الحياة قصيرة

عاد زميلي عمر الريس إلى البيت بعد انتهاء دوامه المدرسي في يوم الأربعاء ليرتاح استعدادًا للخروج لاحقًا مع أصدقائه الذين اتفق معهم على الحضور في نفس اليوم. نام. المشكلة أنه لم يستيقظ. المشكلة أن أهله عندما أرادوا إيقاظه لصلاة العصر اكتشفوا أنه فارق الحياة– فارقها بدون سابق إنذار.
الخبر صدمة. لم أصدقه. اتصلت على سلطان، زميلي، أسأل عن الرسائل التي وصلتني فرد أن الأمر مؤكد، وأنه فاجعة، وأن عمرًا فعلًا انتقل إلى دار القرار.
عمر شخص معروف بهدوء طبعه، وبأخلاقه العالية. “كاف عاف” كما تصف جدتي من انشغل بأمر نفسه. عمر ملتزم بالدين، ولا يُسمع منه إلا خيرًا، ولا يقول إلا خيرًا. رغم قلة الجلسات التي جلستها معه، إلا أنني أعرف أنه شخص عاقل ومتزن، وفي نفس الوقت ذو صحبة متميزة مرحة، من أفضل الذين أعرفهم في المدرسة معاملة.
موت عمر ليس الموت الأول الذي أشعر به وأعرف معناه، لقد دفنا جدتي بالرضاع قبل أسابيع قليلة، لكني كنت أبطن الاعتقاد الخاطئ أن كلًا منا، أو على الأقل غالبيتنا، سوف تتاح لهم فرصة العيش الطويل، فرصة الجد، فرصة الكسب، فرصة السعادة.
صلينا عليه ودفناه في اليوم التالي، يوم الخميس، بعد صلاة الظهر؛ وحضر كثيرون، كثير من الطلاب والمعلمين القدماء؛ وكان المشهد مؤثرًا جدًا، كان لا يصدق. “هل هذا عمر؟ هممم.. عمر مات؟ ألم يعد بيننا؟” كنت أتسائل.
أيقنت بعدها أن الحياة قصيرة، أعني قصيرة جدًا. الحياة غير مضمونة، فلا خير في التنبؤ أو الأمل، “عش لآخرتك كأنك تموت غدًا”. عرفت أن أي متعة بيها قصيرة، ومحدودة وزائلة لا محالة، وليست بشيء إذا ما قورنت بالدار الباقية الدائمة.
الحياة لا تستحق من يخون ويسرق ويغتاب. لنا جميعًا مهمة واحدة بعد المهمة الدينية: وهي جعل العالم أفضل؛ وأي تضحيات في سبيل تحقيق تلك الرؤية فلا شيء.
تجدر الإشارة إلى أن المدرسة منعت فكرة جمع مساهمات من الطلاب والمعلمين لبناء بئر باسم عمر الريس، رغم الحماسة البالغة والاستعداد الواضح من الطلاب للمساهمة. لا يهمني سبب المنع، أو الخوف المحيط بأي محاولة لفعل الخير. يجب ألا يهتم أحد لرأي المدرسة، ولا لرأي من هو فوق المدرسة، إذا مت فسأتمنى أن يُبنى بئر سقيا صدقة جارية لي بعد أن ينقطع عملي، وكذا أكيد عمر؛ وهذا كافٍ. عار، وأي عار.