الدفعة الثانية لأشياء تستحق السماع: قصص

في أغسطس الماضي (قبل ستّة أشهر) كتبت عن “أشياء تستحق السماع“. كانت مشاركة لبني جلدتي ممن يقضون ساعات طويلة في التنقّل ويريدون أن يشغلوها بمسموعات تقدّم نقاشًا ثريًا دون أن تتطلب إصغاءً تامًا ودون أن تربكها الانقطاعات المتكررة. معظم المسموعاتليست فارقة/مؤثرة، ولذا استغرق الأمر ستة أشهر حتى أعثر على الدفعة الثانية.

هذه هي:

أولا: قصّة تأسيس مجتمع شاطح

إحدى أجمل اللقاءات التي سمعتها مؤخرا كان لقاء أوكسفورد مع مؤسس موقع Reddit ألكسس أوهانين. ليس الموقع مشهورا في المجتمع العربي، إذ أن مجتمعه ناطق بإنجليزية حصرًا. يقوم الموقع على تأسيس مجتمعات فرعية مبنيّة على الاهتمام المشترك ويشارك فيها المستخدمون والمستخدمات بأسماء وهميّة. على مرّ السنوات نمت هذه المجتمعات الفرعية وشيّدت لنفسها عادات وتقاليد وقواعد. مكّنت الأسماء الوهمية الناس من خوض نقاشات عميقة، يعبّرون فيها عن اهتمامتهم وآرائهم دون حرّج وتزييف. إحدى المجتمعات الفرعية الشهيرة مثلا اسمه Change My Mind، وفكرته أن يُطرح رأي ليكون التحدي تقديم حجج تغيّر قناعة من يحمله. هذا اللقاء يستعرض قصة تأسيس الموقع والدروس المتعلمة منه. تضمن اللقاء أيضا نقدًا لمجتمع تويتر الذي ضخّم الفرد على الاهتمام، وهو ما يؤثر على الصدق والصراحة.

ثانيا: قصّة تفكيك المدارس المفصولة عرقيا

أداء الأطفال السود في أمريكا لا يكافئ أداء الأطفال البيض، ولطالما كان محو الفوارق التعليمية التي يعاني منها أطفال الأقليات العرقية هاجسًا لدى المصلحين والمصلحات. منذ الستينيات، دُعي لتفكيك المدارس المفصولة عرقيًا (والتي عادة ما تكون في الأحياء الفقيرة المُهمّشة، والتي تكون بيئتها مُثبّطة، ومواردها محدودة) بتهيئة السبل لنقل الطلاب والطالبات إلى مدارس أحياء أغنى ليكون لكل الأطفال ذات الفرص التعليمية، وفعلا طُبّق هذا في أوج حركة الحقوق المدنية، لكن سرعان ما ألغي بصمت. أجرت إذاعة This American Life حلقتين تتناولا تجربتين جاريتين إحداهما تجربة عصيبة (للتنزيل)، والأخرى تجربة سعيدة (للتنزيل). كلا الحلقتين تعرضان قصصا مؤثرة للغاية ومقابلات مع أهالي مرّوا بهذه التجربة بحلوها ومرّها. سأقولها مجددا: الحلقتان مؤثرتان للغاية.

ثالثا: في نقد الإغاثة والشرطة

هذا لقاء مع عالم أنثروبولوجيا فرنسي كان أصلا طبيب باطنيّة، انشغل شيئا فشئيا بالإغاثة، حتى زاد انخراطه في المنظمات الإغاثية وصار مُنكبّا على أعمال إدارية أخذته بعيدا عن ممارسة الطب، ثم انتقل أخيرا إلى علم الأنثروبولوجيا، الذي ركّز فيه على دراسة المنظومة الإغاثية وأثرها وعلى دراسة الشرطة الفرنسية. يسعى في بحثه إلى توثيق تجارب الأفراد ليوثق مثلا الطبيعة اليومية لعمل الشرطة كما يراها رجال الشرطة ونساءها بأنفسهم (يقول مثلا: أن الملل شعور يتقاسمه كل من يعمل في الشرطة بحكم أنهم يعيشون دوما في انتظار لوقوع الجريمة، ولنا أن نتخيل أثر هذا على ممارساتهم وأخلاقهم!)

فوق البيعة: نسوية ردكالية يتبناها الرجال

هذا لقاء شيّق، لكنه ليس من “أفضل ثلاثة مسموعات مرّت خلال الفترة الماضية”، لكني أضيفه لأننا يجب أن نحتفي (على قولة عزيز) بالنقاشات التي “تحرّك المياه الراكدة”. النقاش الذي يثيره هذا اللقاء هو انخراط الرجال في الحركة النسوية الراديكالية ومساهمتهم لها. لا تطمح النسوية الرادكالية إلى مساواة النساء بالرجال فحسب، بل تأتي متواطئة مع حركات راديكالية أخرى ترى تفتيت النظام الطبقي التراتبي العنصري (وبالتالي فهي لا ترى في دور الرجل في المجتمع المعاصر مطمحًا شريفا)، وبدلا من تعزيز الأنوثة، تريد النسوية الرادكالية تفتيت مفهوم الجندر (الرجولة/الأنوثة)، ولطالما تعاملت مع الرجال كطبقة متمكّنة مهيمنة متسلّطة. يتناول ضيف هذه الحلقة الأدوار التي يمكن للرجال أن يلعبوها في هذا الصراع الطبقي، وليس هذا فحسب، بل إنه يعرض نقدا عنيفا لمفهوم التحول الجندري (transgenderism) ويرى أن على النسوية الرادكالية إن أرادت تفتيت مفهوم الجندر دون إنكار الجنس البيولوجي ألا تقبل التحول الجندري (وهذا رأي يعتبر غريبا ومستهجنا في الأوساط الليبرالية غير الراديكالية التي تدعو لاحتواء المتحولين والمتحوّلات جندريا)

أشياء تستحق السماع: التقشف، وإدوارد سعيد، ونظرية الجندر

بحكم الساعات الطويلة التي أمضيها كل أسبوع متنقلا أعرف أمرًا واحدًا بكل تأكيد: أن العثور على محتوى ممتع ومبهر أمر متعب ونادر. من بين عشرات الساعات المسموعة و/أو المرئية، قليل منها ما يكون فارقًا. يزداد الأمر تقييدا حين تكون المسموعات المطلوبة أثناء التنقل هي تلك التي تقدّم نقاشًا ذكيّا دون أن تتطلب إصغاءً تامًا ودون أن تربكها الانقطاعات المتكررة.

سأوثّق بعض المسموعات التي أجدها قيّمة هنا في سلسة تدوينات، لن تكون السلسة دورية، بل سأكتبها متى ما اجتمعت ثلاثة مسموعات قيّمة، قد تفصلها أسابيع وقد تفصلها شهور. معظم المسموعات باللغة الإنجليزية، ومعظمها محاضرات.

أولا: كيف حُرّفت قصّة رُبن هود؟

استضافت مجلة لندن لمراجعة الكتب London Review of Books كاتبًا اسمه جيمس ميك (وأنا بعد! أول مرة أسمع عنه 😀 ) ليتحدث في محاضرة عنوانها “رُبن هُد في زمن التقشّف”. تتناول المحاضرة نقاشًا بديعا لسياسات التقشّف: ابتداءً بقصّة رُبن هُد التي تقمّصها اليمين الشعبوي. كان رُبن هُد يأخذ الأموال من الإقطاعيين الكُسالى ليردّها إلى الفلاحيين الكادحين، واليوم صار اليمين الشعبوي يتقمّص هذا الدور لكنه جعل الفقراء هم الكُسالى، والأغنياء هم الكادحين. تتناول المحاضرة (وما تالها من نقاش) تفكيكا لمفاهيم اقتصادية مهمّة يطرحها دعاة التقشّف، ويتناول تحليلا مُغايرًا للأزمة الاقتصادية في عام 2008، ويطرح حلولا يساريّة لهذه الأزمات المتكررة.

تتوفر المحاضرة أيضا بصيغة مكتوبة.

ثانيًا: لماذا لا يهتم الفلسطينيون بالبيئة؟

ألقت نعومي كلاين المحاضرة السنوية لعام 2016 في ذكرى رحيل إدوراد سعيد. المحاضرة مُبهرة ليس فقط لأنها قدّمت قراءة حقيقية وعميقة لطرح إدوارد سعيد، بل -وهذا الأهم- لأنها قدّمت موضوعا أراه مملا (وهو الحفاظ على البيئة) بطريقة ذكيّة شيّقة مهمّة على الصعيد العربي والإسلامي. في السنوات القليلة الماضية صار اهتمام نعومي كلاين (وهي من أبرز وجوه اليسار التّقدّمي في الولايات المتحدة) منصبّا على حماية الموارد الطبيعية وحماية الشعوب الأصلية، وصارت تتناول الاحتباس الحراري بشكل مكثّف. بدأت محاضرتها بسؤال مهمّ: ألم يمقت إدوارد سعيد أولئك الذين يعانقون الأشجار؟ ثم تقدّم ربطًا بديعًا بين الثورة السورية والثورة الليبية ومناطق تمركز الجهاديين وبين تدمير الموارد الطبيعية وتدمير حقوق الشعوب الأصلية، كل ذلك تقدمه بلغة إدوارد سعيد الذي أفنى عمره في دراسة كيف يُصوّر الغرب “الآخر” إذ ترى أن تهميش “الآخر” هو أولى خطوات تدمير المجتمعات المحلية، والموارد الطبيعية.

ثالثًا: ما موقف الماركسية من الجنسانية؟

أحبّ أن أفهم نظرية الجندر. في هذه المحاضرة نقد ماركسي لنظرية الجندر يتناول تحديدا نقدًا لجودث بتلر و”الموجة الثالثة” للسنوية التي تسعى لتفتيت مفهوم الجندر. يرى كولن ولسن أنه لا يمكن إنكار “الأساس المادي” للجنسانية (وهو جسد الأنثى، وجسد الذكر) وهو ما يجده مُهمّشًا في الموجة الثالثة للنسوية، ثم يتناول الصراعات الجنسانية وكيف تتقاطع مع الصراعات الاقتصادية، وكيف أن المجتمع الشيوعي هو الأجدر بحل تلك المعضلات.

فوق البيعة: كيف صارت الصهيونية حركة عنصرية؟

هذه محاضرة إضافية. ليست من “أفضل ثلاث محاضرات”، لكنها ملفتة، وهي أيضا في ذكرى إدوارد سعيد، ففي عام 2013 أقيم مؤتمر تذاكري ناقش فيه باحثون في علوم إنسانية مختلفة أطروحات إدوارد سعيد. كان في المؤتمر عدة مداخلات ملفتة، لكن ما وجدته بارزًا من بينها محاضرة ألقتها جودث بتلر عن “النسخ المتنوعة لحل الأمّتين”. تناولت فيها أمرًا لطالما كان مُشكلا بالنسبة لي: وهو كيف يرى إدوارد سعيد (ذلك الباحث الذي كتب طويلا عن تاريخ القضية الفلسطينية وقدّم سردًا رصينًا لها في المجتمع الأمريكي) الحل لهذا الصراع، في الوقت الذي يرفض فيه الحسم العسكري وينكر فيه أي مشروعية دينية لأيٍ من العرب واليهود في فلسطين. تناقش المحاضرة الانقسامات الأولى داخل الحركة الصهيونية ذاتها بين من رأوا الدولة شرطًا للصهيونية وبين من حارب الدولة، لتجد تقاطعات بين هذه الأطروحات وبين رأي سعيد. (طلع صهيوني الولد :p )

كيف خرجت المثلية الجنسية من الأمراض النفسية؟

هذه ترجمة لمقالة When Homosexuality Came Out (of the DSM) التي نُشرت في ديسمبر 2014.

يصادف هذا الشهر أنه وقبل 41 سنة لم تعد المثلية الجنسية مرضًا نفسيًا. أُكرهت جمعية الأطباء النفسيين الأمريكية بعد معارضة متصاعدة من النشطاء المثليين، ومعارضة أخرى من داخل الجمعية نفسها على إزالة المثلية من الإصدار الثاني للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-II). تعتبر إزالة المثلية الجنسية من مجال الطب النفسي مؤشرا نموذجيًا على الطبيعة الاجتماعية للتشخيص النفسي ودليلا على اضطراب الدلالات النفسية: فالمثلية التي كانت تعتبر مرضًا وانحرافًا، صارت المنظومة السائدة تعتبرها نوعًا طبيعيًا من أنواع النشاط الجنسي البشري. خروج المثلية الجنسية من دليل DSM يستدعي أن نتأمل في الجوانب التالية: (1) التغير في مفهوم الأمراض النفسية بطيء؛ (2) التشخيص تصرف اجتماعي؛ (3) تشييد الأمراض والاضطرابات (سواءً كانت “نفسية” أو ما سواها) تصرف اجتماعي؛ (4) تشييد الأمراض له تبعات اجتماعية؛ (5) التغير في مفهوم الاضطراب يعكس القوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية أكثر من عكسه للتطورات العلمية.

انتهاء المثلية الجنسية بصفتها مرضا

على الرغم من أن إزالة المثلية الجنسية من دليل DSM يُصوّر كنقلة جذرية وخاطفة في النظرة للميول الجنسية، إلا أن الواقع أكثر فتورًا. في الحقيقة، لم تُزَل المثلية الجنسية من المصطلحات التشخيصيّة للنسخة المنقحة الثانية من دليل DSM؛ بل نُقلت بين قوسين إلى تشخيص جديد: اضطراب الميول الجنسية. أريد بهذا التغيير في التشخيص إحداث أقل قدر ممكن من الاضطراب في ممارسة الأطباء النفسيين، وتنص الملاحظة التي تناولت هذا التغيير أن “من النادر أن تجد خلافًا” على أن “وسائل العلاج الحديثة تتيح لنسبة كبيرة من المثليين الجنسيين الراغبين في تغيير ميولهم الجنسي ذلك.” ورغم أنها تنصّ على أن المثلية الجنسية لا توافي شروط اعتبارها اضرابا نفسيًا، إلا أن نفس الملاحظة تقول: “لا شك أن النشطاء المثليين سيدّعون أن الطب النفسي اعترف بالمثلية الجنسية أخيرا بصفتها ‘طبيعية’ كما المغايرة الجنسية، لكنهم سيكونون على خطأ.” في ذات السنة نُشرت العديد من المنشورات التي تناولت جوانب تشخيصية وعلاجية عن المثلية الجنسية، ومنها الإكراه، واستخدام الصعق الكهربائي، بل والجراحة على فصوص الدماغ. علاوة على ذلك، لم يكن “اضطراب الميول الجنسي” (الذي صار اسمه لاحقًا “الميول الجنسي المرفوض من الأنا/ego-dystonic sexual orientation”) يُطبّق إلا على الانجذاب المثلي؛ وكان الافتراض الضمني هنا أن المنجذبين للجنس المغاير لم يكن لهم ليشعروا بسوء تجاه انجذابهم ذلك، وبغض النظر عن كون هذه الفرضية صائبة أم لا، فلا تزال مسلمة دون تمحيص.

لم يكن الحال كذلك حتى عام 1987 حينما اختفت المثلية الجنسية تمامًا من دليل DSM، لكن مفهوم “الميول الجنسي المرفوض من الأنا” ظل حاضرًا في التصنيف الدولي للأمراض الذي تصدره منظمة الصحة العالمية. مؤخرا رأينا نقلة مماثلة فما يخص المتحولين جنسيًا. من الملفت أنه في الوقت الذي كانت المثلية الجنسية تغادر دليل DSM، أُدخل التحوّل الجنسي فيه لأول مرة، وتحول إلى “اضطراب الهوية الجندرية” وأخيرا (في الإصدار الخامس من دليل DSM) إلى “الانزعاج الجندري/gender dysphoria”.

التشخيص بصفته تصرفا مجتمعيا

طقوس التشخيص تتم في فضاء مجتمعي. التشخيص -كما يقول أرثر كلينمن- يستند على السمات، إذ يقوم على تحويل التجارب إلى “أعراض” و”دلالات” تشير إلى مرض أو اضطراب. تلك التشخيصات تحمل معنًى ليس لمن تنطبق عليه فحسب، بل لمعنى أن تكون بلا مرض ولا اضطراب أيضًا. لو أخذنا المثلية الجنسية كمثال، فظهورها كمفهوم اجتماعي وطبي في نهاية القرن التاسع عشر صاحبه اختراع مفهوم المغايرة الجنسية، ومن هنا كان دور الطب النفسي محوريًا في خلق قطبين للهوية الجنسية لا يزالان حاضرين حتى اليوم، رغم تفريغ الميول الجنسية من دلالاتها الطبية. ومن هنا كان التشخيص دالا ليس على إمكانية علاج حالة معينة ومآلاتها فحسب، بل في خلق هويات، ومنح الاعتراف، وعلى العكس من ذلك تماما: قد يدمر كيان الشخص، وقد يَحُول دون تشييدنا لسردية تتجاوز الوصف الطبي النفسي. الانفصام [مثلا] ليس تشخيصا فحسب، بل يحمل في طيّاته هوية معيّنة تتبدّل بأريحية الثقافية: مرّة تشير إلى المرأة البيضاء الفاتنة التي داسها المجتمع، ومرة تشير إلى الرجل الأسود العنيف المتسلط الذي يُشكّل خطرًا على السلم الاجتماعي.

التأسيس الاجتماعي للمرض النفسي

رغم أن مفهوم اللواط يمتد إلى العصور البابلية إلا أن مفهوم المثلية الجنسية لم يتأسس إلا بنهاية القرن التاسع عشر. في تلك الفترة ولأول مرة، تحوّلت الممارسات الجنسية إلى تشخيص وإلى هوية جنسية. لم يكن هذا التحول وتوقيته مصادفة بل صاحبه قبول ضمني بأن الجنس ليس غرضه الإنجاب فحسب، بل المتعة، وصاحبته زيادة في نفوذ الأطباء بصفتهم الخبراء، وصاحبته حاجة لأن يصف الأطباء “الممارسة الجنسية الصحيّة”. وبنفس الكيفية، كان زوال اعتبار المثلية الجنسية من كونها اضطرابا في وقت تسامت فيه المتعة على الواجب، ونمت فيه معاداة السلطة، وساد فيه الطب النفسي بصفته مُخلّصا من العلل الاجتماعية لزماننا؛ وجود أساس بيولوجي للمثلية الجنسية أو للاضطراب النفسي أو عدم وجوده لا يؤثر على كون الأطباء النفسيين يظلون من وسائل السيطرة الاجتماعية. على سبيل المثال، عام 1972 (بعد سنة من إزالة المثلية الجنسية من دليل DSM) اقترح جون فينر وزملاؤه معيارًا تشخيصيًا لعدد من الأمراض النفسية ليُعتمد في البحث العلمي، ومن بين ال”14 علة نفسية” كانت المثلية الجنسية:

  • هذا التشخيص ينطبق عند وجود أكثر من 18 تجربة مثلية جنسية (وذلك يوافق مقياس كنسي من 3 إلى 6).
  • يستثنى من ذلك المرضى المتحولون جنسيا.
  • يستثنى من ذلك المرضى الذين يمارسون النشاط المثلي الجنسي فقط عندما يُحتجزون لمدة لا تقل عن سنة بدون وصول إلى الجنس المغاير.
  • نرى هنا تعريفًا نفسيًا مُعتَمدًا لكنه اعتباطيٌ تمامًا، إذ يسمح للسجناء المحتجزين لفترة طويلة بممارسة الجنس مع الذكور. جميع التشخيصات الطبية يُشيّدها المجتمع سواءً كانت نفسية أو لم تكن، لكن الأمراض النفسية تحمل في طيّاتها هوية -شئنا أم أبينا- نادرًا ما تحملها بقية الأمراض الطبية.

    التبعات الاجتماعية للأمراض

    قد تكون الأمراض وصمة عار؛ ورغم أن الجذام والدرن والسرطان والإيدز حملت وصمة عار على المرضى في فترة ما في التاريخ، إلا أن تلك الأمراض نادرًا ما تؤثر على تجربة الذات كما الأمراض النفسية. اعتبار المثلية الجنسية مرضًا أقنع بعض الأفراد أنهم مرضى، وذلك -بحد ذاته- جعلهم (يشعرون أنهم) مرضى! إزالة المثلية الجنسية من قالب الطب النفسي ساعد -بلا شك- في توطيد حقوق من يعتبرون أنفسهم مثليات ومثليين أو ثنائي التوجه الجنسي. حقوق التبني، والزواج المثلي، ونقض “لا تسأل، لا تقل“، لم يكن لها أن تحدث لو أن المثلية الجنسية لا تزال تعتبر تجسيدًا لمرض نفسي عميق. ومثل ذلك أن تشخيص الأمراض النفسية يُشعِر الأفراد أنهم مُغايِرون وأنهم مختلفون عن من سواهم من الناس، ولعلهم أقل أهمية أو أقل استحقاقا أو أقل قيمة. إذا ما تبنّى الشخص تشخيص الانفصام، يتبعه تدميرٌ لكيانه وثقة أقل بنفسه وتمزّق لأحلامه وشعورٌ بانعدام القداسة. الطبيب النفسي ريتشارد ورنر ذهب أبعد من ذلك حين رأى أن الذين يرفضون تشخيص الأمراض النفسية الحادّة قد يكون مآلهم أفضل إذ أنهم يحتفظون بحقهم في تشييد سرديتهم لذواتهم ويُحدّدون ما يهمهم حقًا، ورغم حملات التوعية العامة (أو ربما بسببها)، لا تزال وصمة العار مصاحبة للأمراض النفسية كما كانت قبل 50 عامًا.

    ظهور الأمراض: تقدم علمي، أم بقرة حلوب للتجار؟

    كما ناقشنا أعلاه، كانت إزالة المثلية الجنسية من دليل DSM نتيجة لقوى سياسية اجتماعية، ولم يكن انعكاسا لتطور علمي. حتى داخل أروقة الطب النفسي يُعتبر تضخم التشخيص النفسي ظاهرة تجارية. لم يكن التشخيص النفسي حتى السبعينيات ضروريًا لعلاج الذين يعانون من مشاكل كثيرة، ولم يكن أخصائيو الصحة النفسية ينافسون الأطباء النفسيين؛ لكن بعد نمو مجال علم النفس السريري وبقية تخصصات الصحة النفسية والذين كان بمقدورهم تقديم العلاج النفسي بأسعار أرخص، كان لزاما على الأطباء النفسيين أن يحافظوا على سلطتهم الأخلاقية على الحياة النفسية التي صارت من اختصاصهم. ما كان يُميّز الأطباء النفسيين عن سواهم [من العاملين في المجال النفسي] أنهم (كبقية الأطباء) قادرون على التشخيص، ولذا أنشأ المجال الطبي تشخيصات جديدة كان الأطباء النفسيين يتعاملون معاها سابقا في مكاتبهم؛ وصارت تلك التشخيصات مؤشرُا على أن المرضى يعانون من مرض طبي يحتاج علاجُا. سمح نمو الصيدلة النفسية بتوسع حدود تلك التشخيصات الجديدة، وخلق أسواقًا جديدة ليس للصناعة الدوائية فحسب بل لمجال الصحة النفسية أيضُا. لم تكن أي مشكلة أصغر من أن تطلب علاجُا دوائيُا.

    لكن ما القوى الاجتماعية والسياسية التي ساعدت على نمو الأمراض النفسية؟ في الفترة التي لم تعد فيها المثلية الجنسية اضطرابًا نفسيًا كانت الولايات المتحدة تمرّ بأزمة اقتصادية عميقة. بحلول عام 1980 (التي نُشِر فيها الإصدار الثالث من دليل DSM) تولّت حكومة جمهورية جديدة بقيادة رونالد ريغان مقاليد البيت الأبيض. بدلا من لفت الأنظار إلى الأضرار النفسية التي سبّبتها السياسيات النيوليبرالية صار الأسهل أن يصبح مكمن الأمراض النفسية ذاتيًا (في الدماغ، والخلية، والمُركّب) بدلا من أن تكون نتيجة المجتمع والدولة. ولأجل ذلك سمّت جوانا مونريف العلاقة بين طب النفس البيولوجي، والسياسات النيوليبرالية “الزواج المريح”. كان الملائم سياسيًا أن يصعد تصوّر بيولوجي يجعل السخط النفسي بعيدًا عن القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الأخرى؛ وكما لم تكن إزالة المثلية الجنسية من دليل DSM نتيجة لتطور علمي بل لإرادة سياسية، كان تكريس الحالة المرضية والأساس البيولوجي لتشخيصات نفسية بسيطة نتيجة لنفس القوى بدلا من كونه انتصارا علميًا.

    ويكيمانيا 2014: نحو مزيد من البيانات والأبحاث

    شعار ويكيمانيا 2014
    وانتهت ويكيمانيا 2014 في لندن! هذه هي الدورة الرابعة التي أحضرها من الملتقى السنوي لموسوعة ويكيبيديا، وهي الدورة الأكبر منذ بدأت الموسوعة، وتميزت بمشاركة عربية جيّدة: أكبر حضور عربي لويكيمانيا، وأول حضور لمساهمين من الإمارات ومن الجزائر، ولأول مرة يكون للعرب طاولة مصاحبة للمؤتمر (طاولة تونس). الحضور العرب هذه المرة كانوا آمنة وحبيب وريم الكاشف وسمير وشمّة المرزوقي وصالح الأحمدي وعباد درانية وعبد الله الدبوني وعبد المؤمن وفاطمة الحربي ومحمد بشوندة وميرفت سلمان وندى البني وولاء وياسين التونسي ويامن (في ذيل التدوينة ملخص للقاء العرب)

    فيما يلي استعراض لما طرح في الملتقى سعيت للتقديم للنقاشات لمن هم ليسوا من مساهمي الموسوعة، على ألا يحول ذلك دون التعمق في التفاصيل. وضعت فيه بعض الروابط لمن أراد الاستزادة عن موضوع ما، والأمل أن يساهم في إثراء المجتمع المهتم بالحريات الرقمية الناطق بالعربية.

    الهاكثون

    كعادة مؤتمرات ويكيمانيا: يسبق أيامها ويصحبها “هاكثون” وهو تجمع لفرق عمل من مبرمجين وباحثين ومترجمين لتبادل الخبرات ولإنجاز المهام. شهد الهاكثون هذه السنة أكبر حضور، وطُلب من الحضور عرض اهتمامتهم قبيل المؤتمر فشُكلّت فرق عن شتى المواضيع، منها مثلا: اختبار تطبيق ويكيبيديا على الجوال، وتثبيت ميدياويكي، والترجمة والتوطين، وويكي بيانات، والأبحاث، وكنت ممن انضموا للفريق الأخير وفيه استعرض مجموعة من الباحثين بعض الأسئلة التي يعملون عليها وتعرفت على العاملين في قسم الأبحاث في مؤسسة ويكيميديا. لاحظت أن المؤسسة تتجه وبقوة لتشجيع الأبحاث لفهم قراء الموسوعة ومساهميها ولتحسين البنية التقنية للموسوعة على بصيرة وبكفاءة، وهذا توجه سليم جدا.

    اهتمامي الشخصي أكثر ما يكون في التدقيق اللغوي وكنت أبحث عن طرق لتقييم جودة النصوص في الموسوعة العربية وتحسينها (أعمل كل صيف مع مجموعة رهيبة من المتطوعين على تطوير آلية لتدقيق الموسوعة إملائيا). تعلمت في الهاكثون المكتبة التي يستخدمها فريق المؤسسة لفحص قاعدة بيانات الموسوعة وجلب البيانات منها وهي مكتبة mediawiki-utilities بعد ذلك بدأت في البحث عن سؤال: هل المساهمة للموسوعة تحسن من جودة الإملاء؟ لو أخذنا مساهمي الموسوعة وحللنا أخطاءهم الإملائية مع مرور الوقت: كيف لنا أن نصفها: هل تقل أم تزيد أم هي ثابتة؟ هل يقوم مساهمو الموسوعة العربية بما يكفي لتثقيف أقرانهم لغويا؟ هل الخبرة التي يكتسبها مساهمو ويكيبييديا تشمل رفع الجودة اللغوية؟ أقوم بذلك عبر تحليل قاعدة بيانات الموسوعة التي تشمل جميع التعديلات التي أجريت للموسوعة العربية منذ أنشئت وأبحث فيها عن التعديلات التي تشمل أخطاءً إملائية معينة (والشكر لمتطوعي مشروع التدقيق الإملائي الصيفي، الذين جمعوا الأخطاء الإملائية الشائعة). كتبت البرنامج الذي يحلل قاعدة بيانات الموسوعة، لكن التحليل لجمع البيانات يستغرق وقتا طويلا فتمكنت خلال الهاكثون من تحسين البرنامج وجمع البيانات دون أن يسعفني الوقت لاستخلاص النتائج مما جمعت من بيانات، لكني سأقوم بذلك وأنشر النتائج (أيا كانت) خلال الأيام القادمة (يا رب قبل نهاية أغسطس!)

    شكلي وأنا خاش جو مع أول شخص أقابله في الهاكثون. :p

    شكلي وأنا خاش جو مع أول شخص أقابله في الهاكثون. 😛

    من المشاريع التي عرضت في الهاكثون ورقة مهمة كتبها أحد باحثي المؤسسة عن إنشاء المقالات على الموسوعة وبقائها. مما يمكن استنتاجه من الورقة أن الموسوعة الإنجليزية (التي تمنع المجهولين من كتابة المقالات) تخسر الكثير من المقالات الممكنة لأن نسبة جيّدة من المقالات التي ينشئها المجهولون في بقية الموسوعات تبقى بعد المراجعة ولا تحذف.

    على كل حال، هذه الدورة للهاكثون كانت الأكثر ثراءً، إذ أن الدورات السابقة شملت تنظيما أقل، ولعل فريقي الأبحاث والترجمة والتوطين كانا الأنشط والأكثر صمودا أثناء الهاكثون.

    افتتاح المؤتمر

    الأمين العام لمنظمة العفو الدولية يتحدث في ويكيمانيا 2014

    الأمين العام لمنظمة العفو الدولية يتحدث في ويكيمانيا 2014


    في الليلة التي سبقت مؤتمر ويكيمانيا أقيمت حفلة الافتتاح. كان ضيف الشرف هذه المرة الأمين العام لمنظمة العفو الدولية (ومن سخرية القدر أني -وقبل أن أكتشف أنه ضيف الشرف- كنت أنتقد لبعض الرفاق خطاب المنظمة الذي يجعل الليبرالية الفردانية أساسا لحقوق الإنسان :p) لكن كلمة الأمين العام كانت جيّدة. تحدث عن غزة، وعن غوانتامو وأكد على أن ويكيبيديا ومنظمة العفو يشتركان في كثير من الأمور: كلاهما غير ربحي، وكلاهما يعتمد على نشاط متطوعين نذروا أنفسهم وأوقاتهم لتحقيق الغاية، وكلاهما لا يقبل التمويل المشروط من الحكومات والشركات، وكلاهما يستخدم مصطلحات لا يفهمها أحد من خارجهما. 😉 تحدث أيضا عن تطبيق جيّد أطلقته منظمة العفو الدولية اسمه “زر الفزع” وهو تطبيق حُر يُمكّن الشخص من تبليغ من يثق به عند تعرضه لاعتداء ويمكن تنشيط البلاغ بسرعة.

    عقب كلمة الأمين العام كلمة منظم المؤتمر إدوارد سبيرا التي رحب فيها بالحضور، ثم عقبه رئيس مؤسسة ويكيميديا المملكة المتحدة الذي رحب بدوره بالحضور وتحدث عن صعوبة تنظيم حدث كويكيمانيا.

    تحدث أيضا في ذات الليلة مؤسس ويكيبيديا جيمي ويلز لكن خطابه السنوي “حالة الويكي” لم يلقه إلا في آخر أيام المؤتمر (راجع أدناه). كلمة جيمي ويلز في بداية المؤتمر -رغم قصرها- كانت أجود بكثير من كلمته في آخره: تحدث عن أن ويكيبيديا لن تتناوى عن استخدام ثقلها -كمرجع مهم لمئات الملايين- في حماية حرية الإنترنت وتحدي الحكومات، ومثّل على ذلك بالإضراب الذي تم احتجاجا على قانون SOPA المُشين، وعلى الموقف الذي تبنته المؤسسة في الليلة التي سبقت كلمته في رفض “حق أن تُنسى” (Right to be forgotten) الذي ينمح الأفراد القدرة على حذف أسمائهم من السجلات العامة، كموسوعة ويكيبيديا ومحرك البحث غوغل. المشين في هذا الأمر أنه يسمح للفاسدين والمجرمين بأن يتحكموا فيما يكتب عنهم وأن يطالبوا بحذفه، وهو انتهاك صارخ لحرية الموسوعة واستقلالها.

    بعد ذلك صعدت المسرح فرق موسيقية عديدة، بعضها من مساهمي الموسوعة وبعضها من خارجها، وكانت ليلة صاخبة جدا، حافلة بالرقص والهتاف. 😀

    ويكي بيانات

    شعار ويكي بيانات

    شعار ويكي بيانات

    صباح اليوم الأول حضرت كلمة لمديرة تطوير ويكي بيانات، وهو مشروع أطلقته ويكيميديا ألمانيا في 2012 بالتعاون مع مؤسسة ويكيميديا الأم ونمى سريعا ليكون مشروعا شقيقا لويكيبيديا: قاعدة بيانات مركزية حرة يمكن للجميع تعديلها. تحدثت عن أن ويكي بيانات تساهم في مكافحة التخريب فحينما تستمد مقالات ويكيبيديا بياناتها المشتركة من مصدر مركزي (كتواريخ ميلاد الأشخاص وإحداثيات المدن وجنسية الأعلام) فستكون مراقبة ذلك المصدر وتدعيمه بالمراجع الموثوقة أسهل وأكثر كفاءة. تحدثت أيضا عن أن بعض اللغات تولي اهتماما أكبر بتدعيم مقالاتها بالبيانات ومثلت على ذلك باللغة الإنجليزية الثرية جدا بالإحداثيات، على عكس ويكيبيديا التركية التي لا تكاد تحتوي أية إحداثيات. بعد أن انتهت كلمتها سألتُها عن الموقف الذي يتبناه المشروع تجاه حقوق نشر البيانات إذ أن هذه إحدى القضايا العويصة كون حقوق النشر يفترض بها أن تُقيّد الأعمال الإبداعية، بينما البيانات ليست إلا سردا لحقائق لا إبداع فيها ولا اختيار. دّلتني على صفحة ثرية توثق وجهة نظر المؤسسة في الأمر.

    الأبحاث

    كان للأبحاث هذه المرة نصيب الأسد من المؤتمر، وحضرت في هذا السياق عدة جلسات. شمل المؤتمر الكلمة السنوية الممتازة التي يلقيها ناشط البرمجيات الحرة بنجامين ماكو هِل: حالة أبحاث ويكيبيديا التي يستعرض فيها كل سنة الأوراق التي كتبت عن ويكيبيديا. البحث الأكثر تشويقا بالنسبة لي كان استخدام ويكيبيديا للتنبؤ بأوبئة الإنفلونزا عبر متابعة الزيادة المفاجئة في قراءة المقالات التي تتناول أعرضها كارتفاع الحرارة والسعال. ليس تتبع القراءات أسلوبًا جديدا إذ أن لدى غوغل صفحة لتتبع زيادة البحث عن أعراضها، لكن المعيب في صفحة غوغل أن تحديثها يتأخر أسبوعًا، وأن تأثرها شديد بتحيزات الإعلام فلو غطى الإعلام مرضا ما فسيكون أثر التغطية على غوغل أكثر منه على ويكيبيديا، ولعل ذلك لأن من ينتهي إلى ويكيبيديا يبحث عن معلومات موسوعية مفصلة بدلا من أخبار لحظية كالتي يصل إليها كثيرون من خلال غوغل.

    أيا كان الأمر، فهذا يفتح آفاقا مذهلة لمحاولة تتبع اهتمامات الناس من خلال زيارة ويكيبيديا ولا سيما في العالم العربي الذي تغيب فيه كثير من مؤسسات البحث الرصينة. الجيد أن ويكيبيديا ملتزمة بتوفير بياناتها أولا بأول. كخطوة أولى أنشأت برنامجا يفحص قراءة مقالات الموسوعة خلال أسبوع مضى ويرصد أعلى المقالات قراءة لتربط بالمستجدات الإخبارية، والأمل أن نتمكن من الاستفادة من الموسوعة في الرصد المفيد للظواهر.

    البحث “إلي يجي منه” الآخر هو عن دور الخلاف والتعاون في بناء ويكيبيديا وخلص إلى أن الخلاف أكثر من التعاون، لكن الخلاف نادرا ما يكون شخصيا. أجري البحث بتحليل 147 محادثة جرت في ويكيبيديا الإنجليزية عن مقالة أستراليا (التي لها أرشيف نقاش ثري، وتعتبر واحدة من أفضل مقالات ويكيبيديا الإنجليزية). المشكل في منهجية البحث هذه أن قياس الخلاف أسهل من قياس التعاون الذي يكون في أوقات كثيرة بشكل غير مباشر عبر التحرير التعاوني للمقالة نفسها دون نقاش كل خطوة.

    حضرت جلسات أيضا لباحثي المؤسسة تحدثوا من خلالها أن لغات ويكيبيديا التي لها محررون نشطون أقل من 50% من إجمال اللغات، ولذلك فإن الادعاء بأن لويكيبيديا 280 لغة يغفل عن أن كثيرا من تلك اللغات ليست سوى مشاريع ميّتة. تحدثوا أيضا عن أن إجمالي المساهمات لويكيبيديا يقل فعلا بعد أن بلغ ذروته في 2007 لكن لو استثنينا ويكيبيديا الإنجليزية فسنجد أن المساهمة لبقية اللغات ثابتة منذ 2009. تحدثوا أيضا عن أن 7% من المشاركين في مسابقة الويكي تهوى المعالم يستمرون في المساهمة (والنسبة تعتبر ممتازة جدا).

    في سياق الأبحاث أيضا حضرت كلمة في نقد سياسة “لا للأبحاث الأصيلة”، وهي سياسة تتبعها كثير من لغات ويكيبيديا لكي لا تكون الموسوعة ساحة للتحليل ونشر الاكتشافات الجديدة. مرّت السياسة بتطورات عديدة منذ بدأ نقاشها في 2004، إذ كان المنع في البداية مقتصرا على “التفسيرات الجديدة للوقائع التاريخية”، لكنها توسّعت لتنص على رفض إضافة “كل مادة…لم يسبق نشرها.” كان النقد -الوجيه برأيي- أن السياسة إن طُبّقت حرفيا ستمنع أوجها كثيرة من المساهمات كالصور التي يلتقطها مساهمو الموسوعة، وكإحداثيات GPS التي يضيفها المساهمون، والخلاصات التي يدونها المساهمون بناءً على مصادر موثوقة (كل تلك الأشياء قد تنشر لأول مرة على الموسوعة) واقترح أن تسترجع السياسة لما قبل هذه التغييرات. من المهم التنبيه إلى أن هذه التناقضات والهفوات ممكنة جدا في سياسات الموسوعة لأن الموسوعة لا تسعى لفرض أي سياسات صارمة، ولا أحد يتعاطى مع سياساتها كقوانين أو نصوص مقدسة ينبغي التمسك بكل ما فيها، وإنما نتعامل عادة مع روح السياسة.

    الاستخدام العادل وحقوق النشر والتراخيص

    حضرت أيضا كلمة عن تعامل ويكيبيديا مع “الاستخدام العادل” وهو بند في قانون حقوق النشر الأمريكي يسمح باستخدام المواد المُقيّدة في ظروف معينة دون حاجة لاستئذان مؤلفيها. تستفيد كثير من لغات الموسوعة من هذا البند في تضمين الشعارات مثلا، لكنها لا تستغله لأقصاه لأنها تحرص في ذات الوقت على تشيجع المعرفة الحرة ولذا لا يسمح في كثير من اللغات بأن تستخدم صورة مُقيّدة للأشخاص الأحياء -رغم أن استخدامها قد يكون قانونيا- لأنها تسعى لتشجيع المساهمين على التقاط صور حرة بديلة. ويكيبيديا الألمانية استثناء واضح إذ تمنع استخدام أي صورة غير حرة لأن القانون الألماني يفرض قيودًا أشد على “الاستخدام العادل”، ومجتمعها لم يرد أن يكون استخدام ويكيبيديا الألمانية خارقة لقانون ألمانيا.

    في ذات سياق التراخيص وحقوق النشر حضرت كلمة عن “نظافة المصادر المفتوحة” ألقاها محاميان فذّان من ويكيميديا عن صعوبة الالتزام الفعلي برخص البرمجيات عموما (ورخص البرمجيات الحرة منها)، وذكر أحدهما أنه -قبل انضمامه لعالم البرمجيات الحرة والثقافة الحرة- كان يعمل في مؤسسة قانونية تفحص الأكواد قبل أن تستحوذ شركة تقنية على أخرى وأنهم كانوا يجدون في كل مرة خرقا قانونيا بسبب نسخ الأكواد دون الالتزام بالرخصة. ذكرا أن نشاط مؤسسة ويكيميديا تاريخيا إنما كان في تشغيل البرمجيات على الخوادم وكان هذا يعفيها من الالتزام بمتطلبات حقوق النشر لأنها لا “تنشر” البرامج، لكنها تتجه أكثر فأكثر إلى النشر عبر الحِزم التي تسهل التنصيب وتطبيقات الجوال، وأن ذلك يستدعي التأمل أكثر فأكثر في الالتزام بمتطلبات الرخص تفاديا للمشكلات القانونية. من الأسئلة البرمجية التي وردت في نهاية كلمته موقف المؤسسة من كتابة التراخيص في ترويسات كل ملف فيه كود

    وفي ذات سياق التراخيص وحقوق النشر أيضا حضرت كلمة عن مستجدات النسخة الرابعة من تراخيص المشاع الإبداعي (Creative Commons Licenses). تراخيص المشاع الإبداعي هي النصوص القانونية التي تستخدمها جميع مشاريع ويكيميديا لمنح حرية الاستخدام والنشر والتعديل بلغة قانونية معتبرة يُعوّل عليها. هذه النصوص تأتي بعدة إصدارات تحمل كلها ذات الجوهر لكن تتراوح فيما بينها في التعاطي مع المستجدات القانونية لضمان بقاء المحتوى حرا، وتبديد الإشكالات القانونية. استغرقت صياغة النسخة الرابعة سنتين، وجاء معها عدة تغييرات “فنية”: تأتي الرخصة بنسخة دولية واحدة تترجم لعدة لغات دون حاجة لتوطين الرخصة لكل دولة كما كان الحال مع النسخة السابقة، وتتميز أيضا أنها صارت أوضح بكثير وأقصر من سابقتها وأكثر ملائمة لويكيبيديا (يظهر هذا جليا في بند النّسبة Attribution Clause الذي أعيدت صياغته وترتيبه وأزيل منه التكرار وصار -أخيرا- يسمح بأن يكون العزو برابط فقط)، لكن ثمة مشكلات أيضا، وهي مثلا أن النسخ السابقة تنص على أن الترقية منها إلى نسخة أحدث ممكن فقط في حال إجراء تعديل على العمل الأصلي (ومن هنا لا يمكن تعديل رخصة ويكيبيديا من النسخة الثالثة إلى الرابعة).

    ويكي اقتباس

    ويكي اقتباس مشروع شقيق لويكيبيديا وهو أقل نجاحًا منه: سواءً عدد المساهمين والقراء. حضرت مقترحا قدمه مطوران ألمانيان لإعادة هيكلة المشروع ليكون قاعدة بيانات مركزية على خطى ويكي بيانات بحيث لا يضطر كل مشروع لجمع الاقتباسات والمصادر من الصفر، بل تكون كل الاقتباسات في مصدر واحد وتترجم منه لشتى اللغات، كما ذكرا أن ذلك سيتيح أن تستفيد التطبيقات الخارجية من الاقتباسات بسلاسة من خلال واجهة برمجية، كما سيتيح استعلامات معقدة ومخصصة لاقتباسات منسوبة لشخص معين ولمكان معين ولتاريخ معين مثلا.

    جمع التبرعات

    بعد ذلك حضرت جلسة لفريق جمع التبرعات في مؤسسة ويكيميديا استعرض خلالها بعض التجارب التي أجراها على مدار السنين لزيادة التبرعات. مثلا: إضافة خلفية صفراء لعبارة قوية واحدة في طلب التبرعات يزيد التبرعات بنسبة 92% عن ذات الطلب بلا خلفية صفراء. ذكر الفريق أيضا أنهم انتقلوا من السعي لجمع التبرعات في نهاية السنة إلى جمع التبرعات على مدار السنين، وبحكم ضخامة الموسوعة وكثرة مستخدميها يتمكن الفريق على الدوام من اختبار صيغ معينة على عدد محدود من المستخدمين قبل تعميمها على الجميع (أثناء المؤتمر كانت التجربة تقام في بريطانيا والولايات المتحدة).

    مؤسسة ويكيميديا

    ليلا تريتكوف تتحدث في ويكيمانيا 2014

    ليلا تريتكوف تتحدث في ويكيمانيا 2014

    في نهاية اليوم الثاني تحدثت المديرية التنفيذية الجديدة لمؤسسة ويكيميديا ليلا تريتكوف، وكانت المرة الأولى التي تخاطب فيها الأمة الويكيبيدية منذ أن عُيِّنت قبل ثلاثة أشهر. قدّمت لها المديرة التنفيذية السابقة سو غارندر: ليلا من أصل روسي وقدمت إلى الولايات المتحدة وعمرها 16 عامًا وكانت قبل ذلك مديرة تنفيذية لمشروع SugerLabs (الذي يطور تطبيقات حرة لتعليم الأطفال)، وكانت كلمتها حذرة إذ تحدثت عن تسارع وتيرة التغير التقني وأن الموسوعة ستواجه تحديًا في اللحاق به. تحدثت عن أن ارتفاع الوصول للإنترنت في بلدان “العالم الثالث” إنما يكون بارتفاع اقتناء الجوالات، ومن هنا فإن طريقة المساهمة تبدّلت كثيرة، وطرحت تساؤلا مفتوحا عن حال المساهمة للموسوعة لو انتشرت نظارة غوغل ومثيلاتها. ذكرت أن كلمة Foundation (“مؤسسة”) في الإنجليزية تعني أيضا “الأساس”، وأن دور المؤسسة ينبغي أن يكون توفير الأساس لحركة ويكيميديا ومتطوعيها.

    جيمي ويلز

    جيمي ويلز يتحدث في ويكيمانيا 2014

    جيمي ويلز يتحدث في ويكيمانيا 2014


    في نهاية اليوم الثالث ألقى جيمي ويلز كلمته السنوية: “حالة الويكي”، لكن -وكما ذكرت أعلاه- كان قد تحدث بإيجاز في بداية المؤتمر وكانت كلمته في بداية المؤتمر أقوى بكثير من كلمته في نهايته. تحدث عن أن الموسوعة سعت منذ أنشئت للتخلص من المحررين المزعجين (كانت سياستها في هذا الشأن سلبية)، لكن مهم أن تكون الخطوة القادمة أن ترفع من التلاحم والتعاون والامتنان والود داخل المجتمع (أن تكون سياستها إيجابية). أعلن أيضا أن “ويكيبيدي السنة” مساهم قتل في مظاهرة في أوكرانيا في فبراير 2014، وأعلن عن تخصيص صفحة ليرشح المجتمع “ويكيبيدي السنة” للسنين القادمة، بدلا من أن يكون إعلانا يتخذه جيمي بنفسه.

    التعليم

    لم أحرص هذه الدورة على حضور الجلسات التي تتناول دور ويكيبيديا في التعليم، لكني حضرت كلمة ألقتها رئيسة مؤسسة جديدة هي مؤسسة ويكي التعليم التي تفرّعت عن مؤسسة ويكيميديا الأم لتركز على تعزيز مكانة ويكيبيديا في التعليم في أمريكا الشمالية، وكثير من طاقمها من موظفي المؤسسة السابقين لأن المؤسسة رأت ألا تتوسع في الإشراف على برامج محلية وأن يكون نشاطها أكثر دولية (أخيرا نموذج Good breakup حقيقي :D).

    في سياق التعليم أيضا حضرت كلمة ألقتها المدرية التنفيذية لمؤسسة Code Club وهي مؤسسة بريطانية تسعى لتعليم الطلاب على البرمجة. أجربت المؤسسة استطلاعا فتبين أن أكثر من نصف المبرمجين تعرفوا على البرمجة قبل أن تبلغ أعمارهم 14 سنة. بدأت المؤسسة في تعليم Scratch (سبق أن دوّنت عنه هنا) ثم انتقلت لتعليم بايثون.

    البرمجيات الحرة

    بعد ذلك حضرت كلمة عن “مجموعة مناصرة البرمجيات الحرة” في مؤسسة ويكيميديا وهي مجموعة من موظفي المؤسسة تسعى لدعم نفوذ البرمجيات الحرة في كل البنية التحتية للموسوعة بحيث يتمكن أي شخص من تشغيل الموسوعة دون قيود. تحدث مؤسس المجموعة أن المؤسسة تعتبر أكثر المؤسسات التزاما بالبرمجيات الحرة، بعد مؤسسة البرمجيات الحرة لكن ذكر بعض الاستثناءات التي تشذ عن هذه القاعدة وهي البرامج الثابتة في الخوادم والمحولات (لا يوجد بديل حر لها، وهي تأتي مع الخوادم تلقائيا)، وNetApp (لا أعرف ما دوره) وقاعدة بيانات تحدد الأماكن الجغرافية لأرقام الآيبي (قواعد البيانات الحرة غير دقيقة).

    بعد أن انتهى فتح المجال للنقاش فسألته عن التواصل إذ أن موظفي المؤسسة يعتمدون كثيرا على سكايب وغوغل هانغ آوت وكلاهما غير حر، فذكر أن ذلك صحيح لكن مشكلة البروتوكلات الحرة أنها غالبا ما تعتمد على الاتصال المباشر بين الأنداد وهذا يعني أن على الشخص أن يرسل البيانات إلى كل طرف مشترك في الاتصال بدلا من أن يرسلها لطرف مركزي يوزعها بدوره على بقية الأطراف، ونموذج الاتصال بين الأنداد يتطلب سرعة رفع عالية (سبق أن سمعت كلمة لفريق جتسي عن سعيهم لحل هذه المشكلة). علّق أحد الحضور أنه يستخدم chatb.org للاتصال الحر وأوصى به (لكنه أيضا يعتمد على الاتصال المباشر بين الأنداد). سألته أيضا عن صيغة المستند المفتوح ODF، لكنه ذكر أنها تظل للأسف ليست الصيغة الأساسية لدى موظفي المؤسسة وأنهم يعتمدون على Google Docs على كل حال (بعد الأسئلة تبيّن أن الشيطان يكمن في التفاصيل :D)

    اللقاء العربي

    جيمي ويلز يتحدث في ويكيمانيا 2014

    من أعلى لأسفل ومن اليمين لليسار:
    عباد، ويامن، وعبد المؤمن، وصالح، وعبد الله، وياسين، وآمنة، وميرفت، وريم.
    شمة، وندى، وسمير، وولاء.
    أسامة، ومحمد، وحبيب.


    مساء اليوم الثاني التقى الويكيبيديون العرب الذين حضروا ويكيميانيا لمناقشة المستجدات. كانت على الطاولة مسألتين رئيسيتين: إنشاء كيان يجمع المساهمين العرب، وإقامة ملتقى إقليمي عربي يكون نسخة مصغرة من ويكيمانيا.

    فيما يخص المسألة الأولى فالتقدم منذ اللقاء الماضي كان إنشاء مجموعة مستخدمين في تونس (شاركت بطاولة مصاحبة للمؤتمر)، وطلب -ينتظر الاعتماد- لمجموعة مستخدمين في مصر. كان تصوري عندما اجتمعنا السنة الماضية أن العمل “الفيدرالي” ذو الأساس المحلي هو الأنسب، لكن تبين أن النشاط في بعض الدول -منها السعودية- أضعف من أن يدعم تأسيس كيانات محلية ولأجل ذلك اقترحت أن نركز أكثر على مجموعة مستخدمين تجمع المساهمين العرب ووصغت بعض الأسس المقترحة لعملها. أرى أن المفيد في تأسيس مجموعة تجمع العرب أنها توفر علينا كثيرا من إجراءات الاعتماد، وأنها تساعدنا على الاستفادة من شتى خبرات الوطن العربي، وأنها نُشيّد اسمًا يزداد قوة مع الوقت بأن تنسب إليه النشاطات التي نقيمها في شتى الأقطار بدلا من أن تعتبر مبادرات فردية. كان رأي يامن وحبيب (من تونس) وسمير (من مصر) ألا تعارض بين العمل المحلي والإقليمي وأنهم مستعدون للعمل أيضا لما يخدم المجموعة العربية، واتفقنا على ذلك. الخطوة القادمة تكون في الرجوع للسياسات المؤسسة لتشكيل “مجموعة عليا” (Meta group) عربية، وصياغة آلية عمل واضحة تنظم عمل المجموعات المحلية مع المجموعة الإقليمية العربية.

    فيما يخص الملتقى الإقليمي فطُرِحت فكرته لتكون تونس المستضيفة للنشاط، لكن سمير اقترح أن يتاح المجال لدول أخرى لتقديم عروضها لأن ذلك قد يساعد على تخفيض التكاليف، وكانت خلاصة الاجتماع أن نحذو حذو ويكيمانيا بأن نتيح المجال للعروض (Bidding). عرضتُ أن بإمكاني التواصل مع جهات مانحة في السعودية لدعم سفر المساهمين العرب إلى الملتقى الإقليمي أيًنما كان. تشعّب النقاش لبعض التفاصيل، وانتهينا إلى أن نشكل فرقًا تكون مسؤولة عن عقد هذا الملتقى.

    طرح محمد مسألة ويكي تهوى المعالم، وعرض تجربته في الجزائر. رأى عباد -الذي شارك في تنظيم المسابقة في الأردن- أن الآلية التي صاغها محمد في الجزائر لا تختلف عن الآلية المتبعة عالميًا. انتهينا هنا أيضا لتشكيل فرقة عمل تكون مسؤولة عن تنظيم المسابقة.

    اعترضت ميرفت على تشكيل الفرق لأن من حضروا الاجتماع لا يمثلون بالضرورة مجتمع المساهمين فكان تعليقي أن من واجبنا أن نخرج من وهم “التمثيل” وأن نقدم أنفسنا كمبادرة من داخل المجتمع، لا أن ندعي أو نحرص على أن نكون نحن المجتمع ذاته. كنتُ ذكرتُ هذه النقطة في الأسس المقترحة لعمل المجموعة العربية أعلاه. رأى عبّاد أيضا أن التمسك بدور المبادرة -لا التمثيل- سيحل معظم الإشكالات التي قد تطرأ مستقبلا.

    الخلاصة

    ويكيمانيا دائما حدث عظيم. وكالعادة، لم تكن عظمتها مقتصرة على الكلمات والجلسات التي نُظّمت رسميا كجزء من المؤتمر (والتي لخصتها أعلاه) بل إن التعرف على المساهمين الذين يعملون في كل أرجاء العالم على تعزيز المعرفة الحرة فرصة لا تُفوّت. سيكون الملتقى السنة القادمة في المكسيك، وأتطلع لأن أتمكن من حضوره وقد أنجزنا ما يسر على الصعيد العربي.

    أن ترضى بالقليل

    كلنا نسعى للاعتبار: أن نجد حيزا كريما في هذا العالم الذي نشأنا فيه وأن نحقق تطلعاته وآماله، لكن لست أنتَ ولا أنا من يحدد الذي يستحق عند الناس الاعتبار، وليس الاعتبار شيئا واحدا أصلا، وليست فئات الناس كلها متفقة على من ذا الذي هو أهل له. لكن لنا في ذات الوقت اختيار: أن نجد الفئة التي نسعى عندها لنيل الاعتبار.

    ليس عصيّا أن تجده، سواءً بذلت أحسن ما عندك أو لم تبذله، وسواءً محّصت غاياتك أو لم تمحّصها، ويصبح شاقا تبديله بعد أن نلته. المتفوق بين زملائه له اعتبار. المغرد عند متابعيه له اعتبار. مشرف الحلقات عند تلامذته له اعتبار. الأب عند أطفاله له اعتبار. صاحب النكات والفضائح عند أصدقائه له اعتبار. صاحب الأفكار بين رفاقه له اعتبار. مشجع الأرجنتين بين مشجعيها له اعتبار. المُحِّبة عند مُحِّبها لها اعتبار.

    يمكن أن تنال اعتبارا عند فئة من الناس لأنك كتبت: “لا سلام مع إسرائيل.” أو لأنك تنبّأت بنتيجة مباراة ما، أو لأنك صغت فضيحة مصحكة، أو لأنك تدرس تخصصا مرموقا.

    يهيأ لي أن تقنيات التواصل -رغم كل محامدها- سهّلت للكل أن يجد فئة تمنحه الاعتبار، وصار أبعد عن الذهن أن يلقي الشخص بالا للتأمل في غاياته وطموحاته وقدراته.

    دوائر المعارف توطد نفسها دوما.

    ويظل السؤال: هل يدفعك ما تناله من اعتبار لتقديم أقصى ما لديك أم يعميك؟ هل حاولت التحرر من الفضاءات التي تُقيّدك؟

    المشكلة أننا قد نرضى بالقليل. المشكلة أننا قد لا نعرف ذلك.

    إلى عامر

    amer

    أخي الغالي عامر،

    هذا الشهر (شعبان 1435) أتممتَ سنتك الثانية والعشرين، وأتممتُ معك سنتي الواحدة والعشرين. أظنك تذكر الصدفة التي كنا نفخر بها صغارا: كلانا ولد في ذات اليوم: الثامن من شعبان في سنتين متتاليتين! “لعلها إشارة قدرية أن ما بيننا محتم!”

    كانت طفولتنا مفعمة. غريبة. مضحكة. كلما رويتُ شذرات منها أعرف أن الذي أمامي سينفجر ضاحكا أو يبتسم ساخرا. لم تكن عادية أبدا، وأنا متأكد أنك واجهتَ الرد ذاته. قبل أيام عدتُ إلى حاسوبي السابق -توشيبا- وبحثت عن مجلد “الألبوم”. أظنك تعرف أقسامه. هو ذاته المجلد الذي يحفظ كثيرا من ذكريات الأيام الجميلة. بحثت فيه عن مجلد “صور خاصة”. ثمة ثلاثة مجلدات تحته: “صور الطلعات” و”صور الإخوة” و “صور الأصدقاء”. أعرف أين صورك. لم تكن صديقا، بل كنتَ أخا عزيزا. في الحقيقة لم يكن مجلد “صور الإخوة” يحوي إلا صوري معك وأخيك عبد الله في منزلنا وفي منزلكم. في ذات الحاسوب كتبت “amer” فظهرت لي من حيث لا أحتسب سجلات قديمة، قديمة جدا كمحادثاتنا أيام الماسنجر والمنتديات! كانت مشاركاتي في المنتدى الذي نشطنا فيه سويا قد بلغت 1000 مشاركة، فهنأتني ضاحكا. وجدت محادثة أخرى: تريد أن أكتب برنامجا لمعاقبة المتطفلين: اسمه “صور خاصة” لكنه في الحقيقة يطفئ الحاسوب ويجعل الشخص عرضة للمساءلة. أفكارك هذه تعجبني جدا! جهزته، لكنك لم تخبرني حتى الآن من وقع في الفخ. آمل أن تخبرني في أقرب لقاء.

    وجدت محادثة أخرى أعتذر منك فيها. لا أذكر السبب بالضبط، لكنه كان اجتماعا علّقتُ فيه تعليقا لم يفهم كما أردتُ. قد يكون اجتماعا لواحدة من الأنشطة المدرسية التي نشطنا فيها سوية كملتقى الفرسان في الابتدائية وعرين الأُسد في المتوسطة. هل تذكرها؟ أو لعله اجتماع من اجتماعات قوّة. طبعًا لن أسألك عن قوّة، لأني لن أصدق لو قلت أنك نسيتها حتى لو حلفت الأيمان!

    على ذكر قوّة: رجعت إلى الملف الذي أحفظ فيه سجلاتها، وأخذته معي إلى منزلكم يوم السبت الماضي لأتصفحه مع عبد الله. تذكرنا أياما أسسنا فيها قوّة. لم تكن أهدافها واضحة، ومن يتوقع أصلا أن يكون للأطفال (أنا وأنت وعبد الله) أهداف واضحة! الحق يقال: واضح أننا لم نكن نعرف شيئا عن الأحزاب ولا التنظيمات ولا المؤسسات ولا الشركات، فكانت قوّة خليطا من ذلك كله، لكننا كنا نعرف أسسا بسيطة جدا: الغزو الأمريكي للعراق جريمة، دعم إسرائيل خزي، والعمل الإعلامي مهم، وكانت شروط الانضمام لها الالتزام بمثل هذه المبادئ.

    تذكر “آه يا سامي”؟ بعدما عرفنا قصة سامي الحصين المعتقل في أمريكا جهزنا عروض بوربوينت لنُعرّف بالقضية واشترينا عشرات الأقراص المرنة (لا أذكر صراحة من أين أتينا بمبلغها، هل تذكر؟) ثم بعناها لزملائنا في المدرسة بريالين على أن يعود ريعها لقوّة ولنمول بها إصدارتنا القادمة. ثمة إصدارات أخرى: “ضرغام قوّة” و”فستقة المرئيات”. اخترنا الاسم الأخير -فستقة- لأننا كنا نحب آيسكريم الفستق، فكنا نشتريه كلما وقفنا سويا في بقالة العوبثاني في طريق عودتنا من المدرسة.

    كنا نصلي سوية في ذات المسجد، ونجلس عند تلك التلة الخضراء أو عليها، أحيانا إلى أن تأتي الصلاة التي تليها. بعدها بُني مسجد أقرب إلي بيتكم فصرت تصلي غالبا فيه، كنتُ لا أخفيك حزني على بنائه.

    انتهت أيام المدرسة. ذهبتَ إلى كلية الحاسب، وذهبتُ إلى كلية الطب. كنتَ تأتي أحيانا لتصلي في المسجد القريب من بيتنا، فكنت أنتظرك في آخر المسجد وقتما تصلي السنة الراتبة، وأسألك: “عندك شيء؟” لأركب معك الفورد و “تنطل” في الحارة. تعلمت منك أن “التنطيل” ليس فعل العابثين، فحتى المطاوعة بارعون فيه! سأعترف: إن سئمتُ منك وشعرت أنك ستوقعنا في ورطة كنت أستشهد بأمي التي تدعو على “المنطلين” المزعجين لعلك تتوقف، ودائما كنتَ تتوقف! (لحسن الحظ كنتَ أحرص على سيارتك الجديدة: الأفلون، فهدأت قيادتك) بعدها -إن بقي وقت- كنا نذهب لجافاتايم حيث نصحتني فيه بالآيستي. أشربه دائما.

    في جلساتنا تلك -التي كنا ننقل بعضها لتويتر- كنا نرسم خريطة بديلة معقولة لهذا العالم المجنون. ما الذي علق في ذهنك من نقاشات؟ شخصيا أتذكر جيدا: ملف المعتقلين والمظاهرات، ومشروع حسم، وبيان دولة الحقوق والمؤسسات، والأحزاب الإسلامية، واستهداف المدنيين الأمريكيين، وجدوى المقاطعة، والدولة الحديثة والديمقراطية، ومصير سوريا.

    سوريا، سوريا، سوريا. كانت همًا شاغلا لك. كانت تصلني إصدارات المنارة البيضاء منك أولا بأول، وكنتُ أسألك باستمرار عن مؤلفات المشائخ الجهاديين وآرائهم ومؤلفاتهم وأعتبرك “ممثل الحركات الجهادية بالنسبة لي”. ثمة حشد لسوريا. كل من أعرف من الجهاديين ذهبوا، لكن هل ستذهب أنت؟ تبدو خطوة مصيرية صعبة جدا، ولا سيما أنك ممنوع من السفر. أخبرتني قبيل ذهابك أن منع السفر رُفع عنك. كنتُ أحتاج أن ألتقي بك سريعا. في الحقيقة لم أكن أنوي أن أقول لك شيئا مخصوصا، ولا أن أسألك عن الموضوع حتى، لكني أريد أن أراك. قلت لك: “خلنا نفرح ونسوي حفلة. استغلنا يا خي! خلنا نشوفك على عشاء أو غداء هالأسبوع.” طلبتَ مني أن أسعى في موضوع طبي لحلقتكم فانشغلنا عن اللقاء. أخبرني عبد الله بعدها أنك ذهبت إلى سوريا. قلتَ لمن خلفك أنه لم يكن لك أن تهنأ وأنت تسمع نداء المستضعفين، وأنك ما خرجت إلا نصرة لهم، وتبا للحدود.

    أمضيتَ 11 شهرا متنقلا بين الجماعات والكتائب تاركا الخلافات وراء ظهرك، باحثا عن خطوط النار لتشهر سلاحك في وجه النظام العميل المجرم وجنوده. كانت معركتك شريفة. تحملت الكثير، وضحيت بكل ما في يدك في سبيل الله، الذي كتب نصرة المظلوم. كل من رآك هناك، كمن رآك هنا: أحبك. ابتسامتك الطلقة المعهودة صحبتك في اللاذقية والغوطة وحمص وحلب.

    أنشدت “لئن لم نلتقي في الأرض يومًا” وكتبت “يا هلي كيف بالسلا…عن جهاد الأعادي؟”

    ثم أصابك رصاصهم الخبيث في ريف حلب.

    لم يكن بمقدور الأطباء فعل شيء. مكثت مصابا خمسة أيام إلى أن قُبضت روحك الطاهرة.

    ثم دُفنتَ في تفتناز.

    أعرفك جيدًا يا عامر، ولا أعرف عنك إلا صفاء القلب وصدق المطلب. قليلون جدا الذين أزداد إجلالا لهم كلما اقتربت إليهم. أنت منهم. تتصاغر أشياء، وتعظم أشياء بحضور الموت. موتك أعمق.

    لست هنا أرثيك، أنت فوق الرثاء، لكن مشافهتي لك لم تجد جوابا سوى الصدى، فلنجرب الكتابة.

    بكل ود،
    أسامة

    عن الإغراق في التنظير

    بؤس الواقع والإحساس بالعجز فيه يدفع للهروب. أتفهم ذلك تماما، بل إني لا أعتقد أن على أحد أن يعيش هذا العجز. الحياة أقصر من أن تعيشه. لكن ورغم ذلك حريٌ بنا أن نسأل: إلى أين الهروب؟

    واحدة من الحقول التي يجد فيها البعض الخلاص: الخوض في النقاشات الفلسفية والتاريخية والتفكير في مستقبل مشرق. تجده مثلا حاملا عشرات الكتب، وممسكا ورقة وقلما ليرسم تفاصيل ذلك المستقبل ويحدد معالمه ويتأمل المعضلات الممكنة وغير الممكنة فيه عسى أن يجد لها حلا متماسكا شاملا. قد يخرج بافتراض بديع يعالج ما يشغله من معضلات، ويمنحه ذلك الافتراض يقينا أننا لسنا ملزمين بالواقع الذي نحن فيه، وأن الأفق أوسع من أن تُقيّده الظروف الراهنة. يجعله هذا التفكير أيضا محاطا بمجموعة فطنة ممن يشاركونه الضجر بالواقع، والطموح لذلك المستقبل.

    الطموح مهم، والتفكير في إمكانيات المستقبل ومعالجة معضلاته أيضا مفيد، لكن معياري الذاتي في تحديد جدوى الاهتمام الجاد بقضية دون أخرى: ما الأثر؟ أظن أن كثيرا مما يطرح في الأوساط الفكرية الشبابية ينسى أو يتناسى شيئًا فشيئا الحلقة المفقودة الأهم: كيف نغير الواقع؟

    الأمر أشبه بأن تكون تائها في الصحراء وأن تمضي الوقت مفكرا: كيف سأعيش في واحة بهيّة عذبة ذات ظلال. ليس الإشكال أن تلك الواحة غير موجودة، أو أن الوصول إليها غير ممكن، ولا حتى أن التفكير في كيفية العيش فيها غير نافع: الإشكال أن الإغراق في هذا يهدر طاقات كان يمكن أن تصرف في فهم حدود تلك الصحراء، وإيجاد طريق للخلاص منها، أو -عل الأقل- تحسين الحياة فيها.

    من المهم أن توجد رؤية عامة لمستقبل مأمول، فالرؤى هي البوصلة التي تحدد الاتجاه. لن تجد مثلا داعيشا يسعى لتنظيم العمال في نقابات، ولا أناركيا يجدد البيعة لأبي بكر البغدادي، لكن وفي ذات الوقت ثمة خطوط عريضة تجمع عددا مقبولا من الشباب المهتم. قد لا يكون ممكنا سرد تفاصيل الواقع المثالي المتفق عليه بعد تحقق تلك الخطوط؛ فلا أظن أن تلك التفاصيل موجودة ولا أظن أننا نحتاجها حاليا أصلا. الواقع الذي نتعاطى معه يحول بيننا وبينها وأجد فهمه أنفع. قد تكتشف أصلا أن تنظيرنا لتلك التفاصيل لم يكن دقيقا ولا عمليا ولا مثاليا حتى، وعموما أعتقد أن تلك الخطوط ستكون أكثر تفصيلا ودقة مع الوقت وستثريها التجربة، ويصاحبها في ذات الوقت تأمل نظري للرؤى دون إغراق في ذلك.

    قائمة الأسئلة المستقبلية والجدالات الفلسفية والتاريخية التي أود الإجابة عنها تتقلص شيئا فشيئا. نعم، أجد المتعة في تأمل المستقبل أحيانا وفي تصفح ما يطرح بعض الفلاسفة والمفكرين، لكني لا أحرص على أن أشكل رأيا وموقفا ما لم أظن أني لي فيه أثرا.

    مع المدونين العرب

    ab14-logo-400-shadow
    استضافت عمّان الأسبوع الماضي أربعة أيام مبهجة مفعمة لملتقى المدونين العرب 2014 حيث اجتمع مدونون من شتى أرجاء الوطن العربي ليتعارفوا ويتبادلوا الخبرات ويحكوا التجارب ويستعرضوا المشاريع. كان الملتقى قد عقد في 2009 في بيروت ثم في 2011 في تونس، وها هو يعقد مجددا في عمّان. تلقيت الدعوة من الأصوات العالمية، التي أدوّن فيها، وكانت فرصة مميّزة.

    افتقدت هذه الدورة من الملتقى وجوها مميزة: علاء عبد الفتاح وباسل صفدي الذيْن حال دون حضورهما السجن، وآخرون من العراق وسوريا منعوا بسبب التأشيرة. أحد المدونين السوريين احتجز في مطار الملكة علياء في عمّان لسبع ساعات قبل أن يجبر على العودة من حيث أتى! صدقت عبير حين وصفت ما جرى بالعار.

    ينقسم الملتقى لقسمين: الأيام الثلاثة الأولى مغلقة ومركزة وتعقد فيها ورش وجلسات نقاش، واليوم الرابع والأخير مفتوح للجميع وتحضره الصحافة وتعقد فيه ندوات ومناظرات. تولت حِبر (وهي مجموعة إعلامية شبابية أردنية) تنظيم الملتقى بإبداع ومرح: محمد القاق ولينا عجيلات وريم المصري ورمزي جورج وآخرون. تنسيق محمد وشطحاته الصباحية تستحق الكثير الكثير من الإطراء والثناء. كنّا نبدأ كل صباح بتمارين بديعة. 😀

    بدأ اليوم الأول بحلقة كانت مدخلا للتعارف: سأل محمد القاق أسئلة وطلب من الحضور أن يتحركوا لوسط الحلقة ليعرف الحضور المشتَرك بينهم: من منكم يُدوّن من سنة واحدة على الأقل؟ سنتين؟ ثلاثة؟ من حضر الملتقيات السابقة؟ من منكم والد لطفل واحد؟ طفلين؟ ثلاثة؟ وهكذا. بعدها تقدم خمسة مُيسّرين تحدثوا عن خمسة مسارات ستعقد صباح الأيام الثلاثة كلها: مسار الأمان الرقمي، ومسار التوعية والدفاع الإعلامي، ومسار تصوير البيانات، ومسار حوكمة الإنترنت، ومسار كتابة الأخبار.

    انضممت لمسار تصوير البيانات وتمثيلها الذي قدمه كل من: رمزي جابر (من مشروع تصوير فلسطين) ومايا وغابي (من مؤسسة تاكتكال تك). في الصباح الأول تحدث رمزي عن تجربته العملية في التعريف بالقضية الفلسطينية (بعضها هنا)، واستعرض بعض الأفكار وتحدث خلالها عن أسس إيصال الرسالة واستبناط المعلومات وتحدث عن مقاييس يستخدمهما المشروع لقياس مدى الأثر: المقياس الكمي (بقياس الزيارات والتشارك) والمقياس الكيفي (بقياس نوع التأثير ومداه الذي سببه العمل). تحدثت مايا عن التصورات المختلفة لمختلف الثقافات عن تصوير البيانات وتمثيلها.

    محررو الأصوات العالمية في الملتقى!


    بعد استراحة الغداء انقسمنا لخمسة مجموعات وصاغت كل مجموعة قائمة بالمتطلبات التي يأمل أعضاؤها أن يتعلموها خلال الملتقى. من المتطلبات التي صاغتها المجموعة التي كنت فيها مثلا: تقنيات التدقيق الإملائي، والتعرف على حال الإنترنت في لبنان والسعودية، وتحديد الأولويات الإخبارية بكفاءة، وتحليل الشبكات الاجتماعية. بعد ذلك اجتمعت المجموعات المختلفة وقُرِئت المتطلبات وطُلب من كل من لديه القدرة على تلبية إحدى هذه المتطلبات أن يتطوع لإقامة جلسة في فترة ما بعد الظهر في الأيام الثلاثة، وهذا ما تم فعلا.

    أعلنت جلسات ما بعد الظهر فحضرت جلسة عقدها ثلاثة أكاديميين يعملون على دراسة الشبكات الاجتماعية. تحدثت جودي دين عن مفهوم “الرأسمالية التواصلية”، وهو مفهوم صاغته في دراستها للقيم التي تنتشر في الشبكات الاجتماعية. ترى جودي أن تلك القيم امتداد للاقتصاد الذي تأسست عليه هذه الشبكات: الاقتصاد الرأسمالي، وأنها تعزز النظرة الفردانية التي يسعى فيها المُدوّن للترويج لذاته وللحرص على الحفاظ على الزيارات، والمتابعين، وأن ذلك كله يصاحبه تركيز على الكم لا الكيف واعتبرت في هذا السياق مصطلح “المدون العربي” نموذجا على التركيز الرأسمالي على الكم رغم الاختلافات الجذرية بين المدونين العرب وصعوبة خلق نموذج يجمع ما يمكن أن يسمى “مدونًا عربيا”، ثم تساءلت أخيرا عن دور ذلك كله على الحراك الراديكالي. أظن أن سؤال جودي يستحق التامل فعلا: ما القيم التي تعززها بنية الشبكات الاجتماعية، وكيف تؤثر على الحراك؟ لكني أتحفظ على جعل تلك القيم امتدادا للاقتصاد الرأسمالي، فثمة عوامل مختلفة اجتماعية وتقنية تساهم وبقوة في خلق القيم في تلك الشبكات. ستجد مثلا تباينًا في تعاطي مختلف البلدان مع الشبكات الاجتماعية، وتباينا بين مجتمعات المنصات المختلفة. لفت أحد الحضور الانتباه إلى أن عددا من النقاط التي طرحت مثلا تعتبر تصرفات بشرية فطرية لا ينبغي أن تربط بنماذج شبكية محددة. تحدث أكادميون آخرون عن مجتمع التدوين، وكيف يجري التواصل بين المدونين فرفض جون مثلا أن يعتبر التدوين “محادثة” واعتبره تصرفا فرديا للتعبير عن الذات يصاحبه -بشكل غير مباشر- خلق ثقافة عامة يجري من خلالها التواصل وتعميم الأفكار والمفاهيم.

    في اليوم الثاني وصل للملتقى مشاركون فاتهم اليوم الأول. سعدت جدا بلقاء رنوة يحيى من أضِف (وهي مؤسسة مصرية أعزّها كثيرا!)، ووصل شباب من المغرب منهم زينب، وحنان. واستؤنفت الجلسات الصباحية وخضنا في جلسة تصوير البيانات تدريبا عمليا حاولنا فيه جمع معلومات شخصية واستبناط العلاقات بينها، ثم تصويرها بيانيا. بعد هذا النشاط تحدثت غابي وطارق عمرو عن بعض أدوات تنظيف البيانات المبعثرة واستخراج المهم منها (منها: OpenRefine و Mr. People)

    في فترة ما بعد الظهر حضرت جلسة لنشرة المواطن الرقمي، وهي نشرة شهرية توثّق حال الحريات الرقمية في الوطن العربي (آخر نسخة هنا، وهنا الاشتراك). كانت الجلسة استعراضا لهدف النشرة ونقاشا لأدائها تَبع ذلك أن توزّعنا على مجموعات تناقش كل مجموعة جانبا من جوانب النشرة: زيادة قرائها، واستقطاب كتاب لها، وتحسين عملية صياغتها وتجهيزها.

    رسائل من ملتقى المدونين العرب، بعدسة عامر سويدان

    رسالتي من ملتقى المدونين العرب: “المعلومات قوة، وككل قوة، ثمة من يريد الاستئثار بها لنفسه.” من بيان طلائع النفاذ المفتوح.
    بقية الرسائل هنا، بعدسة عامر سويدان.

    في اليوم الثالث استؤنفت الجلسات الصباحية وحضرت بعد الظهر جلسة قدمها مجموعة من السوريين. تحدثت ليلى عن مشروع “سوريا ما انحكت” لتوثيق الحراك المدني السوري من جهات إعلامية وفرق إغاثية وبناء المجتمع. تحدثت مارسيل -التي قدمت من حلب للملتقى!- عن قصتها الشخصية وعن انخراطها في الحراك، وعن اغتيال النظام لوالدتها، ثم تحدثت عن حال حلب وسيطرة داعش وطردها وانتقدت بشدة المنظمات الدولية التي لا تفهم ما يحتاجه الشباب في سوريا ومثلت على ذلك بدورات “السلم الأهلي” التي تقيمها تلك المنظمات، واستقطابها للشباب خارج سوريا ورفضها لأن تدعم الشباب النشط الذين يعملون في الداخل (تحرزا من أن يصابوا بالضرر فيلاموا). تحدثت عن غياب الغالبية العظمى من السوريين عما يجري على الإنترنت بسب قطع الإنترنت والتكلفة العالية لإنترنت الأقمار الاصطناعية التي تبلغ قيمتها لستة أشهر 1500 دولار. حكت عن قصص صغيرة من التكافل، والتضحية، والتعايش.

    افتتح اليوم الرابع بكلمة لهشام المرآة. بدأها بغزل ببغداد العلم والمعرفة والنهضة والنور، وأننا من هنا نسعى لأن نخلق بغدادًا جديدة تحي تلك النهضة عبر الإنترنت. تحدث عن المدونين الذين منعهم السجّان من الحضور، وتحديدا علاء عبد الفتاح في سجن القاهرة وباسل صفدي في سجن دمشق. عقب ذلك ندوة عن دور المدونين في المرحلة الانتقالية، ثم مناظرة عن العبارة التالية: “الحجب لم يعد مهما، ما يهم الآن هي المراقبة”. دافع عمرو ومورغان عن هذه العبارة، وعارضها وليد وإيلري. تحدث عمرو عن المشاكل الجوهرية في بنية الإنترنت والعلاقة الحتمية بين المراقبة والحجب، وتحدث مورغان عن تجربة الفيلسوف البريطاني جريمي بنثام: أن احتمالية المراقبة بحد ذاتها (ولو لم تكن المراقبة مؤكدة) ستلزم الشخص بأن يُقيّد نفسه. في المقابل تحدثت إيلري عن أن الحجب بحد ذاته لا يزال معضلة وذكرت أن حوالي 3% من الصينيين فقط لديهم أدوات للتغلب على الحجب. بعد ذلك عقدت ندوة “فنانو الثورة و الثقافة المضادة”. تحدث رضا زين عن أهمية الفن الحر (أو شبه الحر) في خلق شبكة فنية ومجتمع فني، وعن ضرورة خلق وسائل لا رأسمالية للتمويل، ورفض أن يعتبر الراب أو الجاز نماذج غربية بل اعتبر تأسيسها خروجا عن السائد في السياق الغربي ذاته. علّقت مارسيل أن الراب والجاز ليست أغانٍ يفهمها معظم الناس، ومثّلت على عودة الحداءات السورية الأصيلة في هتافات المظاهرات.

    تخلل هذه الأيام الأربعة جلسات ثرية جدا مع شباب رائعين تعلو على كل ما ذكرت أعلاه في البرنامج الرسمي وتعلمت منها الكثير. أعرف أني لن أستطيع التوقف إذا بدأت بشكرهم فردا فردا، ولذا فلن أبدأ. 😀 كنت قدِمتُ للملتقى بتساؤلات لمحاولة فهم استخدام الشبكات الاجتماعية وتحليلها، وناقشت أفكار كثيرة ثرية في هذا السياق، والتقيت أخيرا بمن هم وراء مؤسسة الجبهة الإلكترونية، وهي مؤسسة معنية بالدفاع عن الحريات في العالم الرقمي ودراسة طرق التجسس والحجب وتطوير أدوات لمكافحتها. كنت قد شاركت في مشاريع المؤسسة التطوعية لسنين.

    الغاية من هذه الملتقيات مهمة: ثمة مجال للتعلم والتأمل في تجارب مختلف الأقطار العربية، وثمة فرصة لدعم جهود يندر الحديث عنها وتغطيتها، وثمة متسع للسعي والمواصلة على شتى الجبهات عسى أن يخلق هذا بريق أمل. تقول رنوة: “أملي هو الأمل”.