خمسة أسباب لأجلها أقول: أعطونا الإنترنت كاملة حرة!

مقدمة


يحي العالم كل عام في 12 مارس اليوم العالمي لمكافحة الرقابة الإلكترونية، وهو نشاط تدعو له منظمة مراسلون بلا حدود ليوحد فيه الناس صوتهم رافضين الاعتداء على حرية الإنترنت بأشكالها المختلفة كتعقب المستخدمين وحجب المواقع والاعتقال التعسفي للمدونين والمستخدمين.

سأتناول في هذه التدوينة الحجب تحديدا، ومع قدوم الربيع العربي أعطت تونس مثالا ممتازا بإصلاح هام (ذكرته في تقريري عن زيارتها) وهو إزالة الحجب لحماية حرية الإنترنت واستقلالها.

عندما نتحدث عن واقع الحجب في السعودية، نتحدث عن واقع مؤسف جدا تتولى فيه السلطات (ممثلة بهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات) دون معايير ولا مساءلة حجب ما تشاء إلى أجل غير مسمى وتترفع فيه عن الإجابة على استفسارات المواطنين وطلبات رفع الحجب (رغم أنها تدعي الإجابة على كل الطلبات خلال 48 ساعة!) من ضحايا الحجب مواقع حوار ونقاش ومواقع مشاركة ملفات وصفحات حقوقية وصفحات نشطاء سياسيين وحقوقيين على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض خدمات الأرشفة والترجمة المفيدة جدا.

المشاكل

تختلف الدول التي تطبق سياسة حجب في مدى تقدم أساليبها في ذلك (ولحسن الحظ الأسلوب المستخدم في السعودية متخلف جدا)؛ لكن في نفس الوقت تتفق أساليب الحجب أنها تتم بتمرير جميع بيانات الإنترنت المحلية عبر وسيط تشرفه عليه جهة مركزية (حكومية عادة) تقوم بالحجب آليا.

  • تهديد للحريات: الإنترنت فضاء مستقل ومنصة لا تخضع لسلطة أي حكومة وعليها تُكفل حريات ضرورية كحرية التعبير والصحافة والتجمع وذلك أعطى فرصة لإبداعات لا حدود لها وخلق أرضية يجتمع فوقها المضهدون والمظلومون ويتناقشون وينظمون أنفسهم حيث لا مكان آخر يسعهم. الحكومات أثبتت تعديها على أبسط الحقوق والحريات الإنسانية لما امتلك أدوات الحجب، وتزويرها يوم ترفع شعار حماية الأخلاق. لا أريد أن تقرر السلطات ما يمكنني قراءته في بيتي (أولا لأني حر في ذلك، وثانيا لأن ذلك طريق للاستبداد). ولا يحق لها أن تفرض معاييرها ونظرتها عن طريق الحجب الذي ينطبق على كل أفراد المجتمع على اختلاف أعمارهم وتوجهاتهم ومستوياتهم التعليمية. لا أريد أن تقرر حكومة الوثائق والصفحات التي يمكن أن أقرأها، ولا أظن أنك ترغب بذلك.
  • فشل الحجب في تحقيق أهدافه: سوء استغلال الحجب والحاجة الماسة إلى تخطيه في أحيان كثيرة (رغم أن ذلك غير قانوني في السعودية) نشر ثقافة “كسر الحجب”. يمكن أن أضمن لك: لا توجد وسيلة مثالية للحجب، وكل ما يمكن القيام به أن تجعل الوصول للمواد أطول بخطوة واحدة أو خطوتين، لا أكثر.
  • المشاكل التقنية والتكلفة: إدخال وسيط مركزي تمر من خلاله كل بيانات الإنترنت المحلية يسبب مشاكل تقنية تؤثر فعليا على أداء الإنترنت، وقد تسبب في حرمان الخدمة حال تعطل ذلك الوسيط. هذا طبعا عدى أن تكلفتها المرتفعة التي (كما في النقطة السابقة) لا تعود بفرق يذكر.
  • الخصوصية والسرية: لا يمكن أن يتم الحجب دون تنصت ومراقبة. يتم الحجب في السعودية حاليا بمراقبة عناوين الصفحات التي يزورها المستخدم والتأكد أنها ليست في القائمة السوداء وهذا يعني أن السلطات تراقب كل ما يزوره كل المستخدمين. لا يمكن فرض الحجب على الأدوات التي تحمي خصوصية المستخدم بإخفاء بيانات تصفحه وتعميتها (أي تشفيرها)، كبرنامج تور الذي يكثر أن يستخدمه النشطاء في كل أرجاء العالم أو شبكات VPN التي يكثر للشركات استخدامها لربط مختلف فروعها بأسلوب آمن. واجبنا أن نعزز وأن ندعم الأدوات التي تحمي الخصوصية، لا أن ندعم منعها لأن مزايا الآمان والخصوصية أهم بكثير من أي غرض يمكن أن يخدمه الحجب.

    ماذا تقرأ الآن؟

  • غياب الشفافية: في السعودية وغيرها من الدول، يتم الحجب دون أدنى شفافية. قد يدعون أنهم يقومون بذلك لكي لا يروجوا للمواقع، لكن ثبت للجميع أن غياب الشفافية يعني غياب المساءلة. جهد بسيط قمت به بأن جمعت قائمة بصفحات تويتر المحجوبة فتبين أن كلها صفحات لنشطاء سياسيين وحقوقيين. غياب الشفافية الذي يعتبره البعض من مستلزمات الحجب يساعد كثيرا على وقوع مثل هذه الانتهاكات.

الحلول

يتبين من الأسباب التي حاولت تبيينها أعلاه أن إخفاء المحتويات السيئة المنشورة على الإنترنت مَهَمّة لا ينبغي أبدا أن توكل للحكومة ولا لأي جهة مركزية أخرى، ليس لأن ذلك لا يحقق مراده أساسا فحسب بل أيضا لأن ذلك سيجلب معه تبعات باهضة على الحرية والأمان والخصوصية بالإضافة إلى المشاكل التقنية والتكلفة.

تتوفر حلول متنوعة لهذه المشكلة ليست الحكومة جزءًا منها. قد لا تكون تلك الحلول كاملة، لكنها على الأقل لا تجلب المشاكل التي تجلبها رقابة الحكومة. من أفضل الوسائل في نظري أن يُثبّت المستخدمون بأنفسهم وعلى حواسيبهم برمجيات حرة تستند لقوائم منشورة لحجب المواقع غير اللائقة. يمكن أيضا أن تُطوّر (إن لم تكن موجودة أصلا) برمجيات تعمل على الراوتر المنزلي لتقوم بالغرض ذاته. من الضروري أيضا نشر الوعي بضرر المواد غير اللائقة ومسؤولية الوالدين عن أطفالهم.

من الضروري في النهاية أن نعي أن الإنترنت تجلب قليلا من المساوئ التي لم تتوصل البشرية لحل معقول لها إلى اليوم، لكن ذلك مقابل زهيد لكل الحريات والخدمات التي نكسبها من ذلك الفضاء الخلاق. يجب ألا نعبث ببنية الإنترنت وأن ندافع عن حرياتنا فيها كمستخدمين ومدونين.

عن ندوة شبكات التواصل الاجتماعي

حضرت مساء أمس الجمعة ندوة أقيمت على هامش معرض الكتاب عن شبكات التواصل الاجتماعي وصناعة الرأي العام شارك فيها عميد المدونين السعوديين فؤاد الفرحان وطراد الأسمري صاحب مدونة حلم أخضر وريم السعوي صاحبة مدونة ساعي بريق وأدارت الندوة المذيعة في القناة السعودية نشوى السكري.

كانت إطلالة فؤاد في الندوة تستحق كل احترام؛ فرغم ضيق الوقت وتعدد الضيوف ومداخلات الحضور الكثيرة، تألق فؤاد في كل مداخلة أتيحت له فعبّر عن صوت المدونين وشرح مواقفه بمنطقية واتزان وتمسك بآرائه الإصلاحية المتميزة.

كتبت على تويتر شيئا مما دار في الندوة (هنا وهنا وهنا مثلا)، وسأكتب في هذه التدوينة بمزيد من التفصيل ما ذكره فؤاد في مداخلاته تقديرا لمواقفه ولأن التدوين يظل أفضل وسيلة للتوثيق.

فؤاد الفرحان في الندوة

ابتدأت الندوة بحديث فؤاد عن أسس تشكل الوعي بأنه يبدأ ببيانات مجردة تتحول لمعلومات مفيدة إن كان قارؤها مطلعا وملما بأسس موضوعها ثم إلى معرفة إن تنوعت وجُمِعت لكنه أشار إلى أن الخطوة الرابعة وهي الخبرة غائبة عن الواقع السعودي لغياب المجتمع المدني الذي يعطي الناس حرية استثمار معارفهم في خلق تجارب واقعية وعلى الأرض تكسبهم تلك الخبرة.

في موضع آخر وبعد أن أسهب الضيوف الآخرون والحضور في الحديث عن الرأي العام وصناعته، علق فؤاد أن الرأي العام في السعودية غير مؤثر أساسا وأن السعودية في حاجة ماسة لإصلاح سياسي يعيد للرأي العام اعتباره. كما أكد فؤاد أننا نمر بمرحلة التوعية السياسية وأن ثقافة المطالبة بالحقوق بسلمية وحضارية يجب أن تُعمّم.

ليس من المعقول أن نظل نحن وبروناي الدولتين الوحيدتين اللتين لا تُقرّان الانتخابات البرلمانية.

صفقت القاعة لفؤاد، على مطلبه الإصلاحي هذا. 🙂

وفي إجابته لسؤال مديرة الندوة عن رأيه في قانون النشر الإلكتروني، أكد فؤاد رفضه التام لمثل هذا القانون، وأنه ضد الوصاية من الألف للياء أصلا. شرح فؤاد أن محاولة التستر على عيوب المجتمع بالكتم لا تجدي لأن ما يخرج عبر الشبكات الاجتماعية ليس إلا واقع مجتمعنا، وأن علينا معالجة المشكلة بشكل أعمق كأن نسائل التعليم والخطاب الديني.

قانون النشر الإلكتروني يخالف مسيرة الحياة وكأننا نريد عكس اتجاه دوران الأرض!

لما انتقل الحديث لاستخدام المعرفات الوهمية والحقيقية أشار البعض (ولو من بعيد) إلى أن القمع الذي تمارسه السلطات هو ما يدفع الناس إلى الخوف من التعبير عن آرائهم وهنا انقلت المذيعة إلى فؤاد بصفته شاهدا حيا على اعتقال المدونين (يوم اعتقل في ديسمبر 2007) فرفض فؤاد في لفتة غاية في الجمال والتواضع أن يكون موضع الاهتمام، وسلط الضوء على قضية الحقوقي محمد البجادي (المعتقل منذ عام تقريبا).

أعتقد أن الموضوع الأولى في الطرح هو موضوع أخونا محمد البجادي. محمد البجادي قدوة الشباب ورمز نعتز به جميعا نحييه من هنا نذكره بكل خير ونسأل الله له الفرج.

لما انتقل الحديث إلى إمكانية إيجاد مؤسسة تدعم حرية المدونين وتحميهم، علق فؤاد أن ذلك مستحيل في ظل تجميد قانون المؤسسات المدنية منذ ثلاث سنوات في مجلس الشورى، كما أكد أن وجودها تحت مظلة حكومية لا يقدم الحماية المطلوبة وأوضح أن الضمانة الوحيدة للمدون أن يحتوي بطرحه أكبر شريحة ممكنة من المجتمع، فبضغط هؤلاء وتأيديهم أكبر حماية.

فيما يتعلق بالاحتقان الذي تشهده الساحة السعودية والملاحظ كثيرا على الشبكات الاجتماعية، علّق فؤاد أن الاحتقان طبيعي جدا في كل المجتمعات، لكن غير الطبيعي أن يستمر ويتراكم وأن الفرق بيننا وبقية المجتمعات أن المجتمع المدني هناك بأدواته (كالانتخابات) يحسم القضايا ويفرغ الاحتقان.

مثّل فؤاد رأيي فيما تناول من قضايا، ولحظت توافقا بين الحضور (ولا سيما المدونين والمغردين منهم) على ما طرح.

لا يسعني إلا أن أقول #شكرا_فؤاد_الفرحان.