غياب شمس مجرب

(ترجمة لمقالة Tinkerer’s Sunset بقلم Mark Pilgrim)

عندما اعتقل سيد الديفيدي جون بعد أن كسر خوارزمية CSS للتعمية (“التشفير”)، حُكم عليه بتهمة “التعدي الحاسوبي غير المصرح به”، مما قاد محاميه لطرح السؤال الجلي “على حاسوب من اعتدى؟” فأجاب المدعي: “على حاسوبه الشخصي“.

إذا لم يتسبب هذا بتوقف قلبك، فبإمكانك التوقف عن القراءة هنا.

عندما كنت شابًا كان “التعدي” شيئًا تفعله لحواسيب أشخاص آخرين؛ لكن دعونا نتجاوز هذا الأمر لنرجع إليه لاحقًا.

كان والدي أستاذًا جامعيًا معظم حياته بعد البلوغ. عزم في إحدى السنوات على أن يكتب كتابًا، وكان قد وفّر بعض المال لشراء حاسوب وشيء جديد صارخ اسمه برنامج معالجة نصوص. كتب وعدل وأضاف. كان جليًا أنه أفضل من العمل على آلة كاتبة، ولم يندم أبدًا على ما دفعه من مال مقابله.

احتوى الحاسوب أصلا -بالمصادفة- لغة البرمجة بيسك مُثبتة. لم تكن بحاجة حتى إلى الإقلاع من قرص نظام التشغيل. كان بإمكانك تشغيل الحاسوب ونقر Ctrl-Reset لتحصل على محث، وفي هذا المحث، يمكنك كتابة برنامج كامل، ثم كتابة RUN وكان (ويال العجب) يعمل!

كان عمري 10 أعوام، وكان ذلك قبل 27 سنة، لكني لا أزال أتذكر شعوري عندما علمت أنك (أنني في هذه الحالة) أستطيع جعل الحاسوب يقوم بأي شيء بكتابة الكلمات الصحيحة بالترتيب الصحيح ثم إعطاء الأمر RUN وكان (ويال العجب) يعمل!

كان ذلك الحاسوب Apple ][e.

عندما أصبح عمري 12 عامًا، كنت أكتب برامج بيسك معقدة جدًا لدرجة أن ذاكرة الحاسوب لم تكن تكفي لتشغيلها. عندما أصبح عمري 13 عامًا، كنت أكتب برامج بلغة باسكال. عندما أصبح عمري 14 عامًا، كنت أكتب برامج بلغة التجميع. عندما أصبح عمري 17 عامًا، دخلت في منافسة برمجية في أولمبياد العلوم الوطني (وفزت). عندما أصبح عمري 22 عامًا، حصلت على وظيفة مبرمج حاسوب.

أنا اليوم مبرمج، وكاتب تقني وهاكر بحسب شرح Hackers and Painters للكلمة، لكن لا يمكن أن تكون هاكرًا بالبرمجة، يمكن أن تصبح هاكرًا بالتجربة.

إنها التجربة التي تجعلك تتسآل وتتفكر. يجب أن تقفز خارج حدود النظام، وتهدم أبواب السلامة وتزيل السطحية التي يقدمها الحاسوب للغالبية العظمى من الناس الذين لا يرغبون في معرفة كيف يعمل. إنه استخدام مُحرّر مقاطع الأقراص (sector editor) Copy ][+ لتعلم كيف يقلع قرص نظام التشغيل، ثم تعديله ليصدر صوتًا عند كل مقطع يقرأه النظام من القرص. أو عرض شاشة بدء رسومية قبل سرد الأقراص، تأخذك بعد ذلك إلى محث بيسك. أو نسخ عدد هائل من أوامر Beagle Bros. Peeks & Pokes Chart المحيرة ثم محاولة فهمها. كل هذا لم يكن له غرض بذاته، لكنه كان ممتعًا، وكان يخيف والديّ، وكنت متحمسًا لمعرفة كيف كان يعمل كل شيء.

تبعه Apple IIgs ثم Mac IIci. MacsBug. ResEdit. Norton Disk Editor. أوقفني إذا شعرت أن أيًا من هذه الأسماء مألوف.

لقد صنعت Apple الأجهزة التي جعلتني من أكون اليوم. لقد صرت إلى ما صرت إليه بسبب التجربة.

إن عنوان هذه المدخلة مسروق من مقالة Alex Payne “On the iPad” التي يجب أن أسهب في الاقتباس منها.

إن iPad شيء جذاب مُصمّم بعناية مضحك للغاية. إنه جهاز استهلاك رقمي. وكما أشار Tim Bray و Peter Kirn فإنه جهاز يقدم القليل لتحفيز الإبداع.

إن مأساة iPad تكمن في أنه يظهر بصدق وكأنه يوفر طرازًا جديدًا للحوسبة لكثير من الناس، ربما لمعظم الناس. ذهبت الأفكار المربكة والاستعارات المجازية التي خلفتها الثلاثون سنة الماضية في الحاسوب. ذهب العبث الذي لا يرمي لأي غرض. iPad بسيط ومباشر ولا يحتاج إلى صيانة.

لكن أكثر شيء يزعجني بخصوص iPad هو أنه لو كان معي iPad بدلا من حاسوب حقيقي عندما كنت صغيرًا لما أمكنني أبدًا أن أصبح مبرمجًا اليوم. لن تكون لدي القدرة على تشغيل أي برنامج سخيف ضار نسبيًا مفيد تعليميًا من البرامج التي يمكنني تنزيلها أو كتابتها. لن تكون لدي المقدرة على العبث بResEdit لتعديل صوت بدء Mac لأتمكن من تجربة الحاسوب لساعات طويلة دون إيقاظ والدي.

أعرف أن باستطاعتك تطوير برامجك الخاصة على iPad، بنفس طريقة iPhone. يستطيع الجميع التطوير، لكن كل ما تحتاج إليه هو Mac و XCode و “محاكي” iPhone و99 دولار ثمنًا لشهادة مُطور ذاتية الانتهاء. إن “شهادة المطور” في الحقيقة ما هي إلا مفتاح تعمية يعطيك (مؤقتًا) نفاذًا أكثر (بقليل) إلى… حاسوبك الشخصي. ولا بأس بهذه -أو على الأقل يمكن أن نتماشى معه- لمطوري اليوم، لأنهم يعرفون أنهم مطورون. لكن مطوري الغد لا يعرفون ذلك، وبدون حرية التجربة، لن يعرف بعضهم ذلك أبدًا.

(كملاحظة جانبية، لقد كنت مخطئًا وكان فردرك محقًا، وسوف تتضمن أجهزة نظام التشغيل كروم مفتاح يجعل المطورين يشغلون كودهم المحلي. لا أعرف تفاصيل ذلك، وفيما إذا كان ذلك المفتاح ملموسًا أو برمجيًا، لكن وضعًا رسميًا يدعم مطوري اليوم، والأهم مطوري الغد، سيكون موجودًا.)

وأنا أعرف، أعرف، أعرف أن بإمكانك “كسر” آيفونك، لتحصل (من جديد) على الصلاحيات الجذرية، ولتشغيل أي شيء تريده، ولا شك لدي أن أحدًا ما سيكتشف أيضًا كيفية “كسر” iPad. لكني لا أريد أن أعيش في عالم يجب فيه أن تتسلل إلى حاسوبك الشخصي قبل أن تتمكن من التجربة، وطبعًا لا أريد أن أعيش في عالم تكون فيه التجربة على حاسوبك الشخصي غير قانونية (بالمناسبة، أُعلنت براءة سيد الديفيدي جون. طلب المدعي العام الاستئناف، لكن من يحتاج القضاء عندما يكون مفتاح التعمية العلني معك؟)

صنعت Apple في حقبة مضت الأجهزة التي جعلتني من أكون اليوم. لقد صرت إلى ما صرت إليه بسبب التجربة. يبدو أنها اليوم تفعل كل ما بوسعها لحرمان أبنائي من حس التأمل والتفكر. لقد أعلنت أبل حربًا على المجربين. مع كل تحديث برمجي، يتوقف “الكسر” السابق، ويبحث الناس على وسيلة جديدة للتسلل إلى حاوسيبهم. لن يتوفر MacsBug أبدًا لiPad. لن يتوفر ResEdit أو محرر مقاطع الأقراص Copy ][+ أو iPad Peeks & Pokes Chart؛ وهذه خسارة عظيمة، ربما ليست خسارة لك لكنها لشخص لا يعرف عنها شيئًا إلى الآن.

Creative Commons License
Tinkerer’s Sunset by Mark Pilgrim (the original writer) and Osama Khalid (the Arabic translator) is licensed under a Creative Commons Attribution-Share Alike 3.0 Unported License.
Based on a work at diveintomark.org.

(شكرا مارك على المقالة الرائعة وعلى الإذن بنشر الترجمة تحت رخصة حرة)

وتركت أوبونتو

لن تحتاج الكثير من الوقت بعد أن تلتقيني لتكتشف أني من مستخدمي نظام التشغيل غنو/لينكس. 🙂

البداية

تعرفت على النظام منذ ثلاث سنوات، وأدين بذلك لخالد وعفيف، حيث كان خالد يشير مرارًا إلى ضرورة تحكم المستخدم بحاسوبه (الفائدة الأخلاقية/الاجتماعية للبرمجيات الحرة)؛ وكان عفيف يشير إلى قوة النظام وثباته (الفائدة العملية للبرمجيات الحرة)، كما أرشدني إلى طريقة تثبيته عبر قناة عرب آيز على IRC؛ منذ تلك اللحظة ساهمت مع عرب آيز (وهو الفريق المنظم لترجمة كثير من أبرز البرمجيات الحرة) في ترجمة العديد من البرنامج، وكتبت وتكلمت كثيرًا على النظام وعن ضرورته، وأصبحت الحرية معايرًا هامًا لتنفيذ البرنامج على حاسوبي.

يمكن اعتبار غنو/لينكس الأساس الحر لعشرات أنظمة التشغيل الأخرى، وأعني بالحرية هنا أن للجميع حق استخدامه لأي غرض شاؤوا، وحق فهم طريقة عمله وتعديلها، وحق إعادة توزيعه، وبسبب تلك الحريات التي أعطاها ذلك الأساس تعددت خيارات المستخدمين، وظهرت عدة “توزيعات” (وهي مجموعة من البرامج المفيدة التي تشترك باحتوائها الأساس، وتختلف في البرامج الفرعية وغرضها والشريحة التي تستهدفها).

من المشاريع التي تنتج أشهر التوزيعات التي يستخدمها ملايين الناس في مختلف أنحاء العالم “أوبونتو”، وهو مشروع لإنتاج توزيعة أحدثت “ثورة” بتبسيط الاستخدام وتوجيه النظام للمستخدم البسيط؛ وقد قدم المشروع الكثير من الإسهامات الرائعة لمجتمع البرمجيات الحرة؛ لكنه وصل إلى نقطة لم يعد بإمكاني مواصة استخدامه.

المشكلة

كان النظام -ومنذ بدأت استخدامه- يحتوي ملفات لا يمكن لأحد فهمها.. نعرف أنها تقوم بغرض معين، لكن لا يمكن فهم كيفية القيام بذلك الغرض (وبالتالي فهي غير حرة). هذه الملفات تستخدم لتعريف عدد من الأجهزة ولا سيما الاتصال اللاسلكي لبعض القطع. كان ريتشارد ستولمن (مؤسس البرمجيات الحرة) يدعو مرارًا إلى رفض تلك الأجزاء وعدم تضمينها في النظام وإلى اعتبار الأجهزة التي تتطلب أيًا منها عاجزة عن العمل مع غنو/لينكس (ليعمل المجتمع على إيجاد بديل لها.. “الحاجة أم الاختراع”)؛ لكن قليل من التوزيعات استمعت. كنت أتفق مع رأي ستولمن، لكنه لم يصل إلى حيز التنفيذ لأن الاتصال اللاسلكي في جهازي لا يمكن أن يتم بدون تلك الأجزاء، ولم أجد توزيعة قوية بديلة ولا جهاز لاسلكي بديل، كنت أعتبرها مشكلة، ربما مشكلة كبيرة، لكنها لم تكن كافية لأغير التوزيعة.

مؤخرًا ازداد نفوذ شركة Canonical التي تُموّل تطوير أوبونتو على توجه المشروع، وأصبح الوضع غير مقبولًا. ما لفت انتباهي ابتداءً مقالة برادلي كون (المدير التنفيذي السابق لمؤسسة البرمجيات الحرة) عن تركه أوبونتو.

المشكلة الأساسية في نظري أن البرمجيات غير الحرة (التي تأسر حواسيب المستخدمين للمُطوّر بدون أدنى وجه حق) أصبحت مساوية تمامًا للبرمجيات الحرة، بل إن التوزيعة أصبحت تُثبّت بعض البرامج غير الحرة اللازمة لتشغيل العتاد بدون إبلاغ المستخدم بوجودها؛ وأعلنت أنها ستجعل من السهل جدًا شراء البرامج المُقيّدة للمستخدم عبر “مركز البرمجيات“. لم تعد البرمجيات المحتكرة مقبولة وسهلة التثبيت فحسب، بل أًصبح الدفع للحصول عليها أمرًا مُيسرًا ومتاحًا. أيضًا (في إطار حرية البرامج)، أصبح أوبونتو يحتوي برنامج Ubuntu One الذي يُمكّن المستخدم من رفع ملفاته على الإنترنت، وعلى الرغم من أن البرنامج الذي يأتي مع النظام حر، إلا أن الجزء الآخر الأكبر الأهم من البرنامج (على الخادوم) ليس حرًا، ولا توجد نية معلنة لتحريره.. ولا يمكن لنا فهم طريقة عمله ولا تغييرها لتلائم احتياجاتنا، بل لا يمكن ضبط Ubuntu One لاستخدام خادوم آخر غير لخادوم Canonical المركزي.

الوداع

عندما زال السبب الذي لأجله استخدمت أوبونتو، ودعوت كثيرين لاستخدامه، لم يعد بإمكاني مواصلة ما أقوم به لأنه لم يعد يمثل القيم التي أؤمن بها، قيم الحرية الكاملة لجميع مستخدمي الحاسوب. لقد حان الوقت لترك أوبونتو.

كان أول استخدام عملي لنظام حر بنسبة 100% عندما وصلتني بطاقة عضوية مؤسسة البرمجيات الحرة، وهي عبارة عن بطاقة مُسجّلة باسمك تحتوي توزيعة Trisquel الحرة وتُقدّم كتعبير للشكر على انضمامك لمؤسسة عبر “العضوية المساهمة” وهو تبرع سنوي لمؤسسة ترافقه بعض المزايا.

أعجبتني البطاقة، وفكرت جديًا بالتحول إلى Trisquel، أخيرًا نظام يعبر تمامًا عما أؤمن به.

مضت أسابيع قليلة، ووجدت جهاز اتصال لاسلكي لا يحتاج تلك الملفات غر الحرة، وبعدها بيوم جهزّت ممتلكاتي للانتقال، ثم حذفت أوبونتو وصرت مستخدمًا لنظام يحترم حريتي.

الآن

لم أعد من مستخدمي أوبونتو. لم أعد أدعو الناس إلى استخدمه. لم أعد أُوزّع أقراصه.

تصورت أن يكون التحول صعبًا، لكنه لم يكن أبدًا كذلك، فTrisqule توزيعة مبنية على أوبونتو، وإعدادها والتعامل معها يشبه كثيرًا أوبونتو. لم أخسر شيئًا، بل إن جهاز الاتصال اللاسلكي الجديد Alpha، ذو إمكانية اتصال أبعد من الجهاز المُضمّن في الجهاز. (صدقًا، هذا الفرق الوحيد :))

أدعو الجميع إلى اختيار نظام يحترم حريتهم؛وإلى جعل الحرية عاملًا أساسيًا عند الاختيار.

لقد قطعت حركة البرمجيات الحرة مشورًا طويلا منذ تأسست قبل 26 عامًا، وشيّدت مجتمعًا يعتبر ملكية البرامج للمستخدم، ويؤمن أن حق المستخدم في التشارك بديهيًا. لقد كتب المجتمع عشرات ملايين الأسطر التي تُدير أقوى حواسيب العالم، وساهمت كثيرًا في تطور الحوسبة ونمو الإنترنت؛ ومن واجبنا كأفراد المحافظة على ما أنجزه الجيل الماضي الرائع، وتحقيق حلم الحرية للجميع.

من حقي أن أتمكن من فهم كل البرامج التي يُعالجها حاسوبي بلا استثناء. من حقي أن أتعلم كما كان بيل غيتس وستيف جوبز يتعلمان. من حقي أن أُطوّر البرامج كما كان لاري بيج يُطوّر. أن أحرم أنا وجيل كامل من العقول المُفكّرة مما حظي به المحتكرون وأن أوجّه إلى الاستهلاك السلبي ل iPad وويندوز 7 وبليستيشن 3 جريمة منظمة نكراء نحتمل نحن واجب نقضها.

الحرية الكاملة هي الهدف.