامة (أو ربما بسببها)، لا تزال وصمة العار مصاحبة للأمراض النفسية كما كانت قبل 50 عامًا.

    ظهور الأمراض: تقدم علمي، أم بقرة حلوب للتجار؟

    كما ناقشنا أعلاه، كانت إزالة المثلية الجنسية من دليل DSM نتيجة لقوى سياسية اجتماعية، ولم يكن انعكاسا لتطور علمي. حتى داخل أروقة الطب النفسي يُعتبر تضخم التشخيص النفسي ظاهرة تجارية. لم يكن التشخيص النفسي حتى السبعينيات ضروريًا لعلاج الذين يعانون من مشاكل كثيرة، ولم يكن أخصائيو الصحة النفسية ينافسون الأطباء النفسيين؛ لكن بعد نمو مجال علم النفس السريري وبقية تخصصات الصحة النفسية والذين كان بمقدورهم تقديم العلاج النفسي بأسعار أرخص، كان لزاما على الأطباء النفسيين أن يحافظوا على سلطتهم الأخلاقية على الحياة النفسية التي صارت من اختصاصهم. ما كان يُميّز الأطباء النفسيين عن سواهم [من العاملين في المجال النفسي] أنهم (كبقية الأطباء) قادرون على التشخيص، ولذا أنشأ المجال الطبي تشخيصات جديدة كان الأطباء النفسيين يتعاملون معاها سابقا في مكاتبهم؛ وصارت تلك التشخيصات مؤشرُا على أن المرضى يعانون من مرض طبي يحتاج علاجُا. سمح نمو الصيدلة النفسية بتوسع حدود تلك التشخيصات الجديدة، وخلق أسواقًا جديدة ليس للصناعة الدوائية فحسب بل لمجال الصحة النفسية أيضُا. لم تكن أي مشكلة أصغر من أن تطلب علاجُا دوائيُا.

    لكن ما القوى الاجتماعية والسياسية التي ساعدت على نمو الأمراض النفسية؟ في الفترة التي لم تعد فيها المثلية الجنسية اضطرابًا نفسيًا كانت الولايات المتحدة تمرّ بأزمة اقتصادية عميقة. بحلول عام 1980 (التي نُشِر فيها الإصدار الثالث من دليل DSM) تولّت حكومة جمهورية جديدة بقيادة رونالد ريغان مقاليد البيت الأبيض. بدلا من لفت الأنظار إلى الأضرار النفسية التي سبّبتها السياسيات النيوليبرالية صار الأسهل أن يصبح مكمن الأمراض النفسية ذاتيًا (في الدماغ، والخلية، والمُركّب) بدلا من أن تكون نتيجة المجتمع والدولة. ولأجل ذلك سمّت جوانا مونريف العلاقة بين طب النفس البيولوجي، والسياسات النيوليبرالية “الزواج المريح”. كان الملائم سياسيًا أن يصعد تصوّر بيولوجي يجعل السخط النفسي بعيدًا عن القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الأخرى؛ وكما لم تكن إزالة المثلية الجنسية من دليل DSM نتيجة لتطور علمي بل لإرادة سياسية، كان تكريس الحالة المرضية والأساس البيولوجي لتشخيصات نفسية بسيطة نتيجة لنفس القوى بدلا من كونه انتصارا علميًا.

    ويكيمانيا 2014: نحو مزيد من البيانات والأبحاث

    شعار ويكيمانيا 2014
    وانتهت ويكيمانيا 2014 في لندن! هذه هي الدورة الرابعة التي أحضرها من الملتقى السنوي لموسوعة ويكيبيديا، وهي الدورة الأكبر منذ بدأت الموسوعة، وتميزت بمشاركة عربية جيّدة: أكبر حضور عربي لويكيمانيا، وأول حضور لمساهمين من الإمارات ومن الجزائر، ولأول مرة يكون للعرب طاولة مصاحبة للمؤتمر (طاولة تونس). الحضور العرب هذه المرة كانوا آمنة وحبيب وريم الكاشف وسمير وشمّة المرزوقي وصالح الأحمدي وعباد درانية وعبد الله الدبوني وعبد المؤمن وفاطمة الحربي ومحمد بشوندة وميرفت سلمان وندى البني وولاء وياسين التونسي ويامن (في ذيل التدوينة ملخص للقاء العرب)

    فيما يلي استعراض لما طرح في الملتقى سعيت للتقديم للنقاشات لمن هم ليسوا من مساهمي الموسوعة، على ألا يحول ذلك دون التعمق في التفاصيل. وضعت فيه بعض الروابط لمن أراد الاستزادة عن موضوع ما، والأمل أن يساهم في إثراء المجتمع المهتم بالحريات الرقمية الناطق بالعربية.

    الهاكثون

    كعادة مؤتمرات ويكيمانيا: يسبق أيامها ويصحبها “هاكثون” وهو تجمع لفرق عمل من مبرمجين وباحثين ومترجمين لتبادل الخبرات ولإنجاز المهام. شهد الهاكثون هذه السنة أكبر حضور، وطُلب من الحضور عرض اهتمامتهم قبيل المؤتمر فشُكلّت فرق عن شتى المواضيع، منها مثلا: اختبار تطبيق ويكيبيديا على الجوال، وتثبيت ميدياويكي، والترجمة والتوطين، وويكي بيانات، والأبحاث، وكنت ممن انضموا للفريق الأخير وفيه استعرض مجموعة من الباحثين بعض الأسئلة التي يعملون عليها وتعرفت على العاملين في قسم الأبحاث في مؤسسة ويكيميديا. لاحظت أن المؤسسة تتجه وبقوة لتشجيع الأبحاث لفهم قراء الموسوعة ومساهميها ولتحسين البنية التقنية للموسوعة على بصيرة وبكفاءة، وهذا توجه سليم جدا.

    اهتمامي الشخصي أكثر ما يكون في التدقيق اللغوي وكنت أبحث عن طرق لتقييم جودة النصوص في الموسوعة العربية وتحسينها (أعمل كل صيف مع مجموعة رهيبة من المتطوعين على تطوير آلية لتدقيق الموسوعة إملائيا). تعلمت في الهاكثون المكتبة التي يستخدمها فريق المؤسسة لفحص قاعدة بيانات الموسوعة وجلب البيانات منها وهي مكتبة mediawiki-utilities بعد ذلك بدأت في البحث عن سؤال: هل المساهمة للموسوعة تحسن من جودة الإملاء؟ لو أخذنا مساهمي الموسوعة وحللنا أخطاءهم الإملائية مع مرور الوقت: كيف لنا أن نصفها: هل تقل أم تزيد أم هي ثابتة؟ هل يقوم مساهمو الموسوعة العربية بما يكفي لتثقيف أقرانهم لغويا؟ هل الخبرة التي يكتسبها مساهمو ويكيبييديا تشمل رفع الجودة اللغوية؟ أقوم بذلك عبر تحليل قاعدة بيانات الموسوعة التي تشمل جميع التعديلات التي أجريت للموسوعة العربية منذ أنشئت وأبحث فيها عن التعديلات التي تشمل أخطاءً إملائية معينة (والشكر لمتطوعي مشروع التدقيق الإملائي الصيفي، الذين جمعوا الأخطاء الإملائية الشائعة). كتبت البرنامج الذي يحلل قاعدة بيانات الموسوعة، لكن التحليل لجمع البيانات يستغرق وقتا طويلا فتمكنت خلال الهاكثون من تحسين البرنامج وجمع البيانات دون أن يسعفني الوقت لاستخلاص النتائج مما جمعت من بيانات، لكني سأقوم بذلك وأنشر النتائج (أيا كانت) خلال الأيام القادمة (يا رب قبل نهاية أغسطس!)

    شكلي وأنا خاش جو مع أول شخص أقابله في الهاكثون. :p

    شكلي وأنا خاش جو مع أول شخص أقابله في الهاكثون. :-P

    من المشاريع التي عرضت في الهاكثون ورقة مهمة كتبها أحد باحثي المؤسسة عن إنشاء المقالات على الموسوعة وبقائها. مما يمكن استنتاجه من الورقة أن الموسوعة الإنجليزية (التي تمنع المجهولين من كتابة المقالات) تخسر الكثير من المقالات الممكنة لأن نسبة جيّدة من المقالات التي ينشئها المجهولون في بقية الموسوعات تبقى بعد المراجعة ولا تحذف.

    على كل حال، هذه الدورة للهاكثون كانت الأكثر ثراءً، إذ أن الدورات السابقة شملت تنظيما أقل، ولعل فريقي الأبحاث والترجمة والتوطين كانا الأنشط والأكثر صمودا أثناء الهاكثون.

    افتتاح المؤتمر

    الأمين العام لمنظمة العفو الدولية يتحدث في ويكيمانيا 2014

    الأمين العام لمنظمة العفو الدولية يتحدث في ويكيمانيا 2014


    في الليلة التي سبقت مؤتمر ويكيمانيا أقيمت حفلة الافتتاح. كان ضيف الشرف هذه المرة الأمين العام لمنظمة العفو الدولية (ومن سخرية القدر أني -وقبل أن أكتشف أنه ضيف الشرف- كنت أنتقد لبعض الرفاق خطاب المنظمة الذي يجعل الليبرالية الفردانية أساسا لحقوق الإنسان :p) لكن كلمة الأمين العام كانت جيّدة. تحدث عن غزة، وعن غوانتامو وأكد على أن ويكيبيديا ومنظمة العفو يشتركان في كثير من الأمور: كلاهما غير ربحي، وكلاهما يعتمد على نشاط متطوعين نذروا أنفسهم وأوقاتهم لتحقيق الغاية، وكلاهما لا يقبل التمويل المشروط من الحكومات والشركات، وكلاهما يستخدم مصطلحات لا يفهمها أحد من خارجهما. 😉 تحدث أيضا عن تطبيق جيّد أطلقته منظمة العفو الدولية اسمه “زر الفزع” وهو تطبيق حُر يُمكّن الشخص من تبليغ من يثق به عند تعرضه لاعتداء ويمكن تنشيط البلاغ بسرعة.

    عقب كلمة الأمين العام كلمة منظم المؤتمر إدوارد سبيرا التي رحب فيها بالحضور، ثم عقبه رئيس مؤسسة ويكيميديا المملكة المتحدة الذي رحب بدوره بالحضور وتحدث عن صعوبة تنظيم حدث كويكيمانيا.

    تحدث أيضا في ذات الليلة مؤسس ويكيبيديا جيمي ويلز لكن خطابه السنوي “حالة الويكي” لم يلقه إلا في آخر أيام المؤتمر (راجع أدناه). كلمة جيمي ويلز في بداية المؤتمر -رغم قصرها- كانت أجود بكثير من كلمته في آخره: تحدث عن أن ويكيبيديا لن تتناوى عن استخدام ثقلها -كمرجع مهم لمئات الملايين- في حماية حرية الإنترنت وتحدي الحكومات، ومثّل على ذلك بالإضراب الذي تم احتجاجا على قانون SOPA المُشين، وعلى الموقف الذي تبنته المؤسسة في الليلة التي سبقت كلمته في رفض “حق أن تُنسى” (Right to be forgotten) الذي ينمح الأفراد القدرة على حذف أسمائهم من السجلات العامة، كموسوعة ويكيبيديا ومحرك البحث غوغل. المشين في هذا الأمر أنه يسمح للفاسدين والمجرمين بأن يتحكموا فيما يكتب عنهم وأن يطالبوا بحذفه، وهو انتهاك صارخ لحرية الموسوعة واستقلالها.

    بعد ذلك صعدت المسرح فرق موسيقية عديدة، بعضها من مساهمي الموسوعة وبعضها من خارجها، وكانت ليلة صاخبة جدا، حافلة بالرقص والهتاف. 😀

    ويكي بيانات

    شعار ويكي بيانات

    شعار ويكي بيانات

    صباح اليوم الأول حضرت كلمة لمديرة تطوير ويكي بيانات، وهو مشروع أطلقته ويكيميديا ألمانيا في 2012 بالتعاون مع مؤسسة ويكيميديا الأم ونمى سريعا ليكون مشروعا شقيقا لويكيبيديا: قاعدة بيانات مركزية حرة يمكن للجميع تعديلها. تحدثت عن أن ويكي بيانات تساهم في مكافحة التخريب فحينما تستمد مقالات ويكيبيديا بياناتها المشتركة من مصدر مركزي (كتواريخ ميلاد الأشخاص وإحداثيات المدن وجنسية الأعلام) فستكون مراقبة ذلك المصدر وتدعيمه بالمراجع الموثوقة أسهل وأكثر كفاءة. تحدثت أيضا عن أن بعض اللغات تولي اهتماما أكبر بتدعيم مقالاتها بالبيانات ومثلت على ذلك باللغة الإنجليزية الثرية جدا بالإحداثيات، على عكس ويكيبيديا التركية التي لا تكاد تحتوي أية إحداثيات. بعد أن انتهت كلمتها سألتُها عن الموقف الذي يتبناه المشروع تجاه حقوق نشر البيانات إذ أن هذه إحدى القضايا العويصة كون حقوق النشر يفترض بها أن تُقيّد الأعمال الإبداعية، بينما البيانات ليست إلا سردا لحقائق لا إبداع فيها ولا اختيار. دّلتني على صفحة ثرية توثق وجهة نظر المؤسسة في الأمر.

    الأبحاث

    كان للأبحاث هذه المرة نصيب الأسد من المؤتمر، وحضرت في هذا السياق عدة جلسات. شمل المؤتمر الكلمة السنوية الممتازة التي يلقيها ناشط البرمجيات الحرة بنجامين ماكو هِل: حالة أبحاث ويكيبيديا التي يستعرض فيها كل سنة الأوراق التي كتبت عن ويكيبيديا. البحث الأكثر تشويقا بالنسبة لي كان استخدام ويكيبيديا للتنبؤ بأوبئة الإنفلونزا عبر متابعة الزيادة المفاجئة في قراءة المقالات التي تتناول أعرضها كارتفاع الحرارة والسعال. ليس تتبع القراءات أسلوبًا جديدا إذ أن لدى غوغل صفحة لتتبع زيادة البحث عن أعراضها، لكن المعيب في صفحة غوغل أن تحديثها يتأخر أسبوعًا، وأن تأثرها شديد بتحيزات الإعلام فلو غطى الإعلام مرضا ما فسيكون أثر التغطية على غوغل أكثر منه على ويكيبيديا، ولعل ذلك لأن من ينتهي إلى ويكيبيديا يبحث عن معلومات موسوعية مفصلة بدلا من أخبار لحظية كالتي يصل إليها كثيرون من خلال غوغل.

    أيا كان الأمر، فهذا يفتح آفاقا مذهلة لمحاولة تتبع اهتمامات الناس من خلال زيارة ويكيبيديا ولا سيما في العالم العربي الذي تغيب فيه كثير من مؤسسات البحث الرصينة. الجيد أن ويكيبيديا ملتزمة بتوفير بياناتها أولا بأول. كخطوة أولى أنشأت برنامجا يفحص قراءة مقالات الموسوعة خلال أسبوع مضى ويرصد أعلى المقالات قراءة لتربط بالمستجدات الإخبارية، والأمل أن نتمكن من الاستفادة من الموسوعة في الرصد المفيد للظواهر.

    البحث “إلي يجي منه” الآخر هو عن دور الخلاف والتعاون في بناء ويكيبيديا وخلص إلى أن الخلاف أكثر من التعاون، لكن الخلاف نادرا ما يكون شخصيا. أجري البحث بتحليل 147 محادثة جرت في ويكيبيديا الإنجليزية عن مقالة أستراليا (التي لها أرشيف نقاش ثري، وتعتبر واحدة من أفضل مقالات ويكيبيديا الإنجليزية). المشكل في منهجية البحث هذه أن قياس الخلاف أسهل من قياس التعاون الذي يكون في أوقات كثيرة بشكل غير مباشر عبر التحرير التعاوني للمقالة نفسها دون نقاش كل خطوة.

    حضرت جلسات أيضا لباحثي المؤسسة تحدثوا من خلالها أن لغات ويكيبيديا التي لها محررون نشطون أقل من 50% من إجمال اللغات، ولذلك فإن الادعاء بأن لويكيبيديا 280 لغة يغفل عن أن كثيرا من تلك اللغات ليست سوى مشاريع ميّتة. تحدثوا أيضا عن أن إجمالي المساهمات لويكيبيديا يقل فعلا بعد أن بلغ ذروته في 2007 لكن لو استثنينا ويكيبيديا الإنجليزية فسنجد أن المساهمة لبقية اللغات ثابتة منذ 2009. تحدثوا أيضا عن أن 7% من المشاركين في مسابقة الويكي تهوى المعالم يستمرون في المساهمة (والنسبة تعتبر ممتازة جدا).

    في سياق الأبحاث أيضا حضرت كلمة في نقد سياسة “لا للأبحاث الأصيلة”، وهي سياسة تتبعها كثير من لغات ويكيبيديا لكي لا تكون الموسوعة ساحة للتحليل ونشر الاكتشافات الجديدة. مرّت السياسة بتطورات عديدة منذ بدأ نقاشها في 2004، إذ كان المنع في البداية مقتصرا على “التفسيرات الجديدة للوقائع التاريخية”، لكنها توسّعت لتنص على رفض إضافة “كل مادة…لم يسبق نشرها.” كان النقد -الوجيه برأيي- أن السياسة إن طُبّقت حرفيا ستمنع أوجها كثيرة من المساهمات كالصور التي يلتقطها مساهمو الموسوعة، وكإحداثيات GPS التي يضيفها المساهمون، والخلاصات التي يدونها المساهمون بناءً على مصادر موثوقة (كل تلك الأشياء قد تنشر لأول مرة على الموسوعة) واقترح أن تسترجع السياسة لما قبل هذه التغييرات. من المهم التنبيه إلى أن هذه التناقضات والهفوات ممكنة جدا في سياسات الموسوعة لأن الموسوعة لا تسعى لفرض أي سياسات صارمة، ولا أحد يتعاطى مع سياساتها كقوانين أو نصوص مقدسة ينبغي التمسك بكل ما فيها، وإنما نتعامل عادة مع روح السياسة.

    الاستخدام العادل وحقوق النشر والتراخيص

    حضرت أيضا كلمة عن تعامل ويكيبيديا مع “الاستخدام العادل” وهو بند في قانون حقوق النشر الأمريكي يسمح باستخدام المواد المُقيّدة في ظروف معينة دون حاجة لاستئذان مؤلفيها. تستفيد كثير من لغات الموسوعة من هذا البند في تضمين الشعارات مثلا، لكنها لا تستغله لأقصاه لأنها تحرص في ذات الوقت على تشيجع المعرفة الحرة ولذا لا يسمح في كثير من اللغات بأن تستخدم صورة مُقيّدة للأشخاص الأحياء -رغم أن استخدامها قد يكون قانونيا- لأنها تسعى لتشجيع المساهمين على التقاط صور حرة بديلة. ويكيبيديا الألمانية استثناء واضح إذ تمنع استخدام أي صورة غير حرة لأن القانون الألماني يفرض قيودًا أشد على “الاستخدام العادل”، ومجتمعها لم يرد أن يكون استخدام ويكيبيديا الألمانية خارقة لقانون ألمانيا.

    في ذات سياق التراخيص وحقوق النشر حضرت كلمة عن “نظافة المصادر المفتوحة” ألقاها محاميان فذّان من ويكيميديا عن صعوبة الالتزام الفعلي برخص البرمجيات عموما (ورخص البرمجيات الحرة منها)، وذكر أحدهما أنه -قبل انضمامه لعالم البرمجيات الحرة والثقافة الحرة- كان يعمل في مؤسسة قانونية تفحص الأكواد قبل أن تستحوذ شركة تقنية على أخرى وأنهم كانوا يجدون في كل مرة خرقا قانونيا بسبب نسخ الأكواد دون الالتزام بالرخصة. ذكرا أن نشاط مؤسسة ويكيميديا تاريخيا إنما كان في تشغيل البرمجيات على الخوادم وكان هذا يعفيها من الالتزام بمتطلبات حقوق النشر لأنها لا “تنشر” البرامج، لكنها تتجه أكثر فأكثر إلى النشر عبر الحِزم التي تسهل التنصيب وتطبيقات الجوال، وأن ذلك يستدعي التأمل أكثر فأكثر في الالتزام بمتطلبات الرخص تفاديا للمشكلات القانونية. من الأسئلة البرمجية التي وردت في نهاية كلمته موقف المؤسسة من كتابة التراخيص في ترويسات كل ملف فيه كود

    وفي ذات سياق التراخيص وحقوق النشر أيضا حضرت كلمة عن مستجدات النسخة الرابعة من تراخيص المشاع الإبداعي (Creative Commons Licenses). تراخيص المشاع الإبداعي هي النصوص القانونية التي تستخدمها جميع مشاريع ويكيميديا لمنح حرية الاستخدام والنشر والتعديل بلغة قانونية معتبرة يُعوّل عليها. هذه النصوص تأتي بعدة إصدارات تحمل كلها ذات الجوهر لكن تتراوح فيما بينها في التعاطي مع المستجدات القانونية لضمان بقاء المحتوى حرا، وتبديد الإشكالات القانونية. استغرقت صياغة النسخة الرابعة سنتين، وجاء معها عدة تغييرات “فنية”: تأتي الرخصة بنسخة دولية واحدة تترجم لعدة لغات دون حاجة لتوطين الرخصة لكل دولة كما كان الحال مع النسخة السابقة، وتتميز أيضا أنها صارت أوضح بكثير وأقصر من سابقتها وأكثر ملائمة لويكيبيديا (يظهر هذا جليا في بند النّسبة Attribution Clause الذي أعيدت صياغته وترتيبه وأزيل منه التكرار وصار -أخيرا- يسمح بأن يكون العزو برابط فقط)، لكن ثمة مشكلات أيضا، وهي مثلا أن النسخ السابقة تنص على أن الترقية منها إلى نسخة أحدث ممكن فقط في حال إجراء تعديل على العمل الأصلي (ومن هنا لا يمكن تعديل رخصة ويكيبيديا من النسخة الثالثة إلى الرابعة).

    ويكي اقتباس

    ويكي اقتباس مشروع شقيق لويكيبيديا وهو أقل نجاحًا منه: سواءً عدد المساهمين والقراء. حضرت مقترحا قدمه مطوران ألمانيان لإعادة هيكلة المشروع ليكون قاعدة بيانات مركزية على خطى ويكي بيانات بحيث لا يضطر كل مشروع لجمع الاقتباسات والمصادر من الصفر، بل تكون كل الاقتباسات في مصدر واحد وتترجم منه لشتى اللغات، كما ذكرا أن ذلك سيتيح أن تستفيد التطبيقات الخارجية من الاقتباسات بسلاسة من خلال واجهة برمجية، كما سيتيح استعلامات معقدة ومخصصة لاقتباسات منسوبة لشخص معين ولمكان معين ولتاريخ معين مثلا.

    جمع التبرعات

    بعد ذلك حضرت جلسة لفريق جمع التبرعات في مؤسسة ويكيميديا استعرض خلالها بعض التجارب التي أجراها على مدار السنين لزيادة التبرعات. مثلا: إضافة خلفية صفراء لعبارة قوية واحدة في طلب التبرعات يزيد التبرعات بنسبة 92% عن ذات الطلب بلا خلفية صفراء. ذكر الفريق أيضا أنهم انتقلوا من السعي لجمع التبرعات في نهاية السنة إلى جمع التبرعات على مدار السنين، وبحكم ضخامة الموسوعة وكثرة مستخدميها يتمكن الفريق على الدوام من اختبار صيغ معينة على عدد محدود من المستخدمين قبل تعميمها على الجميع (أثناء المؤتمر كانت التجربة تقام في بريطانيا والولايات المتحدة).

    مؤسسة ويكيميديا

    ليلا تريتكوف تتحدث في ويكيمانيا 2014

    ليلا تريتكوف تتحدث في ويكيمانيا 2014

    في نهاية اليوم الثاني تحدثت المديرية التنفيذية الجديدة لمؤسسة ويكيميديا ليلا تريتكوف، وكانت المرة الأولى التي تخاطب فيها الأمة الويكيبيدية منذ أن عُيِّنت قبل ثلاثة أشهر. قدّمت لها المديرة التنفيذية السابقة سو غارندر: ليلا من أصل روسي وقدمت إلى الولايات المتحدة وعمرها 16 عامًا وكانت قبل ذلك مديرة تنفيذية لمشروع SugerLabs (الذي يطور تطبيقات حرة لتعليم الأطفال)، وكانت كلمتها حذرة إذ تحدثت عن تسارع وتيرة التغير التقني وأن الموسوعة ستواجه تحديًا في اللحاق به. تحدثت عن أن ارتفاع الوصول للإنترنت في بلدان “العالم الثالث” إنما يكون بارتفاع اقتناء الجوالات، ومن هنا فإن طريقة المساهمة تبدّلت كثيرة، وطرحت تساؤلا مفتوحا عن حال المساهمة للموسوعة لو انتشرت نظارة غوغل ومثيلاتها. ذكرت أن كلمة Foundation (“مؤسسة”) في الإنجليزية تعني أيضا “الأساس”، وأن دور المؤسسة ينبغي أن يكون توفير الأساس لحركة ويكيميديا ومتطوعيها.

    جيمي ويلز

    جيمي ويلز يتحدث في ويكيمانيا 2014

    جيمي ويلز يتحدث في ويكيمانيا 2014


    في نهاية اليوم الثالث ألقى جيمي ويلز كلمته السنوية: “حالة الويكي”، لكن -وكما ذكرت أعلاه- كان قد تحدث بإيجاز في بداية المؤتمر وكانت كلمته في بداية المؤتمر أقوى بكثير من كلمته في نهايته. تحدث عن أن الموسوعة سعت منذ أنشئت للتخلص من المحررين المزعجين (كانت سياستها في هذا الشأن سلبية)، لكن مهم أن تكون الخطوة القادمة أن ترفع من التلاحم والتعاون والامتنان والود داخل المجتمع (أن تكون سياستها إيجابية). أعلن أيضا أن “ويكيبيدي السنة” مساهم قتل في مظاهرة في أوكرانيا في فبراير 2014، وأعلن عن تخصيص صفحة ليرشح المجتمع “ويكيبيدي السنة” للسنين القادمة، بدلا من أن يكون إعلانا يتخذه جيمي بنفسه.

    التعليم

    لم أحرص هذه الدورة على حضور الجلسات التي تتناول دور ويكيبيديا في التعليم، لكني حضرت كلمة ألقتها رئيسة مؤسسة جديدة هي مؤسسة ويكي التعليم التي تفرّعت عن مؤسسة ويكيميديا الأم لتركز على تعزيز مكانة ويكيبيديا في التعليم في أمريكا الشمالية، وكثير من طاقمها من موظفي المؤسسة السابقين لأن المؤسسة رأت ألا تتوسع في الإشراف على برامج محلية وأن يكون نشاطها أكثر دولية (أخيرا نموذج Good breakup حقيقي :D).

    في سياق التعليم أيضا حضرت كلمة ألقتها المدرية التنفيذية لمؤسسة Code Club وهي مؤسسة بريطانية تسعى لتعليم الطلاب على البرمجة. أجربت المؤسسة استطلاعا فتبين أن أكثر من نصف المبرمجين تعرفوا على البرمجة قبل أن تبلغ أعمارهم 14 سنة. بدأت المؤسسة في تعليم Scratch (سبق أن دوّنت عنه هنا) ثم انتقلت لتعليم بايثون.

    البرمجيات الحرة

    بعد ذلك حضرت كلمة عن “مجموعة مناصرة البرمجيات الحرة” في مؤسسة ويكيميديا وهي مجموعة من موظفي المؤسسة تسعى لدعم نفوذ البرمجيات الحرة في كل البنية التحتية للموسوعة بحيث يتمكن أي شخص من تشغيل الموسوعة دون قيود. تحدث مؤسس المجموعة أن المؤسسة تعتبر أكثر المؤسسات التزاما بالبرمجيات الحرة، بعد مؤسسة البرمجيات الحرة لكن ذكر بعض الاستثناءات التي تشذ عن هذه القاعدة وهي البرامج الثابتة في الخوادم والمحولات (لا يوجد بديل حر لها، وهي تأتي مع الخوادم تلقائيا)، وNetApp (لا أعرف ما دوره) وقاعدة بيانات تحدد الأماكن الجغرافية لأرقام الآيبي (قواعد البيانات الحرة غير دقيقة).

    بعد أن انتهى فتح المجال للنقاش فسألته عن التواصل إذ أن موظفي المؤسسة يعتمدون كثيرا على سكايب وغوغل هانغ آوت وكلاهما غير حر، فذكر أن ذلك صحيح لكن مشكلة البروتوكلات الحرة أنها غالبا ما تعتمد على الاتصال المباشر بين الأنداد وهذا يعني أن على الشخص أن يرسل البيانات إلى كل طرف مشترك في الاتصال بدلا من أن يرسلها لطرف مركزي يوزعها بدوره على بقية الأطراف، ونموذج الاتصال بين الأنداد يتطلب سرعة رفع عالية (سبق أن سمعت كلمة لفريق جتسي عن سعيهم لحل هذه المشكلة). علّق أحد الحضور أنه يستخدم chatb.org للاتصال الحر وأوصى به (لكنه أيضا يعتمد على الاتصال المباشر بين الأنداد). سألته أيضا عن صيغة المستند المفتوح ODF، لكنه ذكر أنها تظل للأسف ليست الصيغة الأساسية لدى موظفي المؤسسة وأنهم يعتمدون على Google Docs على كل حال (بعد الأسئلة تبيّن أن الشيطان يكمن في التفاصيل :D)

    اللقاء العربي

    جيمي ويلز يتحدث في ويكيمانيا 2014

    من أعلى لأسفل ومن اليمين لليسار:
    عباد، ويامن، وعبد المؤمن، وصالح، وعبد الله، وياسين، وآمنة، وميرفت، وريم.
    شمة، وندى، وسمير، وولاء.
    أسامة، ومحمد، وحبيب.


    مساء اليوم الثاني التقى الويكيبيديون العرب الذين حضروا ويكيميانيا لمناقشة المستجدات. كانت على الطاولة مسألتين رئيسيتين: إنشاء كيان يجمع المساهمين العرب، وإقامة ملتقى إقليمي عربي يكون نسخة مصغرة من ويكيمانيا.

    فيما يخص المسألة الأولى فالتقدم منذ اللقاء الماضي كان إنشاء مجموعة مستخدمين في تونس (شاركت بطاولة مصاحبة للمؤتمر)، وطلب -ينتظر الاعتماد- لمجموعة مستخدمين في مصر. كان تصوري عندما اجتمعنا السنة الماضية أن العمل “الفيدرالي” ذو الأساس المحلي هو الأنسب، لكن تبين أن النشاط في بعض الدول -منها السعودية- أضعف من أن يدعم تأسيس كيانات محلية ولأجل ذلك اقترحت أن نركز أكثر على مجموعة مستخدمين تجمع المساهمين العرب ووصغت بعض الأسس المقترحة لعملها. أرى أن المفيد في تأسيس مجموعة تجمع العرب أنها توفر علينا كثيرا من إجراءات الاعتماد، وأنها تساعدنا على الاستفادة من شتى خبرات الوطن العربي، وأنها نُشيّد اسمًا يزداد قوة مع الوقت بأن تنسب إليه النشاطات التي نقيمها في شتى الأقطار بدلا من أن تعتبر مبادرات فردية. كان رأي يامن وحبيب (من تونس) وسمير (من مصر) ألا تعارض بين العمل المحلي والإقليمي وأنهم مستعدون للعمل أيضا لما يخدم المجموعة العربية، واتفقنا على ذلك. الخطوة القادمة تكون في الرجوع للسياسات المؤسسة لتشكيل “مجموعة عليا” (Meta group) عربية، وصياغة آلية عمل واضحة تنظم عمل المجموعات المحلية مع المجموعة الإقليمية العربية.

    فيما يخص الملتقى الإقليمي فطُرِحت فكرته لتكون تونس المستضيفة للنشاط، لكن سمير اقترح أن يتاح المجال لدول أخرى لتقديم عروضها لأن ذلك قد يساعد على تخفيض التكاليف، وكانت خلاصة الاجتماع أن نحذو حذو ويكيمانيا بأن نتيح المجال للعروض (Bidding). عرضتُ أن بإمكاني التواصل مع جهات مانحة في السعودية لدعم سفر المساهمين العرب إلى الملتقى الإقليمي أيًنما كان. تشعّب النقاش لبعض التفاصيل، وانتهينا إلى أن نشكل فرقًا تكون مسؤولة عن عقد هذا الملتقى.

    طرح محمد مسألة ويكي تهوى المعالم، وعرض تجربته في الجزائر. رأى عباد -الذي شارك في تنظيم المسابقة في الأردن- أن الآلية التي صاغها محمد في الجزائر لا تختلف عن الآلية المتبعة عالميًا. انتهينا هنا أيضا لتشكيل فرقة عمل تكون مسؤولة عن تنظيم المسابقة.

    اعترضت ميرفت على تشكيل الفرق لأن من حضروا الاجتماع لا يمثلون بالضرورة مجتمع المساهمين فكان تعليقي أن من واجبنا أن نخرج من وهم “التمثيل” وأن نقدم أنفسنا كمبادرة من داخل المجتمع، لا أن ندعي أو نحرص على أن نكون نحن المجتمع ذاته. كنتُ ذكرتُ هذه النقطة في الأسس المقترحة لعمل المجموعة العربية أعلاه. رأى عبّاد أيضا أن التمسك بدور المبادرة -لا التمثيل- سيحل معظم الإشكالات التي قد تطرأ مستقبلا.

    الخلاصة

    ويكيمانيا دائما حدث عظيم. وكالعادة، لم تكن عظمتها مقتصرة على الكلمات والجلسات التي نُظّمت رسميا كجزء من المؤتمر (والتي لخصتها أعلاه) بل إن التعرف على المساهمين الذين يعملون في كل أرجاء العالم على تعزيز المعرفة الحرة فرصة لا تُفوّت. سيكون الملتقى السنة القادمة في المكسيك، وأتطلع لأن أتمكن من حضوره وقد أنجزنا ما يسر على الصعيد العربي.

    أن ترضى بالقليل

    كلنا نسعى للاعتبار: أن نجد حيزا كريما في هذا العالم الذي نشأنا فيه وأن نحقق تطلعاته وآماله، لكن لست أنتَ ولا أنا من يحدد الذي يستحق عند الناس الاعتبار، وليس الاعتبار شيئا واحدا أصلا، وليست فئات الناس كلها متفقة على من ذا الذي هو أهل له. لكن لنا في ذات الوقت اختيار: أن نجد الفئة التي نسعى عندها لنيل الاعتبار.

    ليس عصيّا أن تجده، سواءً بذلت أحسن ما عندك أو لم تبذله، وسواءً محّصت غاياتك أو لم تمحّصها، ويصبح شاقا تبديله بعد أن نلته. المتفوق بين زملائه له اعتبار. المغرد عند متابعيه له اعتبار. مشرف الحلقات عند تلامذته له اعتبار. الأب عند أطفاله له اعتبار. صاحب النكات والفضائح عند أصدقائه له اعتبار. صاحب الأفكار بين رفاقه له اعتبار. مشجع الأرجنتين بين مشجعيها له اعتبار. المُحِّبة عند مُحِّبها لها اعتبار.

    يمكن أن تنال اعتبارا عند فئة من الناس لأنك كتبت: “لا سلام مع إسرائيل.” أو لأنك تنبّأت بنتيجة مباراة ما، أو لأنك صغت فضيحة مصحكة، أو لأنك تدرس تخصصا مرموقا.

    يهيأ لي أن تقنيات التواصل -رغم كل محامدها- سهّلت للكل أن يجد فئة تمنحه الاعتبار، وصار أبعد عن الذهن أن يلقي الشخص بالا للتأمل في غاياته وطموحاته وقدراته.

    دوائر المعارف توطد نفسها دوما.

    ويظل السؤال: هل يدفعك ما تناله من اعتبار لتقديم أقصى ما لديك أم يعميك؟ هل حاولت التحرر من الفضاءات التي تُقيّدك؟

    المشكلة أننا قد نرضى بالقليل. المشكلة أننا قد لا نعرف ذلك.

    إلى عامر

    amer

    أخي الغالي عامر،

    هذا الشهر (شعبان 1435) أتممتَ سنتك الثانية والعشرين، وأتممتُ معك سنتي الواحدة والعشرين. أظنك تذكر الصدفة التي كنا نفخر بها صغارا: كلانا ولد في ذات اليوم: الثامن من شعبان في سنتين متتاليتين! “لعلها إشارة قدرية أن ما بيننا محتم!”

    كانت طفولتنا مفعمة. غريبة. مضحكة. كلما رويتُ شذرات منها أعرف أن الذي أمامي سينفجر ضاحكا أو يبتسم ساخرا. لم تكن عادية أبدا، وأنا متأكد أنك واجهتَ الرد ذاته. قبل أيام عدتُ إلى حاسوبي السابق -توشيبا- وبحثت عن مجلد “الألبوم”. أظنك تعرف أقسامه. هو ذاته المجلد الذي يحفظ كثيرا من ذكريات الأيام الجميلة. بحثت فيه عن مجلد “صور خاصة”. ثمة ثلاثة مجلدات تحته: “صور الطلعات” و”صور الإخوة” و “صور الأصدقاء”. أعرف أين صورك. لم تكن صديقا، بل كنتَ أخا عزيزا. في الحقيقة لم يكن مجلد “صور الإخوة” يحوي إلا صوري معك وأخيك عبد الله في منزلنا وفي منزلكم. في ذات الحاسوب كتبت “amer” فظهرت لي من حيث لا أحتسب سجلات قديمة، قديمة جدا كمحادثاتنا أيام الماسنجر والمنتديات! كانت مشاركاتي في المنتدى الذي نشطنا فيه سويا قد بلغت 1000 مشاركة، فهنأتني ضاحكا. وجدت محادثة أخرى: تريد أن أكتب برنامجا لمعاقبة المتطفلين: اسمه “صور خاصة” لكنه في الحقيقة يطفئ الحاسوب ويجعل الشخص عرضة للمساءلة. أفكارك هذه تعجبني جدا! جهزته، لكنك لم تخبرني حتى الآن من وقع في الفخ. آمل أن تخبرني في أقرب لقاء.

    وجدت محادثة أخرى أعتذر منك فيها. لا أذكر السبب بالضبط، لكنه كان اجتماعا علّقتُ فيه تعليقا لم يفهم كما أردتُ. قد يكون اجتماعا لواحدة من الأنشطة المدرسية التي نشطنا فيها سوية كملتقى الفرسان في الابتدائية وعرين الأُسد في المتوسطة. هل تذكرها؟ أو لعله اجتماع من اجتماعات قوّة. طبعًا لن أسألك عن قوّة، لأني لن أصدق لو قلت أنك نسيتها حتى لو حلفت الأيمان!

    على ذكر قوّة: رجعت إلى الملف الذي أحفظ فيه سجلاتها، وأخذته معي إلى منزلكم يوم السبت الماضي لأتصفحه مع عبد الله. تذكرنا أياما أسسنا فيها قوّة. لم تكن أهدافها واضحة، ومن يتوقع أصلا أن يكون للأطفال (أنا وأنت وعبد الله) أهداف واضحة! الحق يقال: واضح أننا لم نكن نعرف شيئا عن الأحزاب ولا التنظيمات ولا المؤسسات ولا الشركات، فكانت قوّة خليطا من ذلك كله، لكننا كنا نعرف أسسا بسيطة جدا: الغزو الأمريكي للعراق جريمة، دعم إسرائيل خزي، والعمل الإعلامي مهم، وكانت شروط الانضمام لها الالتزام بمثل هذه المبادئ.

    تذكر “آه يا سامي”؟ بعدما عرفنا قصة سامي الحصين المعتقل في أمريكا جهزنا عروض بوربوينت لنُعرّف بالقضية واشترينا عشرات الأقراص المرنة (لا أذكر صراحة من أين أتينا بمبلغها، هل تذكر؟) ثم بعناها لزملائنا في المدرسة بريالين على أن يعود ريعها لقوّة ولنمول بها إصدارتنا القادمة. ثمة إصدارات أخرى: “ضرغام قوّة” و”فستقة المرئيات”. اخترنا الاسم الأخير -فستقة- لأننا كنا نحب آيسكريم الفستق، فكنا نشتريه كلما وقفنا سويا في بقالة العوبثاني في طريق عودتنا من المدرسة.

    كنا نصلي سوية في ذات المسجد، ونجلس عند تلك التلة الخضراء أو عليها، أحيانا إلى أن تأتي الصلاة التي تليها. بعدها بُني مسجد أقرب إلي بيتكم فصرت تصلي غالبا فيه، كنتُ لا أخفيك حزني على بنائه.

    انتهت أيام المدرسة. ذهبتَ إلى كلية الحاسب، وذهبتُ إلى كلية الطب. كنتَ تأتي أحيانا لتصلي في المسجد القريب من بيتنا، فكنت أنتظرك في آخر المسجد وقتما تصلي السنة الراتبة، وأسألك: “عندك شيء؟” لأركب معك الفورد و “تنطل” في الحارة. تعلمت منك أن “التنطيل” ليس فعل العابثين، فحتى المطاوعة بارعون فيه! سأعترف: إن سئمتُ منك وشعرت أنك ستوقعنا في ورطة كنت أستشهد بأمي التي تدعو على “المنطلين” المزعجين لعلك تتوقف، ودائما كنتَ تتوقف! (لحسن الحظ كنتَ أحرص على سيارتك الجديدة: الأفلون، فهدأت قيادتك) بعدها -إن بقي وقت- كنا نذهب لجافاتايم حيث نصحتني فيه بالآيستي. أشربه دائما.

    في جلساتنا تلك -التي كنا ننقل بعضها لتويتر- كنا نرسم خريطة بديلة معقولة لهذا العالم المجنون. ما الذي علق في ذهنك من نقاشات؟ شخصيا أتذكر جيدا: ملف المعتقلين والمظاهرات، ومشروع حسم، وبيان دولة الحقوق والمؤسسات، والأحزاب الإسلامية، واستهداف المدنيين الأمريكيين، وجدوى المقاطعة، والدولة الحديثة والديمقراطية، ومصير سوريا.

    سوريا، سوريا، سوريا. كانت همًا شاغلا لك. كانت تصلني إصدارات المنارة البيضاء منك أولا بأول، وكنتُ أسألك باستمرار عن مؤلفات المشائخ الجهاديين وآرائهم ومؤلفاتهم وأعتبرك “ممثل الحركات الجهادية بالنسبة لي”. ثمة حشد لسوريا. كل من أعرف من الجهاديين ذهبوا، لكن هل ستذهب أنت؟ تبدو خطوة مصيرية صعبة جدا، ولا سيما أنك ممنوع من السفر. أخبرتني قبيل ذهابك أن منع السفر رُفع عنك. كنتُ أحتاج أن ألتقي بك سريعا. في الحقيقة لم أكن أنوي أن أقول لك شيئا مخصوصا، ولا أن أسألك عن الموضوع حتى، لكني أريد أن أراك. قلت لك: “خلنا نفرح ونسوي حفلة. استغلنا يا خي! خلنا نشوفك على عشاء أو غداء هالأسبوع.” طلبتَ مني أن أسعى في موضوع طبي لحلقتكم فانشغلنا عن اللقاء. أخبرني عبد الله بعدها أنك ذهبت إلى سوريا. قلتَ لمن خلفك أنه لم يكن لك أن تهنأ وأنت تسمع نداء المستضعفين، وأنك ما خرجت إلا نصرة لهم، وتبا للحدود.

    أمضيتَ 11 شهرا متنقلا بين الجماعات والكتائب تاركا الخلافات وراء ظهرك، باحثا عن خطوط النار لتشهر سلاحك في وجه النظام العميل المجرم وجنوده. كانت معركتك شريفة. تحملت الكثير، وضحيت بكل ما في يدك في سبيل الله، الذي كتب نصرة المظلوم. كل من رآك هناك، كمن رآك هنا: أحبك. ابتسامتك الطلقة المعهودة صحبتك في اللاذقية والغوطة وحمص وحلب.

    أنشدت “لئن لم نلتقي في الأرض يومًا” وكتبت “يا هلي كيف بالسلا…عن جهاد الأعادي؟”

    ثم أصابك رصاصهم الخبيث في ريف حلب.

    لم يكن بمقدور الأطباء فعل شيء. مكثت مصابا خمسة أيام إلى أن قُبضت روحك الطاهرة.

    ثم دُفنتَ في تفتناز.

    أعرفك جيدًا يا عامر، ولا أعرف عنك إلا صفاء القلب وصدق المطلب. قليلون جدا الذين أزداد إجلالا لهم كلما اقتربت إليهم. أنت منهم. تتصاغر أشياء، وتعظم أشياء بحضور الموت. موتك أعمق.

    لست هنا أرثيك، أنت فوق الرثاء، لكن مشافهتي لك لم تجد جوابا سوى الصدى، فلنجرب الكتابة.

    بكل ود،
    أسامة

    عن الإغراق في التنظير

    بؤس الواقع والإحساس بالعجز فيه يدفع للهروب. أتفهم ذلك تماما، بل إني لا أعتقد أن على أحد أن يعيش هذا العجز. الحياة أقصر من أن تعيشه. لكن ورغم ذلك حريٌ بنا أن نسأل: إلى أين الهروب؟

    واحدة من الحقول التي يجد فيها البعض الخلاص: الخوض في النقاشات الفلسفية والتاريخية والتفكير في مستقبل مشرق. تجده مثلا حاملا عشرات الكتب، وممسكا ورقة وقلما ليرسم تفاصيل ذلك المستقبل ويحدد معالمه ويتأمل المعضلات الممكنة وغير الممكنة فيه عسى أن يجد لها حلا متماسكا شاملا. قد يخرج بافتراض بديع يعالج ما يشغله من معضلات، ويمنحه ذلك الافتراض يقينا أننا لسنا ملزمين بالواقع الذي نحن فيه، وأن الأفق أوسع من أن تُقيّده الظروف الراهنة. يجعله هذا التفكير أيضا محاطا بمجموعة فطنة ممن يشاركونه الضجر بالواقع، والطموح لذلك المستقبل.

    الطموح مهم، والتفكير في إمكانيات المستقبل ومعالجة معضلاته أيضا مفيد، لكن معياري الذاتي في تحديد جدوى الاهتمام الجاد بقضية دون أخرى: ما الأثر؟ أظن أن كثيرا مما يطرح في الأوساط الفكرية الشبابية ينسى أو يتناسى شيئًا فشيئا الحلقة المفقودة الأهم: كيف نغير الواقع؟

    الأمر أشبه بأن تكون تائها في الصحراء وأن تمضي الوقت مفكرا: كيف سأعيش في واحة بهيّة عذبة ذات ظلال. ليس الإشكال أن تلك الواحة غير موجودة، أو أن الوصول إليها غير ممكن، ولا حتى أن التفكير في كيفية العيش فيها غير نافع: الإشكال أن الإغراق في هذا يهدر طاقات كان يمكن أن تصرف في فهم حدود تلك الصحراء، وإيجاد طريق للخلاص منها، أو -عل الأقل- تحسين الحياة فيها.

    من المهم أن توجد رؤية عامة لمستقبل مأمول، فالرؤى هي البوصلة التي تحدد الاتجاه. لن تجد مثلا داعيشا يسعى لتنظيم العمال في نقابات، ولا أناركيا يجدد البيعة لأبي بكر البغدادي، لكن وفي ذات الوقت ثمة خطوط عريضة تجمع عددا مقبولا من الشباب المهتم. قد لا يكون ممكنا سرد تفاصيل الواقع المثالي المتفق عليه بعد تحقق تلك الخطوط؛ فلا أظن أن تلك التفاصيل موجودة ولا أظن أننا نحتاجها حاليا أصلا. الواقع الذي نتعاطى معه يحول بيننا وبينها وأجد فهمه أنفع. قد تكتشف أصلا أن تنظيرنا لتلك التفاصيل لم يكن دقيقا ولا عمليا ولا مثاليا حتى، وعموما أعتقد أن تلك الخطوط ستكون أكثر تفصيلا ودقة مع الوقت وستثريها التجربة، ويصاحبها في ذات الوقت تأمل نظري للرؤى دون إغراق في ذلك.

    قائمة الأسئلة المستقبلية والجدالات الفلسفية والتاريخية التي أود الإجابة عنها تتقلص شيئا فشيئا. نعم، أجد المتعة في تأمل المستقبل أحيانا وفي تصفح ما يطرح بعض الفلاسفة والمفكرين، لكني لا أحرص على أن أشكل رأيا وموقفا ما لم أظن أني لي فيه أثرا.

    مع المدونين العرب

    ab14-logo-400-shadow
    استضافت عمّان الأسبوع الماضي أربعة أيام مبهجة مفعمة لملتقى المدونين العرب 2014 حيث اجتمع مدونون من شتى أرجاء الوطن العربي ليتعارفوا ويتبادلوا الخبرات ويحكوا التجارب ويستعرضوا المشاريع. كان الملتقى قد عقد في 2009 في بيروت ثم في 2011 في تونس، وها هو يعقد مجددا في عمّان. تلقيت الدعوة من الأصوات العالمية، التي أدوّن فيها، وكانت فرصة مميّزة.

    افتقدت هذه الدورة من الملتقى وجوها مميزة: علاء عبد الفتاح وباسل صفدي الذيْن حال دون حضورهما السجن، وآخرون من العراق وسوريا منعوا بسبب التأشيرة. أحد المدونين السوريين احتجز في مطار الملكة علياء في عمّان لسبع ساعات قبل أن يجبر على العودة من حيث أتى! صدقت عبير حين وصفت ما جرى بالعار.

    ينقسم الملتقى لقسمين: الأيام الثلاثة الأولى مغلقة ومركزة وتعقد فيها ورش وجلسات نقاش، واليوم الرابع والأخير مفتوح للجميع وتحضره الصحافة وتعقد فيه ندوات ومناظرات. تولت حِبر (وهي مجموعة إعلامية شبابية أردنية) تنظيم الملتقى بإبداع ومرح: محمد القاق ولينا عجيلات وريم المصري ورمزي جورج وآخرون. تنسيق محمد وشطحاته الصباحية تستحق الكثير الكثير من الإطراء والثناء. كنّا نبدأ كل صباح بتمارين بديعة. 😀

    بدأ اليوم الأول بحلقة كانت مدخلا للتعارف: سأل محمد القاق أسئلة وطلب من الحضور أن يتحركوا لوسط الحلقة ليعرف الحضور المشتَرك بينهم: من منكم يُدوّن من سنة واحدة على الأقل؟ سنتين؟ ثلاثة؟ من حضر الملتقيات السابقة؟ من منكم والد لطفل واحد؟ طفلين؟ ثلاثة؟ وهكذا. بعدها تقدم خمسة مُيسّرين تحدثوا عن خمسة مسارات ستعقد صباح الأيام الثلاثة كلها: مسار الأمان الرقمي، ومسار التوعية والدفاع الإعلامي، ومسار تصوير البيانات، ومسار حوكمة الإنترنت، ومسار كتابة الأخبار.

    انضممت لمسار تصوير البيانات وتمثيلها الذي قدمه كل من: رمزي جابر (من مشروع تصوير فلسطين) ومايا وغابي (من مؤسسة تاكتكال تك). في الصباح الأول تحدث رمزي عن تجربته العملية في التعريف بالقضية الفلسطينية (بعضها هنا)، واستعرض بعض الأفكار وتحدث خلالها عن أسس إيصال الرسالة واستبناط المعلومات وتحدث عن مقاييس يستخدمهما المشروع لقياس مدى الأثر: المقياس الكمي (بقياس الزيارات والتشارك) والمقياس الكيفي (بقياس نوع التأثير ومداه الذي سببه العمل). تحدثت مايا عن التصورات المختلفة لمختلف الثقافات عن تصوير البيانات وتمثيلها.

    محررو الأصوات العالمية في الملتقى!


    بعد استراحة الغداء انقسمنا لخمسة مجموعات وصاغت كل مجموعة قائمة بالمتطلبات التي يأمل أعضاؤها أن يتعلموها خلال الملتقى. من المتطلبات التي صاغتها المجموعة التي كنت فيها مثلا: تقنيات التدقيق الإملائي، والتعرف على حال الإنترنت في لبنان والسعودية، وتحديد الأولويات الإخبارية بكفاءة، وتحليل الشبكات الاجتماعية. بعد ذلك اجتمعت المجموعات المختلفة وقُرِئت المتطلبات وطُلب من كل من لديه القدرة على تلبية إحدى هذه المتطلبات أن يتطوع لإقامة جلسة في فترة ما بعد الظهر في الأيام الثلاثة، وهذا ما تم فعلا.

    أعلنت جلسات ما بعد الظهر فحضرت جلسة عقدها ثلاثة أكاديميين يعملون على دراسة الشبكات الاجتماعية. تحدثت جودي دين عن مفهوم “الرأسمالية التواصلية”، وهو مفهوم صاغته في دراستها للقيم التي تنتشر في الشبكات الاجتماعية. ترى جودي أن تلك القيم امتداد للاقتصاد الذي تأسست عليه هذه الشبكات: الاقتصاد الرأسمالي، وأنها تعزز النظرة الفردانية التي يسعى فيها المُدوّن للترويج لذاته وللحرص على الحفاظ على الزيارات، والمتابعين، وأن ذلك كله يصاحبه تركيز على الكم لا الكيف واعتبرت في هذا السياق مصطلح “المدون العربي” نموذجا على التركيز الرأسمالي على الكم رغم الاختلافات الجذرية بين المدونين العرب وصعوبة خلق نموذج يجمع ما يمكن أن يسمى “مدونًا عربيا”، ثم تساءلت أخيرا عن دور ذلك كله على الحراك الراديكالي. أظن أن سؤال جودي يستحق التامل فعلا: ما القيم التي تعززها بنية الشبكات الاجتماعية، وكيف تؤثر على الحراك؟ لكني أتحفظ على جعل تلك القيم امتدادا للاقتصاد الرأسمالي، فثمة عوامل مختلفة اجتماعية وتقنية تساهم وبقوة في خلق القيم في تلك الشبكات. ستجد مثلا تباينًا في تعاطي مختلف البلدان مع الشبكات الاجتماعية، وتباينا بين مجتمعات المنصات المختلفة. لفت أحد الحضور الانتباه إلى أن عددا من النقاط التي طرحت مثلا تعتبر تصرفات بشرية فطرية لا ينبغي أن تربط بنماذج شبكية محددة. تحدث أكادميون آخرون عن مجتمع التدوين، وكيف يجري التواصل بين المدونين فرفض جون مثلا أن يعتبر التدوين “محادثة” واعتبره تصرفا فرديا للتعبير عن الذات يصاحبه -بشكل غير مباشر- خلق ثقافة عامة يجري من خلالها التواصل وتعميم الأفكار والمفاهيم.

    في اليوم الثاني وصل للملتقى مشاركون فاتهم اليوم الأول. سعدت جدا بلقاء رنوة يحيى من أضِف (وهي مؤسسة مصرية أعزّها كثيرا!)، ووصل شباب من المغرب منهم زينب، وحنان. واستؤنفت الجلسات الصباحية وخضنا في جلسة تصوير البيانات تدريبا عمليا حاولنا فيه جمع معلومات شخصية واستبناط العلاقات بينها، ثم تصويرها بيانيا. بعد هذا النشاط تحدثت غابي وطارق عمرو عن بعض أدوات تنظيف البيانات المبعثرة واستخراج المهم منها (منها: OpenRefine و Mr. People)

    في فترة ما بعد الظهر حضرت جلسة لنشرة المواطن الرقمي، وهي نشرة شهرية توثّق حال الحريات الرقمية في الوطن العربي (آخر نسخة هنا، وهنا الاشتراك). كانت الجلسة استعراضا لهدف النشرة ونقاشا لأدائها تَبع ذلك أن توزّعنا على مجموعات تناقش كل مجموعة جانبا من جوانب النشرة: زيادة قرائها، واستقطاب كتاب لها، وتحسين عملية صياغتها وتجهيزها.

    رسائل من ملتقى المدونين العرب، بعدسة عامر سويدان

    رسالتي من ملتقى المدونين العرب: “المعلومات قوة، وككل قوة، ثمة من يريد الاستئثار بها لنفسه.” من بيان طلائع النفاذ المفتوح.
    بقية الرسائل هنا، بعدسة عامر سويدان.

    في اليوم الثالث استؤنفت الجلسات الصباحية وحضرت بعد الظهر جلسة قدمها مجموعة من السوريين. تحدثت ليلى عن مشروع “سوريا ما انحكت” لتوثيق الحراك المدني السوري من جهات إعلامية وفرق إغاثية وبناء المجتمع. تحدثت مارسيل -التي قدمت من حلب للملتقى!- عن قصتها الشخصية وعن انخراطها في الحراك، وعن اغتيال النظام لوالدتها، ثم تحدثت عن حال حلب وسيطرة داعش وطردها وانتقدت بشدة المنظمات الدولية التي لا تفهم ما يحتاجه الشباب في سوريا ومثلت على ذلك بدورات “السلم الأهلي” التي تقيمها تلك المنظمات، واستقطابها للشباب خارج سوريا ورفضها لأن تدعم الشباب النشط الذين يعملون في الداخل (تحرزا من أن يصابوا بالضرر فيلاموا). تحدثت عن غياب الغالبية العظمى من السوريين عما يجري على الإنترنت بسب قطع الإنترنت والتكلفة العالية لإنترنت الأقمار الاصطناعية التي تبلغ قيمتها لستة أشهر 1500 دولار. حكت عن قصص صغيرة من التكافل، والتضحية، والتعايش.

    افتتح اليوم الرابع بكلمة لهشام المرآة. بدأها بغزل ببغداد العلم والمعرفة والنهضة والنور، وأننا من هنا نسعى لأن نخلق بغدادًا جديدة تحي تلك النهضة عبر الإنترنت. تحدث عن المدونين الذين منعهم السجّان من الحضور، وتحديدا علاء عبد الفتاح في سجن القاهرة وباسل صفدي في سجن دمشق. عقب ذلك ندوة عن دور المدونين في المرحلة الانتقالية، ثم مناظرة عن العبارة التالية: “الحجب لم يعد مهما، ما يهم الآن هي المراقبة”. دافع عمرو ومورغان عن هذه العبارة، وعارضها وليد وإيلري. تحدث عمرو عن المشاكل الجوهرية في بنية الإنترنت والعلاقة الحتمية بين المراقبة والحجب، وتحدث مورغان عن تجربة الفيلسوف البريطاني جريمي بنثام: أن احتمالية المراقبة بحد ذاتها (ولو لم تكن المراقبة مؤكدة) ستلزم الشخص بأن يُقيّد نفسه. في المقابل تحدثت إيلري عن أن الحجب بحد ذاته لا يزال معضلة وذكرت أن حوالي 3% من الصينيين فقط لديهم أدوات للتغلب على الحجب. بعد ذلك عقدت ندوة “فنانو الثورة و الثقافة المضادة”. تحدث رضا زين عن أهمية الفن الحر (أو شبه الحر) في خلق شبكة فنية ومجتمع فني، وعن ضرورة خلق وسائل لا رأسمالية للتمويل، ورفض أن يعتبر الراب أو الجاز نماذج غربية بل اعتبر تأسيسها خروجا عن السائد في السياق الغربي ذاته. علّقت مارسيل أن الراب والجاز ليست أغانٍ يفهمها معظم الناس، ومثّلت على عودة الحداءات السورية الأصيلة في هتافات المظاهرات.

    تخلل هذه الأيام الأربعة جلسات ثرية جدا مع شباب رائعين تعلو على كل ما ذكرت أعلاه في البرنامج الرسمي وتعلمت منها الكثير. أعرف أني لن أستطيع التوقف إذا بدأت بشكرهم فردا فردا، ولذا فلن أبدأ. 😀 كنت قدِمتُ للملتقى بتساؤلات لمحاولة فهم استخدام الشبكات الاجتماعية وتحليلها، وناقشت أفكار كثيرة ثرية في هذا السياق، والتقيت أخيرا بمن هم وراء مؤسسة الجبهة الإلكترونية، وهي مؤسسة معنية بالدفاع عن الحريات في العالم الرقمي ودراسة طرق التجسس والحجب وتطوير أدوات لمكافحتها. كنت قد شاركت في مشاريع المؤسسة التطوعية لسنين.

    الغاية من هذه الملتقيات مهمة: ثمة مجال للتعلم والتأمل في تجارب مختلف الأقطار العربية، وثمة فرصة لدعم جهود يندر الحديث عنها وتغطيتها، وثمة متسع للسعي والمواصلة على شتى الجبهات عسى أن يخلق هذا بريق أمل. تقول رنوة: “أملي هو الأمل”.

    عن ويكيمانيا 2013

    أختتم الأسبوع الماضي مؤتمر ويكيمانيا 2013 وهو المؤتمر السنوي لحركة ويكيميديا الذي تعرض فيه أبحاث وتروى فيه تجارب وتعقد فيه ورش عمل وعصف ذهني عن نشر المعرفة الحرة عبر ويكيبيديا ومشاريعها الشقيقة. هذه الدورة الثالثة من ويكيمانيا التي أتمكن من حضورها بعد عام 2010 في غداسنك وعام 2012 في واشنطن. حضر هذه المرة من العرب تسعة: أحمد وآية وعبد الناصر (من برنامج ويكيبيديا لتعليم في مصر) ورشاد (شاب يهمه رفع الوعي التقني في المجتمع اليمني) ورڤان وزكريا وعبّاد ومحمد عودة (المساهمون المخضرمون في ويكيبيديا). عُقِدت هذه المرة -ولأول مرة- جلسات قدمها مساهمون عرب وجلسات عن ويكيبيديا العربية خصّصتُ لها قسمًا في آخر هذه التدوينة، قبل الخاتمة.

    الافتتاح

    أفتتح المؤتمر بعرض تنانين صينية ظريفة وبفرقة غنائية أدمت أذاننا بصخبها وأيقظتنا في ذات الوقت. :p تلى ذلك كلمة قصيرة لرئيس وحدة المعلومات في حكومة هونغ كونغ الذي تحدث عن أن نسبة الوصول للإنترنت في هونغ كونغ 280% (بحكم امتلاك كثيرين أكثر من جهاز محمول متصل بالإنترنت) وبأن معدل سرعتها 57 ميغابت/ثانية وذلك هو الأسرع عالميا، لكنه كمسؤول حكومي كان -كما هو المتوقع- متطفلا عن المجتمع إذ بدأ بتحية شخصية لمؤسس ويكيبيديا جيمي ويلز -وهو ما لا ينبغي فعله في مؤتمر مجتمعي- وبتعريف بموسوعة ويكيبيديا -في مؤتمر يفترض أن من فيه خبراء بدقائق الموسوعة وكواليسها- ثم افتخر بأن هيرتج فاونديشن (وهي ذراع فكري لليمين المحافظ الأمريكي) اعتبرت هونغ كونغ أكثر بلد يمنح الحرية للشركات.

    التنانين ترحّب بالويكيبيديين (CC BY-SA 3.0)

    بعد ذلك ألقى الكلمة الرئيسية لليوم الأول من المؤتمر ماكوتو أوماكوتو وهو باحث ياباني تحدث عن مشروع saveMLAK، وهو موقع تعاوني يعمل بتقنية الويكي أطلقه في اليوم التالي للزلزال الذي ضرب اليابان في 11 مارس 2011 ليوثّق المكتبات والمتاحف والأراشيف وغيرها من المؤسسات الثقافية التي تضررت من الزلزال ليتمكن الناس من حصر الخسائر ويتعاونوا على ترميمها. تمكنوا من توثيق 934 مؤسسة متضررة ولعب الموقع دور الوسيط في جمع المال لبناء عدة مكتبات عامة.

    بعد ذلك ألقى جيمي ويلز كلمته السنوية “حالة الويكي”، وابتدأها بالحديث عن أنه لأول مرة خلال سنة واحدة كسرت 4 ويكيبيديات حاجز المليون مقالة وهي: الروسية والإيطالية والإسبانية والسويدية (الأخيرة استخدمت برنامجًا آليًا لتوليد مئات آلاف المقالات عن قرى ومدن)، كما انتقد الصين وإصرارها على رقابة ويكيبيديا وحجب بعض مقالاتها لأن ذلك يقيّد الصينيين ويحرمهم من “حق الاشتراك في رواية القصة الإنسانية”، وأن ذلك حق يعلو على السلطات ويجب أن تحترمه. بعد ذلك حيّى مساهمي ويكيبيديا الفرنسية الذين تصدوا للمخابرات الفرنسية التي طالبتهم بحذف مقالة عن برج عسكري فرنسي بحجة أنها تشي بمعلومات سرية (رغم أن المقالة استندت عن مصادر منشورة مسبقا)، وأعلن أن جائزته السنوية (“ويكيبيديّ السنة” الذي يُمنح 5000$) ستذهب للإداري الفرنسي الذي استدعي وُهدّد. تسبّبت المخابرات الفرنسية بضجة حول المقالة وترجمة لأكثر من 28 لغة (منها العربية طبعا!) أثنى أيضا على عميل وكالة الأمن القومي الأمريكية إدورد سنودن الذي وشى بعدة عمليات تجسس تقوم بها الحكومة الأمريكية لكنه استعرض الأسلوب الذي تعاطى الإعلام معه خبره وتركيزه على حياته الشخصية وأن حبيبته راقصة جميلة بدلا من التركيز على أن الحكومة تعتدي على ملايين المواطنين وذكر أنه يبحث إطلاق مشروع إعلامي بديل يجعل للقراء رقابة حقيقة على الصحفيين ومكانة تكافئهم في تقرير ما الأخبار المهمة إن لم تكن مكانة تعلو عليهم، لكنه أكد على أن المشروع لا يزال فكرة وأنه سيسعد بلتقي أي مرئيات عن الأسلوب الأمثل لخلق هذه الوسيلة الإعلامية المجتمعية. اختتم الكلمة بعرض مقطع فيديو يشكر فيه المديرة التنفيذية لمؤسسة ويكيميديا التي ستغادر المؤسسة خلال السنة القادمة.

    الأبحاث

    في كل سنة يلقي بنجامين ميكو هِل (وهو ناشط معروف في مجتمعي البرمجيات الحرة والثقافة الحرة) كلمة يستعرض فيها الأبحاث التي أجريت على ويكيبيديا. أجري السنة الفائتة حوالي 800 بحث على ويكيبيديا ومشاريعها الشقيقة واختار منها 6 أبحاث. البحث الأول أجراه باحث متخصص في تأريخ الموسوعات ودراسة نشأتها وحدّد ثلاثة مراحل تُتّبع تاريخيا لكتابة كل موسوعة: 1) البحث عن المعلومات، 2) تجميع المعلومات، 3) صياغتها جماعيا. رأى الباحث أن موسوعة ويكيبيديا لا تعتبر قفزة على هذا السياق التاريخي. البحث الثاني أجراه باحث لغوي تمكن من إنتاج شبكة ضخمة تربط الكلمات بمرادفاتها وأضدادها اعتمادًا على مشروع ويكاموس الشقيق لويكيبيديا، وهذا -حسب ما أتصور- مهم جدا للذكاء الصناعي. الجيد في الموضوع أن الباحث أطلق الأداة التي طوّرها برخصة حرة ليتمكن الجميع من الاستفادة منها وتوليد الشبكة كلما تطوّر القاموس. البحث الثالث عن جودة ويكيبيديا، وأشار ميكو إلى أن الأبحاث التي تتناول هذا الجانب لا تنال اهتمام الويكيبيديين رغم إمكانية التعاون مع الباحثين في تصحيح الأخطاء التي يجدونها. البحث الرابع عن صفحات النقاش وعلاقة القراء بها إذ وجد البحث أن القراء عادة لا يعرفون أن صفحات النقاش موجودة أصلا، وأنهم إذا عرفوا أنها موجودة يُقيّمون المقالات تقييما أقل من تقييمها قبل أن يكتشفوها لكن نظرتهم لويكيبيديا تتحسن (أتصور لأن صفحات النقاش تستعرض جوانبًا خلافية قد يكون القراء قد سهوا عنها، لكنهم أيضا يستوعبون أن خلف ويكيبيديا مجتمع نشط من المحررين الجادين الذين يسعون لتحسين مقالاتها). البحث الخامس اعتمد على المنهجية التي يتبعها باحثو النصوص في تحليل الكتابات التي يشترك في تأليفها عدة أشخاص لتحديد الأجزاء التي كتبها كل شخص اعتمادا على تنوّع أنماط التأليف. غاية البحث إيجاد وسيلة آلية لاكتشاف “دمى الجورب” (وهي حسابات عدة يديرها شخص واحد لخلق تأييد وهمي للتأثير على مجرى النقاش). توصّل الباحثون إلى طريقة آلية مكّنتهم من اكتشاف 80% من حالات دمى الجورب آليا. البحث السادس تناول الملاحظات التي يتبادلها الويكيبيديون وأثرها على الناس. خلص البحث إلى أن الويكيبيديين القدامى لا تؤثر عليهم الملاحظات بعكس الجدد (نسيت حقيقة نوع التأثير :))

    بعد كلمة بنجامين تحدث ويكيبيديان من السويد عن استطلاع أجرياه على أعضاء البرلمان السويدي للتعرف على نظرة المؤسسة التشريعية لويكيبيديا. شارك 98 عضوا من أصل 349 لكن الباحثين أشارا إلى أن الذين شاركوا في الاستطلاع هو غالبا المتعاطفين مع الموسوعة وهذا قد يسبب تحيّزا في البحث. نوّه الباحثان أيضا إلى أن تمثيل الذكور في البرلمان السويدي أعلى، لكن تبيّن أن نسبتهم 53% فقط. سألت أحد الباحثين عن التفاوت في التعاطي مع الموسوعة بين الأحزاب اليمينية واليسارية للموسوعة فقال أن اليسار أكثر تعاطفًا معها (حزب الخضر مثلا). إجراء هذا البحث في السعودية سيكون أسهل لأن “المؤسسة” التشريعية يسيطر عليها شخص واحد. 😀

    بعد ذلك حضرت كلمة أخرى لبنجامين ميكو هِل استعرض فيها مع آرون شاو بحثا أجرياه عن “بيئة الويكيات” حيث حللا بيانات حصلوا عليها من موقع ويكيا (وهو موقع ضخم يستضيف مواقع الويكي) ليقارنوا علاقة حجم الويكي بالمساواة بين مساهميها، وتنافسها على أوقات المحررين وجهودهم. لا تزال أطروحتهما في طور البحث، ولا تزال النتيجة التي خلصا لها ليست واضحة.

    استراحة قهوة في المؤتمر (CC BY-SA 3.0)

    بعدها استعرض باحث من جامعة ستانفورد بحثًا أجراه عن القيود التي نشأت في ويكيبيديا وعنون لكلمته بـ”الأخ الأكبر يراقبنا“. تحدث عن أن الطبقية والتراتبية (كوجود حكام ومحكومين) ليست هي الوسيلة الوحيدة للقهر في المجتمعات بل يمكن أن ينتج القهر بين الأنداد، وأن تراكم السياسات وإرشادات التحرير يخلق “عصابة” متمكنة تجد لكل رأي لها سندًا في السياسات. تحدث أيضا عن أن المساواة في ويكيبيديا ليست تامّة فمثلا في حين يساهم المجهولون بربع محتويات ويكيبيديا، لا تمثل أصواتهم إلا جزاءً واحدًا من عشرين جزءًا (1/20) حين اتخاذ القرارات فيها. عقب الكلمة نقاش اعترض فيه بعض الحضور على أن الباحث قال أن في مجتمع ويكيبيديا ما يشبه برج المراقبة لتوجيهه، وشبهوا المجتمع ببيت جدرانه من زجاج يرى كل واحد كل ما يفعله الآخرون مما يسبب ضغطا كبيرا بين الأنداد.

    مشروع GLAM

    حضرت بعد ذلك جلسة لمشروع GLAM (وهو مشروع لحث المعارض والمكتبات والأراشيف والمتاحف على تحرير ما عندها من مواد ونشرها عبر ويكيبيديا ومشاريعها الشقيقة). تحدث فيه ويكيبيدي ألماني عن استراتيجية لتحريض الحكومات على نشر ما عندها من بيانات. يقول أن الاعتراض الذي يتكرر كثيرا أن المؤسسات الحكومية ستخسر مصدرا للدخل إذا نشرت ما تملك من بيانات برخصة حرة فطلب من نائب في البرلمان الألماني أن يستفسر رسميا عن مقدار الدخل الذي تتلقاه الحكومة من ترخيص ما تنتج من بيانات. تبين أن الشرطة الفيدرالية الألمانية مثلا تكسب 128 يورو فقط من ترخيص البيانات سنويًا، أما الحكومة الألمانية مجملا فلا تكسب سوى 5 ملايين وهو ما يكافئ 0.0018% من ميزانيتها السنوية. أحيانا يشتكي المعارضون من أن إتاحة المواد وتسليمها لمن يطلبها مكلف بحد ذاته وأن حقوق النشر مفيدة لتسديد تلك التكاليف. رأى المتحدث أن الواجب هنا أن تسمى تلك التكاليف باسمها: “تكلفة تسيلم”، بدلا من أن تستخدم حقوق النشر لتسديد تلك التكاليف التي لها آثار سلبية مهولة. شارك بعض الحضور تجاربهم في الضغط على الحكومات فذكر ويكيبيدي فرنسي أن للقضية بعدا سياسيا في فرنسا لأن بعض السياسيين قد يحرصون على زيادة ميزانية جهة معينة (كالمتاحف العامة) فلا يجدون وسيلة لزيادتها مباشرة فيحرصون على أن يبيع المتحف تراخيص لاستخدام ما عنده من مواد إلى بقية الجهات الحكومية لكن هذه الوسيلة بحد ذاتها مكفلة لأنها تجبر المتحف على وضع البنية التحتية لهذا البيع فيضطر لإنشاء قسم محاسبة وقسم قانوني وهذه الوسيلة الملتوية غير كفوة لزيادة الميزانية، عدى أثرها في تقييد المعارف.

    فيما يخص عالمنا العربي المشكلة أكثر تعقيدا لأن الحكومات لا تنشر أصلا ما عندها من بيانات ناهيك عن أن تسمح باستخدامها. ثمة مبادرة في تونس للحوكمة المفتوحة لحث الحكومات على أن تعمل بشفافية، وأظن أن هذه الخطوة ينبغي أن تكون نقطة الانطلاقة في أي بلد يسعى لأن تحرّر فيه البيانات الحكومية.

    الإنترنت في وسط الصين وهونغ كونغ

    ألقى الكلمة الرئيسية في اليوم الثاني رجل أعمال من هونغ كونغ هو أول من أسس شركة اتصالات في المدينة وكانت مقارنة بين الإنترنت في وسط الصين وفي هونغ كونغ. حُجبت في ويكيبيديا في وسط الصين سبع مرات من عام 2004 إلى عام 2013، وحاليا بعض المقالات محجوبة والاتصال الآمن (HTTPS) بالموسوعة كله محجوب. أشار إلى سبعة محرمات لا يجوز الحديث عنها في الإنترنت في وسط الصين: المجتمع المدني والحقوق المدنية والقيم الكونية ورأسمالية المحسوبية (وهي تدعي الشيوعية!) وأخطاء الحزب الشيوعي وحرية الصحافة واستقلال القضاء. معظم الخدمات الشهيرة عالميا محجوبة في الصين لكن لها بدائل محلية تخضغ لسلطة الدولة. أشهر بديل لتويتر مثلا Weibo وذكر المتحدث أنه أفضل تقنيا من تويتر. ثمة موقع يوثق ما يُحذف من تلك الخدمة ليسهل دراسة عقلية الرقيب الصيني. أشار إلى أن خدمات VPN غير محجوبة في الصين لأن الشركات تعتمد عليها كثيرا، لكن تكلفتها فوق قدرة الغالبية العظمى من الصينيين. كيف يتغلب الصينيون على الحجب إذا؟ يسعون لتناول المواضيع الحساسة دون أن يقعوا على المحظور ذاته، ويستخدمون صور GIF التي لا يمكن مراقبة ما يكتب فيها آليا ويخترعون بين فترة وأخرى مصطلحات جديدة للإشارة إلى المواضيع المحظورة. مثلا في 2010 فاز ناشط صيني بجائزة نوبل وكان مسجونا فوضعت القلادة على كرسي فارغ في حفل التكريم فاستخدم الصينيون صورة الكرسي للإشارة لما حدث.

    انتقل بعد ذلك للحديث عن القيود على الإنترنت في هونغ كونغ إذ يوجد قانون يمنع “التصرفات الإجرامية” على الإنترنت وهو فضفاض يمكن أن يدان بناءً عليه من ينتحل اسم الحكومة على الإنترنت ومن يشترك في هجمات DDoS. تحاول الشركات أيضا أن تضغط على الحكومة لتلاحق الذين يتشاركون الملفات والموسيقى بحجة فرض حقوق النشر. من ناحية أخرى قدمت حكومة هونغ كونغ أكثر من 13 ألف طلب بيانات من مواقع الإنترنت خلال 3 سنوات.

    التعليم

    تحدث معلم سويسري عن تجربته في تعريف ويكيبيديا لطلاب المرحلة المتوسطة فهو يُدرّس علوم الحاسوب ويُعرّف طلابه على الموسوعة وأسلوب التعامل معها والمساهمة لها كجزء من المقرر فيطلب منهم في البداية أن يبحثوا موضوعا معينًا في الإنترنت (يكون الموضوع حديث الأخبار عادة) ثم يناقش معهم وثوقية المصادر التي جلبوا منها معلوماتهم (ووجد أنهم باستمرار يظنون أن ويكيبيديا هي المصدر الأكثر وثوقية) ثم يعلمهم على الموسوعة.

    حضرت أيضا كلمة ألقاها اثنان: طبيب نشيط في إثراء مقالات ويكيبيديا الصحية ورئيسة منظمة مترجمون بلا حدود وهي مؤسسة خيرية تجمع مترجمين متطوعين لأغراض “إنسانية”. تحدثا عن الأهمية البالغة لويكيبيديا في نشر الوعي الصحي كمرجع يلجأ إليه مئات الملايين وعن نقص المراجع الصحية العمومية الأخرى (إما لسطحيتها البالغة أو لرداءتها). حدّد الطبيب من 80 إلى 100 مقالة مختارة وجيدة باللغة الإنجليزية وراجع بعضها وحدثها ودققها. بعد ذلك تُبسّط المقالات الإنجليزية وتستخدم فيها مصطلحات عامة لتسهل ترجمتها. ثم ينجز الترجمة شخصان: أحدهما يجري الترجمة الأولى والثاني يدققها. سأله بعض الحضور عن خطر أن تعتبر ويكيبيديا مرجعا للمعلومات الصحي فشدّد على أنه لا يوجد أي مرجع صحي موثوق كله ولا سيما مع الاكتشافات المتسارعة في المجال الصحي والسقطات التي لا تغيب حتى عن الكتب الرصينة وعلى ضرورة التعامل النقدي مع ويكيبيديا ومع كل مرجع.

    المؤسسة

    تحدث مشرف برنامج المنح في مؤسسة ويكيميديا عساف بارتوف عن سياسة المؤسسة الجديدة تجاه “الجنوب العالمي” (والمصطلح عموما مصطلح استعماري أكّد عساف أنه سيء لكنه ذائع). شدّد على أن ويكيبيديا تمنح قوة وتمكينا لمن يساهم فيها لأنه سيكون قادرا على توثيق نظرته في مرجع عالمي مهول وأن نقص تمثيل أي جماعة يعني أن الموسوعة ستكون متحيزة ضدهم ولن تنتجح في نقل تصوراتهم واهتمامتهم. يعيش 81% من سكان العالم في “الجنوب العالمي” لكن نسبة المساهمين لويكيبيديا من ذلك الجزء لا تتعدى 21% ونسبة المشاهدة 25%. تحدث عساف عن بعض المبادرات التي أطلقتها المؤسسة وشجّعتها وأن من أكثرها نجاحا مبادرة النسخ المتوفرة من غير اتصال لأنها وسّعت أفق كثيرين ممن لا يملكون الاتصال بالإنترنت وجعلت مرجعا ثريا في متناول أياديهم. أشار أيضا إلى نجاح مبادرات “ويكيبيديا صفر” لتصفح ويكيبيديا من غير تكلفة وطبقت في عدة دول (منها السعودية عند استخدام STC) انتقل عساف بعد ذلك للحديث عن المبادرات التي لم تنجح وذكر أن المهرجانات العامة التي تلقى فيها كلمة للعموم لا تحقق أثرا يذكر رغم أن تجمع الناس يشعر المنظمين بشيء من السعادة. ذكر أيضا أن المؤسسة قررت ألا تعمل في أي بلد لا توجد فيه نواة قوية من المهتمين المخلصين للمشروع الذين يعملون بأنفسهم دون أن ينتظروا جزاءً أو شكورًا وأن المؤسسة مستعدة لمد يد العون لكل فريق كهذا، لكن غياب هذه الفرق إحدى المشاكل الجوهرية التي يعاني منها “الجنوب”. يرى عساف أن برنامج التعليم يعد بخلق فرق مهتمة كهذه، لكن من الصعوبة بدء برنامج تعليم في مكان لا يتوفر فيه هذا الفريق وهنا نعود لمعضلة البيضة والدجاجة. تحدث عساف أيضا عن توقف المؤسسة عن توظيف أشخاص يعملون على تنمية المجتمعات الويكيبيدية “في مكان الحدث” (ولذا لم تُوظّف المؤسسة بديلا لمشيرة لمّا غادرت) وأنها بدلا من ذلك اتجهت لتمويل المؤسسات المحلية التي لها أهداف تتقاطع مع مؤسسة ويكيميديا شريطة أن تكون مؤسسات غير هادفة للربح وأن تعمل مع مجتمع ويكيبيديا المحلي. أخيرا ذكر عساف أن المؤسسة قررت التركيز على دول محددة بناء على عدد سكانها ونسبة الوصول للإنترنت ومستوى اللغة في ويكيبيديا وقدرة المؤسسة على خلق تأثير إيجابي في البلد وأن البلدان المستهدفة حاليا: الهند والبرازيل والفلبين والأرجنتين والمكسيك وأندونيسيا وتركيا ومصر.

    ألقت المديرة التنفيذية لمؤسسة ويكيميديا سو غارندر الكلمة الرئيسية في اليوم الثالث والأخير فتحدثت عن ثلاثة جوانب عملت عليها المؤسسة خلال السنة الماضية: جذب المحررين، وتصفح الموسوعة وتحريرها من الجوال، وبرنامج المنح (الذي يشرف عليه عساف). استعرضت سُو رسالة جديدة صارت تعرضت للمسجلين الجدد في الموسوعة تعرفهم على عدة سبل للمساهمة خطوة خطوة، وذكرت أنه عند عرض الواجهة التقليدية يجري 20% من المسجلين تعديلهم الأول خلال 24 من التسجيل لكن النسبة ارتفعت إلى 22% مع الرسالة الترحيبية الجديدة (و 2% نسبة لا يستهان بها فعلا). تحدثت أيضا عن المحرر المرئي وذكرت أن المؤسسة تأخرت في إنجاز هذه المهمة لأنها كانت أصغر من أن تقدر على إنجاز مهمة ضخمة كهذه قبل عام 2009. قالت أن من الأشياء التي ستعالجها المؤسسة تصميم صفحات النقاش التي لا يفهمها المستخدمون الجدد. فيما يخص المنح ذكرت سُو أن المؤسسة سترفع المنح من 5.8 مليون إلى 8 ملايين خلال السنة القادمة. فيما يخص الجوال ذكرت سُو أن 3014 محررا ساهموا للموسوعة في الأسبوع الأول من إتاحة التحرير عبر الجوال وأن 65% منهم جدد. أخيرا عبرت سُو عن سعادتها بما وصلت إليه ويكيبيديا خلال السنوات القليلة الماضية وكيف أنها تحولت من نكتة هواة إلى مشروع تساهم فيه جامعة هارفرد.

    الجلسات العربية

    الويكيبيديون العرب الذين حضروا ويكيمانيا 2013

    لأول مرة ساهم العرب بجلسات لمؤتمر ويكيمانيا. ثلاثة جلسات! أحسن عبّاد في تلخيصها ولذا سأكتفي بذكر ما لم يتطرق له وبتبيين وجهة نظري.

    في الجلسة الأولى تحدّث زكريا -ببراعة- عن عيوب واجهة الموسوعة التي تشتت المستخدمين وتصعّب عليهم أداء المهام وذكر أن الواجهة ينبغي أن تكون أكثر قابلية للتخصيص لتتناسب مع المهمة المطلوبة بدلا من استخدام صفحة تعديل واحدة لأداء كل المهام وأوضح أن استخدام فيسبوك مثلا لا يتطلب قراءة أي تعليمات لأن الواجهة واضحة وتلائم كل غرض على حدة بينما يجد المساهم للموسوعة قائمة طويلة بالتعليمات عند أداء أي مهمة؛ وأشار أخيرا -بعد أن سألته- أنه عمل على إصلاح هذا الخلل في ويكيبيديا العربية (لكن زكريا يعمل بصمت :)). في الجلسة الثانية عقدت آية وأحمد وعبد الناصر ورشة عن المصاعب التي يواجهها مساهمو ويكيبيديا العربية. استعرض عبد الناصر في البداية مشاكل الترجمة عموما (وأظن أنه تناولها بتشعب)، وتحدثت آية عن مقترحات لدعم المساهمين العرب أكدت من بينها على أن تحرير الموسوعة من المنطقة العربية بطيء واقترحت أن توضع خوادم في المنطقة العربية لتحسين الأداء لكنها أشارت إلى أن وجود الخوادم يتطلب إنشاء مؤسسة ويكيميديا محلية تحظى باعتراف قانوني لتتولى إدارة الخوادم في المنطقة وأن علينا أن نسعى لذلك. أخيرا في الجلسة الثالثة تحدث محمد مصطفى وآية وليانا (مسؤولة العلاقات العامة في برنامج التعليم العالمي) عن برنامج التعليم في مصر وإنجازاته خلال السنتين الماضيتين. ذكروا أن نسبة النساء 87% وأن معدل بقاء المساهمين في الموسوعة 3-4% (لكن النسبة لا تشمل الذين يتطوعون بعد في تنظيم البرنامج نفسه).

    اختلفت مع ما طُرِح في الورشة التي تناولت الصعوبات من عدة جوانب: أولا ينبغي فحص المشاكل التقنية بدقة وتأنٍ قبل أن نخلص لحلول مقترحة بعينها، وهذا ما لم يتم (في الحقيقة ذكر عبّاد أنهم لما سألوا مديرة التطوير في المؤسسة -بعد الورشة- عزت البطئ لامتداد المراجعات المعلّمة الذي تستخدمه ويكيبيديا العربية لا لبعد الخوادم). ثانيا المنطقة العربية تحت وطأة أنظمة قمعية لا يمكن أن نأمن على حرية الموسوعة إذا كانت خوادمها فيها لأننا سنكون ملزمين بتسليم السجلات لأجهزة “الأمن” عندما تطلب ذلك وسنضطر لحذف المحتويات التي لا تريد الأنظمة أن يقرأها الناس. رد بعض الحضور عن أن الأنظمة الغربية التي تلاحق جوليان أسانج وإدورد سنودن وتتجسس على العامة أيضا ليست حرة، وأتفق مع ذلك تماما لكن مغالطة كبيرة أن نساوي قمع الأنظمة الغربية بقمع الأنظمة العربية. ثمة هامش أوسع بكثير للتشهير بالحكومات والتصدي لها في بعض الأنظمة الغربية وعلينا أن نستفيد منه. ثالثا خبرتنا المحدودة وعددنا القليل وتشتتنا بين الدول لا يساعد أبدا في أن ننشئ مؤسسة محلية ذات كيان قانوني تغطي العالم العربي، ولهذه النقطة سأعود أدناه.

    عقدنا في اليوم التالي لقاءً بين الويكيبديين العرب لنبحث الخطوة التالية. ثمّة ثلاثة منظومات تجمع مساهمي الموسوعة: مؤسسات ويكيميديا المحلية (Chapters، وهي كيانات مستقلة مسجلة قانونيا تعمل في حدود دولة محددة وتحظى باعتراف المؤسسة)، والمنظمات المتخصصة (Thematic، وهي كيانات مستقلة مسجلة قانونيا تُعنى بغرض معين دون أن تقيدها حدود دولة محددة وتحظى باعتراف المؤسسة)، ومجموعات المستخدمين (وهي كيانات مستقلة ليس لها اعتراف قانوني تُعنى بغرض معين وتحظى باعتراف المؤسسة وتمويلها، مثل تجربة البرازيل التي دوّنت عنها السنة الماضية). رأيت أن علينا تحديد البرامج التي نريد تحقيقها في العالم العربي قبل أن نخلص إلى منظومة محددة بعينها لأن المنظومة -أيا كانت- ليست غاية بل وسيلة لتحقيق تلك البرامج.

    طلب زكريا من كل واحد أن يحدد برنامجًا يراه الأكثر أهمية حددنا: GLAM والويكي تهوى المعالم وبرنامج التعليم والخوادم. استثنينا سريعا المنظومة الأولى (مؤسسة ويكيميديا محلية) لأننا لا يمكن أن نكتفي بحدود قطر عربي واحد بل طموحنا العالم العربي كاملا، ثم حاولنا التفضيل بين النوعين الآخرين. رأى بعض الزملاء أن التمثيل القانوني مهم للغاية لأن بعض الدول العربية ترفض العمل مع أفراد وتطلب تمثيلا قانونيا ومؤسسة ويكيميديا غير قادرة على أداء هذا التمثيل من أمريكا لأن ذلك قد يعتبر ضربا من ضروب الهيمنة الأمريكية. رأى آخرون -وكنتُ منهم- أن المهم في المرحلة الراهنة أن نحدد خطة واضحة نعمل لإنجازها كمجموعة (ولم يسبق لنا أن صُغنا خطة ولا أن عملنا سويًا) وأنه ثمة مجال واسع لوضع هذا البرنامج وتنظيم الجهود واقتناص الفرص دون تضييع الوقت والجهد في علاج المعضلات القانونية واختيار البلد الأمثل ولاسيما أنه ليس لأي منا خبرة في التعامل مع هذه الأمور. كان رأيي أن ما نعاني منه ضعف المبادرة، لا غياب الغطاء القانوني وأنه ثمة فرص دائمًا للمهتمين في كل قطر أن يجتمعوا ويبحثوا عن الفرص المتاحة أمامهم دون أن يقف القانون عائقا أمامهم، لكن هذا التجمع لم يحدث، وعلينا أن نوجده في البداية ثم تكون الخطوة التالية -إن استلزم الأمر- كيان قانوني معترف به. تسآل بعض الزملاء عن القيمة التي ستضيفها مجموعة المستخدمين على مجموعات فيسبوك الموجودة حاليا، والفرق -حسب وجهة نظري- أنه سيكون لنا كيان واضح ذو خطة محددة تعترف به المؤسسة وتموله. لم نخلص لتوافق محدد.

    تحدثت لاحقا مع مسؤول لجنة الاعتراف في مجتمع ويكيميديا وأخبرني أننا إن كنا نهدف لتأسيس منظمة متخصصة تمثل العالم العربي فعلينا أن نجد مساهما نشطًا واحدًا على الأقل في كل قطر عربي. أشار إلى أن بعض المشاكل التي ترد نظريًا قد لا يكون لها أثر حقيقي عند الممارسة العملية واقترح أن نبدأ أوليا بمجموعة مستخدمين تجمع المهتمين الذين يجربون العمل على أرض الواقع ويحددون العقبات التي يواجهونها ليتخذوا الخطوة القادمة عن بيّنة.

    الخاتمة

    المؤتمر تجربة جيدة جدا، جدا وفرصة متميزة للمشاركة في نقاشات عميقة عن مستقبل المعرفة الحرة وإطلاق المبادرات التي تقرّبنا للأهداف الكبيرة. تمكنت من حضوره بفضل منحة من مؤسسة ويكيميديا. أسعدتني الفرصة.

    مشروعٌ للصيف: حرّر طفلا

    مقدمة

    تقتلني تلك الأجهزة المشعة التي تأخذ أجيالا من البشر إلى فضاءات افتراضية يتجردون فيها من حقوقهم وتقنّن فيها رغباتهم واختيارتهم بما يوافق غايات تربّحية قاصرة. ما أن يمسك الشخص جهازا معيبًا مثل آيباد حتى يتجرد من حرياته، وواحدة من أهم تلك الحريات: حرية أن يعدّل جهازه، وأن يُجرّب البرمجة.

    حتى يُسمح لك بالبرمجة بنشر برامجك على آيباد مثلا يجب أن تدفع لأبل 99 دولارًا سنويًا، وأن تزوّدها باسمك وعنوانك وأن توافق على قائمة طويلة من الشروط التي تجعل كل ما تكتب حلالا لأبل. هذه الشروط (التعجيزية، لكثيرين، والمُنفّرة لآخرين) استحدثتها أبل. لم يحتج سيء الذكر ستيف جوبز أن يفي بشروط كهذه حتى يُجرّب ويكتشف مهاراته البرمجية حين تعرّف على الحاسوب في السبعينيات. لكن أبل قررت أن تُفرَض تلك العقبات، لأن مصلحتها تقتضي ذلك.

    هذه العقبات لا تفرض على شخص أو شخصين أو مدينة أو مدينتين، بل على أكثر من 400 مليون جهاز وعلى مستخدميها، لكن في عالمنا اليوم لن تُطرَح أسئلة مثل: من سمح لهذه السياسات الحسّاسة أن تُعتمد، وأين نوقشت، وأين صوّت عليها الناس؟ ما يحصل أن آلة تضليلة ضخمة تستخدمها تلك الشركات لتقلب التقنية رأسًا على عقب ولتُحكِم تغولها وسيطرتها على أجيال متعاقبة معتمدة على خيارات لا واعية، ورغبات مُضلّلة.

    البرمجة ليست ترفًا، إلا إذا كانت الكتابة كذلك، فالبرمجة ليست إلا كتابة يفهمها الحاسوب. تخيّل لو تمكنت من أن تأمر حاسوبك بما تشاء! أن تفهم البرمجة يعني أيضا أن تنمي ملكات كامنة تنقلك من مقعد المستهلك السلبي إلى مقعد المُنتِج المبدع، وأن تستوعب مهارات حل المشاكل وأن توسّع أفقك وخيالك، وأن تجد متعة في ذلك لا تقل عن متعة إسقاط الخنازير.

    فهم البرمجة علاوة على ذلك كله يضيف بعدا مهما يساعد على استيعاب أعمق للقضايا التقنية. حين يُطلب منك مثلا التنازل عن كل بياناتك الخاصة مقابل خدمة بسيطة، سيسهل على من تعلّم أسس البرمجة أن يشكّك في أهمية ذلك، وأن يعي أن التقنية يمكن أن تُطوّر بما لا ينتهك حريات الناس وخصوصياتهم، لو قرّر المطورون ذلك. سيصعب على من لا يعرف كيف تعمل أن يتنبّه لذلك.

    حل

    قبل ست سنوات بدأ مجموعة من باحثي معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) مشروعًا حُرًا لتبسيط البرمجة للأطفال سمّوه سكراتش. يعتمد المشروع على رسومات مبسطة وعلى السحب والإلقاء لإنتاج ألعاب وأفلام كرتونية يتعلم خلالها الأطفال بسلاسة ذات الأسس التي تعتمد عليها أضخم البرامج: العبارات الشرطية، وعبارات التكرار، والمتغيّرات وسوى ذلك.

    واجهة سكراتش الابتدائية (يتوفر بالعربية أيضا)

    واجهة سكراتش الابتدائية (يتوفر بالعربية أيضا)

    تشكّل حول المشروع أيضا مجتمع ضخم من أكثر من مليون طفل يرفعون الألعاب وأفلام الكرتون التي صمّموها، بدون قيود نشر اعتباطية فيتيح الموقع للجميع الاطلاع على الأوامر البرمجية خلف كل لعبة وفيلم، بحيث يمكن للأطفال أن يتعلموا مما أنتجه أقرانهم وأن يأخذوه ويُحسنوه في جو من التعاون الأخّاذ الذي ليس غريبا على مجتمع البرمجيات الحرة العظيم. :)

    واجهة المشروع في غاية السهولة، وتوجد تعليمات مُضمّنة فيها تساعد على التقدم. توجد أيضا مقاطع تعليمية كثيرة على يوتيوب.

    (سبق أن دوّنت عن بحث أجري على مشروع سكراتش وتعامل الأطفال معه وعُرِضت نتائجه في مؤتمر ويكيميانيا 2012)

    المشروع

    مؤخرا بُليت أختي الصغيرة غادة بآيباد. سأجعل تعريفها على سكراتش ومساعدتها على تصميم الألعاب فيه مشروعًا لي في هذا الصيف. لا ينبغي أن يُقفل أمام غادة -وعمرها 9 سنوات- باب واسع جدا من أبواب الإبداع لمجرد أن شركة ما تسعى جاهدة لتخليق تصرفاتها وإجبارها على الاستهلاكية.

    سأكتب لاحقا عن التجربة. لا أثق صراحة بقدراتي التعليمية، لكن الأمر يستحق التجربة حتما. :)