لقاء جيمي ويلز

مقدمة


من لا يعرف ويكيبيديا؟ المشروع المجتمعي اللاربحي لكتابة موسوعة حرة واسعة دقيقة!

كانت ويكيبيديا بوابتي نحو أشياء كثيرة: “المجتمع”. الثقافة الحرة. البرمجيات الحرة. الاستخدام الهادف للإنترنت في مرحلة مبكرة. اكتشفتها وأحببتها سريعًا. أصبحت نشيطًا في مجتمعها الذي منحني -لاحقًا- الأدوات الإدارية. حضرت مؤتمرها لعام 2010 في بولندا وشاركت في الإجابة على الرسائل التي يرسلها القراء لبريد الموسوعة.
عندما قرأت أن مؤسس الموقع جيمي ويلز سيكون في الرياض الأربعاء 23 فبراير في إطار “المؤتمر الدولي الثاني للتعلم الإلكتروني والتعليم عن بعد“، حرصت على حضور كلمته؛ ورتب ميدو معه أن نلتقيه في الفندق الذي يقيم فيه.

الكلمة

كان عنوان كلمته -الذي اختير قبل بضعة أشهر- “أثر الإعلام الاجتماعي” (The Impact of Social Media). تصادف موعد الكلمة مع الأحداث الثورية التاريخية التي لعبت الشبكات الاجتماعيًا دورًا هامًا في إشعالها (وكأنه خطط لكل ذلك :P)
تحدث عن ويكيبيديا. شرح رؤيتها وسرد إحصاءات عنها: 408 مليون زائر شهريًا، 270 لغة، %87 من المساهمين من الذكور، نسبة الحاصلين على الدكتوراه في مجتمعها ضعف النسبة العادية.
تحدث عن افتتاح مؤسسة ويكيميديا التي ترعى وتشغل ويكيبيديا فرعًا لها في الهند، في إطار سعي المؤسسة لتركيز اهتمامها في نشر المعرفة الحرة في الهند وذكر أن من المرجح أن يكون العالم العربي المحطة التالية.
اتضحت الفجوة بين عدد من يقرؤون ويكيبيديا ويحررونها عندما سأل: “من منكم يقرأ ويكيبيديا؟” فرفع معظم الحضور أيادهم ثم انخفضت إلا أيادٍ معددوة عندما سأل “من منكم سبق أن حرر ويكيبيديا؟”.
تحدث جيمي عن أن ويكيبيديا أضحت -ولا سيما للجيل الجديد- مصدر المعرفة وأن ويكيبيديا أصبحت هي الموسوعة مستشهدًا بما عبرت عنه إحدى المعلمات.

تحدث بعدها عن شركته ويكيا التي تستضيف -مجانًا- عشرات آلاف مواقع الويكي التي تنشر محتوياتها تحت رخصة حرة، وقال أن بناء مكتبة حرة لا يقتصر على إيجاد موسوعة معرفية حرة، بل يمتد أبعد من ذلك بكثير وأن ذلك ما تسعى إليه ويكيا.

ذكر أن موقعه المفضل على ويكيا هو ويكي وصفات الطعام الغني بمعلومات عن عشرات آلاف الأطعمة.
تحدث أيضًا عن موسوعة المسلسل التلفزيوني لوست التي عمل مجتمعها على التحليل الدقيق لشخصيات المسلسل والأحداث التي وقعت فيه، ومن الأشياء المذهلة التي اكتشفها المجتمع أن ذكر “كندا” في أي سياق في المسلسل يعني أن قائلها يكذب.
تحدث أخيرًا عن مشروع انطلق مؤخرًا لتحليل رسالة الدكتواره لسيف الإسلام القذافي في محاولة للبحث عن أي أجزاء نسبها إلى نفسه كذبًا.

تلى ذلك نقاش مع مدير الجلسة ثم أسئلة الحضور.

اللقاء

كان ترتيب لقاء خاص صعبًا في البداية، ولا سيما أنه سيبقى في الرياض أقل من 24 ساعة والصحفيين في كل مكان ومنظمو المؤتمر لديهم برنامج مسائي للمتحدثين، لكنه حرص على تفريغ ساعة من وقته قبيل العصر للنجلس معه في صالة الفندق.
حضرت أنا وعبد الرحمن -أحد أصدقائي الأعزاء- وميدو -ويكيبيدي محنك ومن أوائل مساهمي ويكيبيديا العربية- وكان اللقاء رائعًا.
سألته عن ويكيبيديا المصرية فقال أنه ليس خبيرًا في المجال، لكنه يعتقد أنها إن تسببت في تتضييع الجهود فلا ينغي أن توجد وحدثنا عن وقائع مشابهة حدثت سابقًا منها اعتماد نسختين مختلفتين من ويكيبيديا لكوسوفا لكرواتيا وصربيا (نظرا لاختلاف الثقافتين رغم أنهما يتحدثان نفس اللغة مع اختلاف في الكتابة يمكن معالجته آليًا) ونسختين مختلفتين لكوريا الجنوبية وكوريا الشمالية والتحويل التلقائي بين اللغتين الصينية المبسطة والصينية التقليدية. لكنه أكد كما أكد عندما سأله الحضور أن قرار إنشائها لم يكن قراره.
سألته عن التزام مؤسسة ويكيميديا بالبرمجيات الحرة وأني ذهلت من كثرة أجهزة ماك والدعوة المتكررة لاستخدام سكايب في مؤتمر ويكيمانيا 2010 فقال أن المؤسسة كان لها سياسة بقصر العمل على البرمجيات الحرة، إلا أن كثرة الموظفين جعلت بعضهم يفضل استخدام أجهزتهم الخاصة التي تعودوا عليها. قال أيضًا أن مديرة المؤسسة التنفيذية سو غاردنر انتقلت إلى نظام غنو/لينكس عندما أتت للعمل في المؤسسة. أكد أيضًا على سياسة المؤسسة الصارمة في الاقتصار على استخدام البرمجيات الحرة على الخوادم.
سألته عن مشروع محرك بحث الويكي (Wikia Search) الذي بدأه وأغلقه سريعًا فقال أن الأزمة المالية في نهاية 2008 تسببت في تحفظ الممولين على صرف المال في مشروع ضخم يتطلب آلاف الخوادم كهذا.
سألته عن نمو مجتمع ويكيبيديا فقال أنه يعتقد أن الويكيبيديات الكبرى (كالإنجليزية والألمانية) تنضج وأن عددًا أقل من الوصلات الحمراء يمكن ملاحظته هناك (في ويكيبيديا، الوصلات الحمراء هي وصلات للمقالات غير الموجودة) وتحدث عن وقت كانت فيه الوصلة لمقالة Africa حمراء. لكنه أكد على أن الأهم ليس عدد المساهمين بل قدرتهم على الجلوس لحوار هادف وبناء “كجلستنا كهذه”.
أخبرته أني عندما طلبت من مجتمع آيدنتكا أسئلة له كان السؤال الذي تلقيته عن سبب تواجده على تويتر دون آيدنتكا (خدمة التدوين المصغر الحرة الموزعة) فذكر أنه يعرف منشئ الخدمة (إيفن بردرومو) شخصيًا وأنه يعتقد أن لديه حسابًا هناك وقال أنه سيستخدمه. 🙂

انطباعات

لم أكن متأكدًا جدًا من شخص جيمي؛ هل سيهتم فعلا للقاء بضعة أشخاص من المجتمع رغم الضيق الشديد لجدوله؟ كيف سيكون لقاؤنا إن تم؟ لكنه كان شخصًا طيبًا ولطيفًا ومهتمًا بنا كأفراد من المجتمع. استفدت كثيرا من لقائه وسررت لما قال.

صندوق الحرية: لنبدأ العمل

مقدمة


سبق أن كتبت عن مشروع صندوق الحرية الذي أطلقه إبن موغلن السنة الماضية في كلمته أمام جامعة نيويورك.
الفكرة أن ننشئ جهازًا محمولا رخيصًا سهل الاستخدام يخلص المستخدم من الشبكات الاحتكارية ويعزز الاستقلال واللامركزية ويؤدي احتياجته من تواصل اجتماعي وبريد إلكتروني وتصفح آمن، كل هذا طبعًا باستخدام برمجيات حرة.

مرت سنة تقريبًا منذ أعلن موغلن الفكرة، وأتت أحداث مصر وتونس لتؤكد الضرورة الملحة لاستثمار البرمجيات الحرة في جلب الحرية إلى الشارع وفي يوم السبت 5 فبراير (اليوم الذي تلى “جمعة الرحيل“)، ألقى إبن موغلن الكلمة الرئيسية لمؤتمر FOSDEM (يمكنك تنزيلها من هنا –730 م.ب) كان عنوان الكلمة “السبب الذي يجعل الحريات السياسية تعتمد على البرمجيات الحرة بدرجة تفوق أي وقت مضى” (عنوان طويل، أعرف :)).

سوف أعيد صياغة الأفكار التي طرحها في كلمته.

الحريات السياسية والبرمجيات الحرة

يكافئ دور البرمجيات في القرن الواحد والعشرين دور الحديد في القرن العشرين، منها يصنع كل شيء: الحرية والطغيان، العدالة والظلم؛ بل إنها باتت تحل محل القانون والدولة وتتحكم في تصرفات الناس وتضع حدودًا لما يسمح وما لا يسمح لهم القيام به.

في نفس الوقت ساهمت النهضة التقنية في ربط العالم بشبكات يقف الناس موقف المحتار من دورها في تعزيز الحرية أو كبتها؛ لكن إبن يجب على التساؤل بأن الأمر يعتمد على نوع الشبكة والمتصرف فيها فمنها ما يعزز الحرية، ومنها ما يعزز الطغيان.

وسائل التواصل الاجتماعي -التي تمكن الفرد الواحد من التواصل المباشر مع الجماعة- غيرت من توزيع القوة في المجتمع. غيرتها لتعطي حياة الأفراد اليومية حصة أكبر من حصص الأطراف السلطوية المُنظّمة (كالإعلام الرسمي) وهذا شيء إيجابي؛ ولكن رغم إيمننا بالفائدة السياسية لتلك الأدوات، إلا أننا نعي تمامًا الخطر الذي تسببه مركزيتها والخطر الذي يسببه تقديمها المصالح التجارية على تعزيز الحرية.

من المؤسف أن تعتمد حرية الثوار العرب على تواصلهم فيما بينهم عبر قاعدة بيانات (تسمى فيسبوك) يملكها فرد يعيش في كاليفرونيا ويخضع لطلبات إفشاء الأسرار التي ترسلها الحكومة الأمريكية، ومن المؤسف أن يعتمدوا في نقل أخبارهم إلى العالم على خدمة تدوين مصغر (تسمى تويتر) مضطرة لجني أرباح لتبرر لمساهميها جدوى وجودها. لقد رأينا أن تلك الخدمة تملك من السلطة ما يسمح لها بالتبرع بكل ما قاله مستخدموها إلى مكتبة الكونغرس، ولا شيء يمنعها من أن تقوم بنوع مختلف قليلا عن ذلك “التبرع”.

إن الحكومات تمثل بالنسبة لفيسبوك وتويتر وغوغل أقوى شريك تجاري على الساحة. فهل من المعقول أن نبني مستقبلنا على شجاعة زكربرك أو إرادة غوغل لتصدي لذلك الشريك؟

ما حدث في مصر رائع، لكنه ينبع من تأخر النظام المخلوع الشديد في التحكم في الشبكة وهذا ليس صعبًا عندما يقتصر الأمر على إرسالة رسالة إلى زكربرك ليقيد قاعدة البيانات التي يملكها.

إخوننا ممن يناضلون من أجل هدف ندعمه جميعًا يعتقلون ويضربون ويعذبون وفي النهاية يقتلون لأنهم يعتمدون على تقنيات نعلم جميعًا أنها مصممة للمتجارة بهم. […] لا يجب أن يعتمد من يلاقي مصير الحياة أو الموت على آيفون لأننا نعي أننا لا نستطيع التحكم فيه أو إيقافه أو حتى معرفة ما يجري داخله.

هنا تأتي “مؤامرة” مجتمع البرمجيات الحرة: “اكتب برمجيات تعطي الحرية، انشرها في كل مكان ثم أطلق الحرية“. لقد علمتنا الثقافة الحرة -التي كان مجتمع البرمجيات الحرة مؤسسها- ومشاريعها كويكيبيديا القدرة الخارقة للناس العاديين على تحقيق التغيير.

لكن المشكلة أن الوقت ينفذ.

علمتنا التجربة المصرية وقبلها الإيرانية الخطر الشديد الذي تسببه الشركات المزودة لخدمات الاتصال التي تملك الحكومات زرًا لإغلاقها. يجب أن نجد حلا يمكننا من مقاومة ذلك.

هذا الحل يتمثل في بناء شبكات محلية لامركزية (تسمى شبكات mesh). تلك الشبكات يتعذر إيقافها بإيقاف الإنترنت. يقول إبن أن وجود شبكات mesh واسعة النطاق يمكن أن يقود إلى انتفاضة اجتماعية تشبه ما حدث في القاهرة والإسكندرية، حتى لو لم توجد شبكات مركزية واتصال بالإنترنت.

نحن بحاجة إلى العمل بأسرع وقت ممكن على إيجاد جهاز يؤمن الحريات الرقمية لمستخدميه. يجلب لهم البريد، يرسل أخبارهم، يجري لهم المكالمات الصوتية والمرئية، ويمكنهم من إنشاء الشبكات المحلية تلك.

ساهم!

شعار ككستارتر
أنشأ إبن مؤسسة صندوق الحرية، مؤسسة غير هادفة للربح ستعمل على تنظيم الجهود ووضع إطار قانوني للمشروع. سوف توظف المؤسسة فريقًا من مهرة تقنيين يعملون على كتابة البرمجيات الناقصة ودمجها بصورة تجعل صندوق الحرية ممكنًا.

يقول إبن موغلن أن المؤسسة إن تمكنت من جمع 500،000 دولار فسوف يكون صندوق الحرية -بمشيئة الله- متوفرًا خلال سنة واحدة.

كخطوة أولى، أعلنت المؤسسة عن حملة تنتهي في 19 مارس لجمع 60،000 دولار عبر خدمة Kickstarter التي تمكن المتبرعين من التعهد بالتبرع بمبلغ معين إذا نجحت الحملة (عند إنتهاء مدة الحملة مع نجاح في جمع تعهدات تصل إلى المبلغ المطلوب أو تتجاوزه، تُسحب المبالغ التي تعهد بها المتبرعون من بطاقاتهم الائتمانية). تمكن المشروع -عند كتابة هذه التدوينة- من جمع تعهدات بالتبرع ب24،974 دولار خلال يومين فقط. هذا الرقم ممتاز، لكنه 5% مما تحتاجه المؤسسة لتجهز الصندوق بحلول السنة القادمة.

هذه دعوة لكل من يهتم بحرية الإنترنت لكل من أحس بالعجز لقطع مبارك والقذافي الاتصال بالإنترنت، لكل من يرى أن خصوصيته وحريته في خطر يزيد يومًا بعد يومًا. لكل من يتألم لما يلاقيه المناضلون. دعوة بأن يساهم بالقليل. أعدك أن الشركات المليارية لن تساهم بشيء والأفراد وحدهم سيقررون إن كان هذا المشروع يستحق التمويل أم لا.

أنا متفآل جدًا بما يمكن أن يتحقق إن نجحت الحملة، ولذا تعهدت بالتبرع بالقليل. آمل أن تتمكن من القيام بالشيء نفسه لأن مشروعًا كهذا يستحق المحاولة، ويستحق أن نراهن على نجاحه!

حدثت مفتاحي العلني

حدثت قبل يومين صفحة “مفتاحي العلني” ليصبح 5A103D8C.

يستخدم المفتاح العلني لتعمية (“تشفير”) البيانات بحيث لا يتمكن من قراءتها سوى من يملك نظيرًا فريدًا لذلك المفتاح العلني يسمى بالمفتاح الخاص. يمكن استيراد المفاتيح العلنية إلى برنامج GnuPG الذي يأتي مع كل توزيعات غنو/لينكس والذي يمكن تثبيته بسهولة على بقية الأنظمة المشهورة. بعد استيراد المفتاح العلني، يمكن تعمية ما شئت من بيانات ويمكن إعداد كثير من قارءات البريد لكي تتكامل مع GnuPG في تعمية الرسائل وفك تعميتها تلقائيًا.

في ظل الرقابة الجائرة يصبح الاهتمام بالخصوصية وجعلها الأصل بتعمية الرسائل البريدية وغيرها من الاتصالات غاية محمودة جدا لحماية الحريات. إن كنت تنوي إرسال أي رسالة إلى بريدي (الموجود في يمين الصفحة الرئيسية)، فأنصحك بتعميتها أيًا كان غرضها.

لمزيد من المعلومات، راجع تدوينة “بريدي موقع و(إن طلبت) فهو معمى“.

مبروك لمصر — وكلمة لمنتدى غنو/لينكس العربي

تحديث 2/12: نقل إداري موضوعًا وضعت فيه رابطًا لهذه التدوينة إلى منتدًى لا يقرؤه إلا الإداريون.

غياب

أحداث تاريخية وقعت منذ كتبت التدوينة الماضية قبل بضعة أشهر. انقطعتُ تلك الفترة لأني ركزت الكتابة في آيدنتكا وفي وادي التقنية وفي منتدى غنو/لينكس العربي، وعن الأخير سأتحدث.

الهدف

قبل أن أبدأ، من الضروري أن أبين السبب الذي يدفع مجتمعًا متكافلًا من المتطوعين إلى العمل على البرمجيات الحرة.

كتبت مرارًا في هذه المدونة وفي غيرها أن النضال من أجل نشر البرمجيات الحرة هو أصلا نضال لنشر أدوات تكفل العدالة والمساواة والاستقلال. كتبت في التدوينة الأخيرة:

[…] أهتم غاية الاهتمام بتسخير التقنية لما يخدم المجتمع لأني أؤمن أن لذلك أثر كبير في العدالة والمساوة والاستقلال.

كتبت قبلها في موقع مؤسسة البرمجيات الحرة:

إن لمجتمع البرمجيات الحرة أثر عظيم في الديمقراطية على أرض الواقع، فكثير من الناس حُرموا حقوقهم في الحياة، والوسيلة الوحيدة لينجوا أن يستخدموا تقنيات يتحكمون بها ويفهمونها ليتواصلوا فيما بينهم ولينشروا للعالم رسالة السلام والمساواة دون قيود.

نفس الكلام قاله ماكو في دعوته إلى دعم المؤسسة:

Free software is not really about software in this fundamental sense; it’s about bringing freedom to users through software.

عندما تدعي أنك تدعو للبرمجيات الحرة، ثم تسعى لتقييد استخدامها لذلك الغرض فأنت لا تعي مغزاها وأنت تحارب هدفها.

المنتدى

حذف بعض من يملكون أدوات الحذف أي موضوع يشير من قريب أو بعيد للشأن المصري من منتدى مجتمع غنو/لينكس العربي عندما مر شعب مصر بظروف عصيبة وبتلقبات كثيرة خلال الثمانية عشرة يومًا الماضية في صراع بين الشعب ونظام مبارك.

كان واجبًا علينا أن نقف مع العدالة.

حجبت الحكومة المصرية موقعي تويتر وفيسبوك الذين استخدمهما الشباب لإشعال شرارة الثورة فكتبت موضوعًا حاولت فيه طرح جدوى استخدام الشبكات الموزعة الحرة للتصدي لمحاولات الحجب والرقابة التي تشنها الحكومة، ورغم أنه يتناول جانبًا تقنيًا حرًا لا أعرف منتدًى عربيًا أفضل من ذلك المنتدى لطرحه فيه، ورغم أن إداريًا هناك أكد على مشروعية وجود موضوع كهذا، إلا أن الحال هناك لا يختلف عن حال كيانات كثيرة لا يحكمها قانون ولا يسمع فيها لرأي أحد. قام فرد ما بحذف الموضوع دون أن يجعله متاحًا بصورة مغلقة حتى.

حاولت طلب نص الموضوع لأعيد نشره في مواقع أكثر احترامًا لحرية التعبير (منها هذه المدونة ووادي التقنية)، لكني فشلت ولم ألتقَ ردًا حتى تاريخ كتابته.

قطعت الحكومة المصرية الإنترنت، فكتب مساهم آخر عن بدء نقاش في مشروع عالمي لإنشاء شبكة mesh تمكن الحواسيب المصرية من الاتصال ببعضها في شبكة محلية دون الحاجة إلى أي مشغل مركزي أو إذن حكومي فلحق موضوعه موضوعي في الحذف.

انتصر الشعب المصري فكتبت موضوعًا أهنئ الشعب المصري الذي أنجز ما عجزت عنه شعوب كثيرة. هنأتهم كما هنأهم الجميع، في كل مكان. لكن حدث ما توقعت: الحذف. تعلمت من الخطأ الأول، وحفظت نسخة من الموضوع لأنشرها في مكان آخر. هنا نص الموضوع، كما نشرته أول مرة:

وجدت أن من السذاجة أن يحتوي منتدانا موضوعًا عن صدور جتك+ 3.0.0 (وهو وسيلة برمجية لتحقيق هدف الحرية) دون أن يحتوي تهنئة لشعب مصر بما أنجزه خلال 18 يومًا (من خطوة واقعية نحو هدف الحرية).

شعرت أيضًا بالغيرة من أن قائمة المشاع الإبداعي العربية تهنئ مصر بالحرية (في موضوع بدأته مديرة شؤون المنطقة العربية نفسها!) دون أن ينافسها في ذلك مجتمعنا.

النظام سقط. زمن الدفاع عنه أو محاولة الوقوف موقف المتردد من المطالب العادلة والمشروعة قد رحل. شعب مصر يستحق التهنئة من الجميع ولا سبب يدفع أيًا منا إلى تقييد مجال التهنئة أو رفضها.

لطالما استضاف مجتمعنا مواضيع للتهنئة بالمناسبات (الشخصية أحيانًا) وبالأعياد (الدينية أحيانًا). لا أعرف لماذا يمكن أن يعتَبِرَ أحد هذه المناسبة خارجة عن القاعدة. ناهيك عن أن مصر -وتونس قبلها- علمتنا ألا معنى للقوانين إن تعارضت مع الصواب، وأعتقد أن فتح موضوع كهذا من الصواب.

تحية عطرة لكل من وقف في شوارع مصر، لكل من لم ييأس، لكل من هتف. أنتم تستحقون الحرية.

وصل الأمر إلى حالة يرثى لها. قال لي من حذف الموضوع أنه يثير الخلافات والقلاقل، فكتبت له (في سلسة من الرسائل التي تبادلناها بعد حذف الموضوع):

[…]، لا يمكن أن تصل لأي اتفاق على أي موضوع، حتى التهنئة بالاحتفالات الدينية (التي يمكن أن يتحجج المتنطعون بإثارتها الخلافات الدينية). الموضوع الذي فتحته لم يكن نقاشًا سياسيًا (كما أن التهنئة بالأعياد الدينية ليست نقاشًا دينية). إن كان الشخص س (الذي لم ألتقِ به إلى الآن) يعتقد أن الشعب المصري قام بشيء سيء اليوم، فيمكن ألا يقدم تهنئته وسيكون الأمر على ما يرام. هل يمكن رجاءً أن نكسر الحاجز الذي نضعه أمام أنفسنا؟ أنا وأنت وأغلبنا سعيدون اليوم، لماذا لا نكتب ذلك؟!

رد بأن ما كتبته يدخل في السياسة، فقلت له:

لم أنفِ أن له علاقة بالسياسة لكني لا أفهم السبب الذي يجعلك تعتبر ما له علاقة بالسياسة محرمًا أصلا. لماذا الحديث عنها أسوأ من الحديث عما له علاقة بالاقتصاد أو التعلم أو التواصل الاجتماعي. من فضلك قم بخطوة شجاعة بأن تتجاهل وجود الموضوع.

فرد بأنه سيخون ما أنيط به من رقابة وتقييد إن فعل ذلك.

ما أزعجني الوصاية الفظيعة التي وضعها يعض من يملكون تلك اﻷزرار على مجتمعنا الحر وافتراضهم أننا لا نعي الصواب من الخطأ وأن الأمر -لولا تدخلهم في كل صغيرة وكبيرة- سينقلب إلى خراب. يرفضون نقاش السياسات التي كتبوها وفرضوها في غير منتداهم السري ويرفضون نقاش أي تصرف إداري مع المجتمع (يعتبون ذلك “فضيحة”).

تسآلت عن جدوى بقائي هناك. أنا متطوع. إن كنت أرفض سياسات المنتدى، فلماذا أضع نفسي تحت سلطتها؟ إن كنت لن أتمكن من تطبيق مؤامرة البرمجيات الحرة: “اكتب برمجيات تعطي الحرية، انشرها في كل مكان ثم أطلق الحرية“، فلماذا أضيع وقتي؟ إن كنت أسعى للتوعية بالقوة الرهيبة التي يمكن أن تقدمها لنا الشبكات الموزعة، فكيف يمكن أن أرضى أن أُمنع من طرحها على أكثر الناس حاجة إليها؟ إن كان التخاذل وصل لمنع الناس من دعم العدالة، فلماذا لا أغادر؟

لم أعرف إجابة على أيٍ من الأسئلة تلك. فقررت الرحيل. ليكن موضوعي المحذوف آخر موضوع لي هناك.

يوجد آخرون

في نفس الوقت، نشر زايد السعدي في وادي التقنية (وهو أحد مؤسسيْه) مقالة يهنئ فيها الشعب المصري على إنجازه العظيم: “تنشقي يا مصر طعم الحرية” وثبّته في أعلى مقالات الموقع. أحسست هنا بالفرق. أحد الموقعين يعي ما يناضل من أجله؛ والآخر يتخبط. لا يعي جدوى وجود البرمجيات الحرة. يعتبر النظام الحاكم مقدسًا يحرم المساس به (وإن سقط). يعتبر السياسات التي كتبها أعلى من أي شيء -إلا إرادته-.

لن أكون جزءًا من موقع كهذا. حان وقت الرحيل.

أدعو الجميع إلى متابعة وادي التقنية وإلى المساهمة فيه ومناقشة ما يطرحه من أخبار. يكفي ذلك الموقع أنه أتاح الحديث عن حجب تويتر وفيسبوك، وعن قطع الإنترنت، وعن إساءة استخدام مبارك للتقنية، وعن نصائح نحو حوسبة آمن للمصريين.