رحمكِ الله يا حرية التعبير

تلك النفس القادرة على توجيه النقد العنيف الهادف قادرة – بإذن الله – أن تجعل من ذلك قوة تسقط باطلا وتعلي حقا.

الملك عبد الله بن عبد العزيز أمام مجلس الشورى عام 2008.

اليوم ثبت انتقال مسيرة الإصلاح في السعودية من الجمود إلى التراجع وعزاؤنا الصادق لكل من كان يترقبُ تقدمًا. تعديلات قانون الطبع والنشر التي صدرت بالأمس صممت خصيصًا لتقيد كل طرح جاد وصريح لما يطال الشأن العام وأتت لتخترع حصانات ولتدخلها في صلب التشريع. من اليوم فصاعدا أنت مدان عند:

التعرض أو المساس بالسمعة أو الكرامة أو التجريح أو الإساءة الشخصية إلى مفتي عام المملكة أو أعضاء هيئة كبار العلماء أو رجال الدولة أو أي من موظفيها أو أي شخص من ذوي الصفة الطبيعية أو الاعتبارية الخاصة.

وكعادة هذا النوع من التشريعات، فهو فضفاض جدا. اليوم صار النقد الهادف لمفتي عام المملكة مخالفة كما هو النقد الهادف لكبار المسؤولين وكما هو النقد الهادف لأصغر موظفي الدولة.

الحديث عن “المساس بالسمعة أو الكرامة” لا يقل في سعته عما سبقه. ماذا لو خان من له الحصانةُ مسؤوليته أمام الوطن؟ هل أعتبر مسيئا لسمعته وكرامته لو تحدثتُ عنه؟ هل أستحق الإدانة والغرامة الباهضة؟

تخيلوا واقعا لا يسمح فيه بنقد أي مسؤول أو حتى موظف. أذلك أجدر بمكافحة الفساد؟ أذلك أقدر على تكريس شعور المواطنة؟ أذلك أصلح للارتقاء بفكر المجتمع ووعيه؟

أعزائي الكرام. نحن لسنا في دار حضانة ولسنا تحت عناية مُربّية. نحن مجتمع ناضج. ما ينقصنا ليس هذه التشريعات بل تلك التي تحمي حرية الصحافة لتكفل وعي المجتمع وتضمن الرقابة والمساءلة والمحاسبة العادلة والمستقلة للجميع.

12 تعليق

  1. السلام عليكم و رحمة الله …. أسامة عفوا أسامة خالد
    أستغرب اعتراضك على القرار و دفاعك عن الصحافة و كأنك لم تقرأ جريدة أو تتجول في أي صحيفة من صحفنا !!
    لا جرم أنك ستجد القيل و القال عن الشيخ و السب بدون السؤال عن أعمال الداعية فلان!!!
    أخي الفاضل انت تدافع عن حرية تسمع عنها و هي أصلا ليست موجودة في صحافتنا … الدفاع عن الأدب ليس خطأ يرتكبه ولي أمر فهناك أناس لا يعرفون كيف ينزلون الشخص مقامه لذلك يستحقون من يردعهم للالتزام بالادب
    ولن أتكلم عن تاريخهم فإن الجبين يندى له

    • حياك الله سلطان! اسمح لي أن أعقب ببضع نقاط:
      1. أين قرأت أني أدافع عن المنهج الرخيص للصحافة الرسمية؟ كل طرحي كان ألا تتدخل الحكومة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وأن تترك الأمر لنا كشعب ناضج قادر على النقاش الفكري الجاد والمتعدد وألا تسعى إلى تكريس نظرة واحدة. لا يحق لأحد أن يحتكر الحقيقة وأن يدعي أنها معه وأن يقتل كل طرح مختلف. شهدنا هذا التوجه السيء ونشهده اليوم، وهو تحديدا ما تشتكي منه أنت الآن.
      2. أين قرأت أن هذا سيحل مشكلتك؟ القرار لم يذكر تغريمَ من يردُ أو ينقدُ عالمًا أو شيخًا (باستثناء من عينتهم الدولة). الغرض من القرار ليس إضفاء الحصانة على من تتفقُ معهم يا سلطان بل حماية المسؤولين وحتى الموظفين من المساءلة الاجتماعية.
      3. لم تردَ على ما طرحتُ من أسئلة ملحة في التدوينة. هل نحن على استعداد للتنازل عن كل تلك الحريات الضرورية لحماية البلاد من الفساد وحماية الفكر من الاحتكار لا لشيء إلا لأن ذلك أتى بصبغة تجذب البعض؟

      • “لا يحق لأحد أن يحتكر الحقيقة وأن يدعي أنها معه وأن يقتل كل طرح مختلف.”
        بغض النظر عن صحة هذه العبارة شرعيًا، نظرتك إلى حرية التعبير نظرة مثالية فيلسوفية مجردة يشوبها النفاق وعدم الصدق مع النفس. ثم أن الفقرة التي اقتبستها كانت موجودة قبل التعديل بصيغة أعم وهي “الأشخاص” فلم تأت الصياغة الجديدة للنظام إلا بالتفصيل، لكن من الواضح لدى كل من يتابع الصحافة الرسمية مستوى الانحطاط الذي وصل إليه أسلوب كلام بعض الكتاب والمتفيقهين في “الانتقاد البناء” لبعض شخصيات المجتمع دون بعض (فلم أقرأ قط مقالًا ينتقد أخطاء جهاز الشرطة مثلًا!). إن كانت حرية رأيك تتطلب “التعرض أو المساس بالسمعة أو الكرامة أو التجريح أو الإساءة الشخصية” إلى أي شخص مهما كبر خطؤه فاعلم أن الأمر يتجاوز حرية التعبير إلى حرية التأدب بآداب الدين.

      • أهلا ماجد.
        لم أقصد التعميم طبعا؛ لكني أعتقد أن تلك القاعدة هي التي ينبغي أن يكفلها قانون النشر طلما لم تتعارض مع الثوابت الإسلامية الحتمية. تلك الثوابت الحتمية لا يدخل فيها جل ما يطرح في الساحة. ومرة أخرى أنا لم أدافع عن الصحافة أبدا.
        كانت المشكلة الرئيسية التي حاولت إيصالها أن أي نقد لأي مسؤول يمكن أن يدخل في ذلك التعريف، وهو المزعج.
        أخيرا، أمن “التأدب بآداب الدين” أن تتهم ما أطرح بأن فيه “النفاق وعدم الصدق مع النفس”؟

      • “تلك الثوابت الحتمية لا يدخل فيها جل ما يطرح في الساحة.”
        ربما تتحدث عن ساحة لا أعرفها. “النقد” الذي ينشر في الصحف المحلية غارق في مخالفات لهذه الثوابت. ثم إن كان ما يقلقك أن النقد “يمكن أن يدخل في التعريف الفضفاض” فهذا الأمر ليس حصرًا على هذا النظام، وهذا القلق لا يُبرر إلا بالوقائع. ولماذا لم تعبر عن استيائك من هذا النظام قبل تعديله؟ تحسرك على “حرية التعبير” فور قراءة بعض المسميات الوظيفية التي قد لا يعجبك أصحابها يُفقد طرحك المصداقية.
        أرجو أن لا تقوّلني ما لم أقل. سؤالك يوحي بأنني قذفتك بالنفاق أو الرياء (double-dealing, duplicity)، لكنني قلت أن الحرية التي تجري وراءها فيها نوع من النفاق (hypocrisy).
        أخيرًا، إن لم يكن كلامك دفاعًا عن الصحافة الرسمية فما هو إذن؟ أعتقد أن الصحافة التقليدية وحدها الخاضعة لهذا النظام، وهي التي فقدت أصلًا كثيرًا من شعبيتها لخلوها من المصداقية. يظل هذا التباكي على شيء ليس بجديد أمرًا محيرًا.

      • نختلف إذا في النقطة الأولى من جانبي تشخيص المشكلة والعلاج المطروح لها. أما عن تقييد النظام الجديد للصحافة الإلكترونية، فمن الواضح من النص التالي أنها داخلة فيه:

        3- إغلاق أو حجب محل المخالفة مؤقتاً أو نهائياً، فإن كان محل المخالفة صحيفة فيكون تنفيذ قرار الإغلاق بموافقة رئيس مجلس الوزراء، وإن كان محلها صحيفة الكترونية أو موقعاً ونحو ذلك فيكون تنفيذ قرار الإغلاق أو الحجب من صلاحية الوزير.

        ثم من المزعج -وليست هذه المرة الأولى- أنك تدعي إحاطتك بنيتي (وأتسآل عن موقف الأخلاق الإسلامية من ذلك). أنت تعلم أني -رغم الوقت المتواضع الذي أمنحه للكتابة- أتناول أنظمة وممارسات لم تدخل فيها أي من “المسميات الوظيفية” التي تتحدث عنها كحديثي المستمر عن الفساد والمعتقلين هنا أو في آيدنتكا. ماجد، لا جدوى من سلك هذا الطريق لأن الله وحده سيحاسبني وسيحاسبك على النوايا وليس لي ولك إلا الظاهر.
        قضية أخرى أنك تستمر في لومي على ما لا أكتب، وهذا غريب إذا أخذنا بعين الاعتبار ألا أحد مطالب أصلا بأن يكتب عن كل شيء. تذكر ألا أحد يلومك (وليس من حق أحد أن يلومك أصلا) على عدم كتابتك.
        ما أحاول طرحه أنه أيا كان موقفك مما تتناول الصحف (التي نتفق جميعا أنه منهجها يفتقر إلى المصادقية والحيادية)، فيمكن أن نتفق أن هذا النظام لن يسهم في حل مشاكل الساحة الفكرية والإعلامية السعودية ولن يزيد من مصادقية الإعلام، لا التقيليدي ولا الحر.

      • لا أدعي العلم بنواياك -وأتمنى أن تذكرني متى فعلتها سابقًا- إنما أبدي ملاحظاتي على “الظاهر” لا أكثر. إن كنت لا تتقبل هذا النوع من النقد فأرجو أن تنبهني بذلك. أتمنى كذلك أن تكف عن إلقاء تعليقات WWJD وكأنك تراقب حالة “ألأخلاق الإسلامية” من الخارج. إن كنت ترى فيما أكتب مخالفة فتفضل علي بالنصيحة المباشرة لا بالتعليقات الساخرة.
        لم ألمك أبدًا على عدم الكتابة *فقط*، لومي على التحيز الواضح في تعاطيك للقضايا مع ادعائك الاتزان والعدل. تغطية مواضيع “حقوقية” معينة تتفق مع بعض آرائك دون الإشارة الجانب الآخر من القصة نوع من الدعاية الكاذبة والتصيد في الماء العكر. لا تكتب في توقيت سيء وتستخدم كلمات حساسة ثم “تستغرب” عندما أنكر عليك ذلك. التدوينة مليئة بالمغالطات ابتداءً بالعنوان والمقدمة اللذان يوحيان بأن الأمر مستجد وطارئ، وانتهاء بالتحول التدريجي من كلمة “الإساءة الشخصية” إلى “النقد الهادف للصالح العام”.
        أود التذكير أنني لم أبدِ في أي من تعليقاتي رأيي في هذه الأنظمة، إنما ينصب حديثي في أسلوب كتابتك.

      • إن كنت لا تدعي الإحاطة بنيتي فلا شيء يبرر قولك “فور قراءة بعض المسميات الوظيفية”. أعترف أني لا أعرف علاقة WWJD، لكن التساؤلات التي أطرحها ليس ساخرة بل لفهم نظرتك للأخلاق الذي تقول أن إلزام الجميع بها واجب.
        ونعم صدقت. أنا طبعا متحيز. متحيز لما رأه صحيحا. لست مطالبا أن أعرض كل وجهات النظر في هذه المدونة الشخصية، فالإنترنت ساحة رحبة لمن أراد البحث عن الآراء المختلفة. لكنك لم توفق في إدعائك أني تناولت “الإساءة الشخصية”، لأن النظام لم يقتصر أصلا على تقييد الإساءة الشخصية بل أي “تعرض” أو “مساس بالسمعة” وليس صعبا إلصاق هذه التهم بأي ناقد. أما عن قولك أن التعديلات لن تحدث تغييرا طارئًا فأدعوك أن تقرأها مجددا.
        ونعم أعرف أسلوبك. لم يسبق أن أتيت لتطرح وجهة نظر معينة بل تكتفي دائما بالنقد المبهم وتأويل الكلام مما يدفعني للتساؤل عمن يتصيد في الماء العكر. هذا النوع من التعليقات غير مقبول ولا يفيد النقاش.

  2. المشكلة يا أسامة أنه في موضوع الإنتخابات البلدية مثلاً في مواضيع أخرى يكررون التجربة ، والإصلاح بتأني ، بينما الحقيقة أننا في تراجع مستمر ، وهذا النظام مثال لذلك التراجع

    شكراً لك

  3. هذا القانون لا يعنيني .. و لن يساهم في أن أصمت عن ظلم أو مطالبة بحق ( عن نفسي أتكلم ) .. بهذا فلنبدأ .. لو تكلمنا كلنا كسرنا القانون الذي ينتهك كثيرا ما وقفت علينا في انتهاك هذا القانون الظالم الأشبه بلاصق على الأفواه !

  4. هل نقد الاخرين في اعمالهم اصبح جرما ؟؟
    عمرو بن الخطاب كان ينقده بعض الصحابه و حتي الاناس العاديين …
    اي شخص يعرف انه فوق مستوي النقد او المحاسبه فلا بد و ان يأتي يوم و يفعل الخطأ …

    رفع النقد و المحاسبه عن المسؤلين او عن اي شخص هو بمثابه تحفيز لقدرات الشر بداخله لكي تكبر و تترعرع و ايقاف لنوازع الخير او الخوف 🙁

    في مصر , سقط مبارك و من معه فقط لأنهم ظنوا انهم فوق مستوي المحاسبه و فوق القانون , علي الرغم من انهم تركوا النقد (كشئ تافه لا يهتموا له) للعامه ووصفوا كل من ينتقدهم بالجاهل !

    اتمني ان تلغي تلك التشريعات لأن فيها جرم كبير و خطئ ديني و دينوي و ايقاف لقانون من قوانين الحياه الطبيعية .

    كما انها ستغير سلوك المسؤلين للأسوأ , فمن كان منهم يتقي الشر او الفساد مخافه الناس او ان يتم التشهير به , لن يبقي علي حاله الان و سيفعل ما يريد و لا يخاف من شئ !!

    و ان ظن الملك انه قادر علي التحكم في كل المسؤلين و محاسبتهم جيدا فهو مخطئ , لا بد للشعب ان يشارك في ذلك لانه لن يستطيع فعله بمفرده !

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *