بيان طلائع النفاذ المفتوح

أرُن سوارتز مطور ماهر وناشط فذّ قضى شبابه بين إنجاز وآخر: من تطوير آرإس​إس إلى المساهمة في ويكيبيديا إلى دعم المشاع الإبداعي تقنيا إلى تأسيس ردإت إلى المساهمة في أرشيف الإنترنت كان يسعى دوما لتحرير المعارف من شر الاحتكار وإتاحة النفاذ لها لأكبر عدد ممكن من الناس. حضر سوارتز مؤتمرا في إيطاليا في 2008 لحركة النفاذ المفتوح وعلى هامش المؤتمر نشر البيان المهم التالي. تعرض أرن لملاحقة الحكومة الأمريكية التي اتهمته بتهم تصل عقوبتها للسجن لأكثر من ثلاثين سنة. لم يحتمل أرن ذلك فانتحر في 11 يناير 2013. لمعرفة المزيد عن ملابسات قضيته استمعوا لهذه الحلقة الممتازة من راديو هند.

المعلومات قوة، وككل قوة ثمة من يريد الاستئثار بها لنفسه. إن الميراث العلمي والثقافي للعالم أجمع -الذي نُشر طوال القرون الماضية عبر الكتب والمجلات- ترقمنه بضع شركات خاصة وتحجره. هل تريد أن تقرأ بحوثا عن أشهر النتائج العلمية؟ يجب عليك أن تعطي أموالا طائلة لناشرين من أمثال ريد إلسيفر.

ثمة من يكافح ليغير هذا الأمر. كافحت حركة النفاذ المفتوح بشدة لتضمن أن العلماء لا يتنازلون عن حقوق النشر [لأولئك الناشرين] وأن تُنشر أعمالهم على الإنترنت ببنود تسمح للجميع بالنفاذ إليها؛ لكن حتى في أفضل الحالات سينطبق جهدهم فقط على ما سينشر في المستقبل. أما كل ما نشر سابقا فقد ضاع.

هذا ثمن باهض جدا. هل نجبر الأكاديميين على دفع المال ليقرؤوا أعمال أقرانهم؟ هل [نرقمن] مكتبات كاملة ثم لا نسمح إلا لموظفي غوغل بقراءتها؟ هل نوفر المقالات العلمية للجامعات النخبوية في العالم الأول ونمنعها عن الأطفال في جنوب العالم؟ هذا جنون غير مقبول.

سيقول كثيرون: “أتفق معك، لكن ما الذي يمكننا فعله؟ الشركات تتصرف بحقوق النشر وتجني أموالا طائلة من رسوم النفاذ وهذا قانوني تماما — لا يمكننا فعل شيء لنوقفهم”. بل ثمة شيء يمكننا القيام به، شيء يتم الآن: أن نحاربهم.

إلى من عنده نفاذ لتلك الموارد -سواءً كنتم طلابا أو أمناء مكتبات أو علماء: أنتم في نعمة. تنهلون من مائدة المعرفة التي حرم منها بقية العالم، لكن لستم مضطرين -ولا يحق لكم أصلا- أن تستأثروا بهذه النعمة. أمامكم واجب يحتم أن تتشاركوها مع العالم. يمكنكم أيضا أن تعطوا كلماتكم السرية لزملائكم أو تنزلوا [الأبحاث] لهم إذا طلبوا ذلك.

في ذات الوقت [أنتم أيها] المحرومون لم ترضوا أن تبقوا مكتوفي الأيدي. تبحثون عن الثغرات وتقفزون الحواجز لتحرروا المعلومات التي احتكرها الناشرون وتتشاركونها مع أصدقائكم.

لكن كل هذا يتم في الخفاء سرا ويسمونه سرقة أو قرصنة، كما لو كان تشارك كنز المعرفة يكافئ أخلاقيا الاستيلاء على السفن وقتل طاقمها؛ لكن النسخ ليس عيبا بل هو واجب أخلاقي. لا يمنع صديقَه من النسخ إلا من أعمى الطمع قلبه.

الشركات الضخمة طبعا أعماها الطمع، فالقانون الذي تسير عليه يتطلب ذلك ومساهموها سيثورون إذا لم تكن طماعة بدرجة كافية؛ كما رشت تلك الشركات السياسيين ليمرروا قوانين تمنحهم وحدهم سلطة يقررون بها من بإمكانه النسخ.

ليس من العدل اتباع القوانين الظالمة. حان وقت الظهور للعلن وأن نسير نحو العصيان المدني بأن نعلن معارضتنا للسرقة الخاصة للثقافة العامة.

يجب أن نأخذ المعلومات أينما خُزّنت فننسخها ونتشاركها مع العالم. يجب أن نأخذ المواد التي ليس لها حقوق نشر ونرفعها للأرشيف وأن نشتري قواعد البيانات السرية وننشرها على الوب وأن ننزل المجلات العلمية ثم نرفعها إلى شبكات تشارك الملفات. يجب أن نكافح كفاح طلائع النفاذ المفتوح.

إذا كان عددنا كافيا في شتى أنحاء العالم فلن نتمكن من إرسال رسالة قوية رافضين خصخصة المعرفة فحسب، بل سنجعل الخصصة جزءًا من الماضي. فهل ستنضم لنا؟

آرُن سوارتز

يوليو 2008. إريميو، إيطاليا

لا البيان الأصلي، ولا ترجمته يخضعان لحقوق النشر بل هما في الملكية العامة: انسخ كما تشاء، نقح كما تشاء.

15 تعليق

  1. مثالية آرن تستحق الإعجاب حقاً
    أهنئه على روحه الثورية ونفس الحرية الذي يحاول جاهداً أن يستنشقه بلا ملوثات.
    لكن أين الواقعية من بيانه وما مدى قابلية تطبيق ما ذكر؟
    مثل هذا الطرح لا أظن أنه سيكتسب تأييداً عارماً برأيي.
    لا أدري إن كنت توافقني أم لا؟ 

    • ليس عندي اطلاع كافِ بمقدار التقدم في هذا الشأن، لكن هذا مثلا ملف ضخم حرّره إلى الأبد أحد أنصار آرن. آرن كان طموحا فعلا، وكثير من أصدقائه كتبوا بعد وفاته أنهم يتمنون أنهم كانوا بمقدار طموحه لكي لا يشعر بالخذلان.
      رغم ذلك كله، فالمستقبل ليس واضحا. ما يميز العالم الرقمي أنه لو حُطِّمت الحواجز مرة واحدة ولمدة قصيرة ونُسخ ما وراءها فسيُحرر للأبد. ثمة وسائل لا تزال بعيدة جدا عن سيطرة الحكومات والشركات كالتورنت.
      من ناحية تنظيرية سياسية فرغم أن كثيرين لا يذعنون لقوانين حقوق نشر إلا أننا في زمن الآلة الإعلامية المضللة والمتعة الآنية، فالتفكير في المستقبل وتقليب الأمور من جوانبها المختلفة لم يعد مهمة تلقائية، وفي نفس الوقت نشر الوعي صار يتطلب جهدا مضنيا ولا سيما عندما يكون الخصم عصابة من المتنفذين ذوي دوغمائية فجة حجتهم: “أنتم لصوص، أنتم قراصنة”.

  2. لا شك أنها بحاجة لوقت طويل حتى يُرفع مستوى الوعي لدى الناس ، وأظن أن عامل الحاجة سيقلص هذا الوقت .
    ولكن في الجانب الآخر ، ألا يستحق هؤلاء الذين كرسوا حياتهم ودرة أوقاتهم لنشر بحوث في مجالات عدة أن نحفظ لهم جهدهم ولا يسرقها أو ينتحلها (كما تحب أن تسميها) غيرهم ، أو على الأقل أليس لهم الحق في تحديد مصير ما عملوا، مع تحفظي على الاستغلال التجاري من قبل بعض الشركات، ألا توجد نقطة في المنتصف بين هذا وذاك؟
    بصراحة وواقعية لا أظن أن الباحث سيبحث ( إلا ما ندر) طالما أنه يجني ثمرةٓ عمله، فأين دور الإعلام المضلل هنا برأيك؟

    • هم يستحقون حتما التمويل، وكثير منهم أصلا يتلقى تمويلا عموميا، لكن حتى الذين لا يتلقون تمويلا عموميا لا علاقة لما يجري هنا بتمويلهم لأن المجلات لا تمولهم أساسا بل يتنازلون لها عن حقوق النشر بلا مقابل سوى أن تظهر بحوثهم في تلك المجلات العريقة. طبعا قبل أن تظهر المقالات في المجلات تحتاج مراجعة وتقييما، ولذلك ترسلها المجلات لباحثين آخرين ليراجعوها -وصدق أو لا تصدق- حتى هؤلاء لا يُدفع لهم شيء!
      من الضروري للغاية أيضا عدم الخلط بين تمويل الباحثين وبين منح أي جهة -حتى الباحث نفسه- سلطة تملك المعرفة. الأولى مبررة تماما، لكن الثانية ليست كذلك أبدا. يجب أن تمول الأبحاث لكن هذا لا يتعارض أبدا مع أن تتاح نتائجها للناس أجمعين دون أن يدعي تملكها أحد.

  3. إذن لابد أن نطالب بالتمويل قبل أن نطالب بإزالة حقوق النشر، أما في حالة انعدام التمويل فالوسيلة الوحيدة هي عوائد البحث أو الكتاب أو الفكرة بشكل عام.
    وليس لدي معلومات دقيقة(بإمكانك تصحيح المعلومة) عن قضية تنازل الباحث للمجلة ، لكن حسب ما أعلم من واقعنا المحلي أن الباحث أو الكاتب بالخيار إن شاء تنازل عن حقوقه للناشر بمبلغه وقدره أو تشارك مع الناشر عوائدها. ولولاها لبارت دور النشر( على افتراض أنك متصالح مع دور النشر)  

    • كنت أتحدث عن المجلات العلمية تحديدا، أما دور نشر الكتب فواقعها مختلف وأكثر تعقيدا فهي فعلا تدفع للمؤلف كما ذكرتَ وهي لا تتكسب من حبس المعرفة (فقط) بل للكتب الورقية جمهور أيضا.
      نقاش الاستراتيجات وترتيب الخطوات فيه مجال واسع للاختلاف. 🙂 شخصيا أرى -كما يرى آرُن- أن تسخير التقنية لنشر المعرفة على أوسع نطاق ولخدمة عموم الناس وسيلة مشروعة، ويمكن أن تعتبر وسيلة ضغط اقتصادية لإجبار التجار على إيجاد طرق أخرى للتكسب لا تتعارض الواقع التقني الجديد.

  4. بالتأكيد وسيلة مشروعة ، لكن حتى لا تفقدها لابد أن تمولها سواء كان عمومياً كما تفضلت أو بطرق أخرى. وأظنك ارتكبت نفس خطأ آرن بمحاولة صنع عالم مثالي دون الاعتراف بحقائق الواقع

    • توجد مقترحات قوية ومفصلة لكيفية تمويل الأعمال وهذه أحدها مثلا واسمه “قسيمة الحرية الفنية” وهو منشور منذ عشر سنوات (2003!) وضع مؤلفها -وهو أحد باحثي MIT- تصورا لكيف يمكن التخلص من الاحتكار وتوفير أموال طائلة مع ترك الحرية للناس ليدعموا ما يرونه يلبي رغباتهم من فنون. تشارك الملفات في وقتنا الراهن وسيلة لفرض الواقع قد تدفع الساسة والتجار للالتفات لمقترحات كهذه.
      عموما ما كان يفعله آرُن كان متركزا على تحرير المجلات العلمية التي لا يعتمد عليها الباحثون في تمويل أبحاثهم.

      • قد تكون هذه الفكرة فقط لتمويل البحث أو المادة الصوتية ولا تتحدث عن انتفاع صاحبها منها، ولو تأملنا الواقع لوجدنا الكثير لا يطمع بتمويل عمله فقط بل يتجاوز ذلك إلى الاستفادة من عوائده ، مثال ذلك ألبومات الموسيقيين والكتب المتسلسة.
        ما زال سؤالي مطروحاً، هل توجد نقطة وسط بحيث لا نهضم حقوق الباحث أو صاحب الفكرة أيا كان ونتخلص من استغلال بعض الشركات في نفس الوقت؟
        أعلم أن نقاشنا هذا خارج ما تحدث عن آرن ولكن هو مرتبط بطريقة أو بأخرى.

      • نعم. مؤسس حركة البرمجيات الحرة ريتشارد ستولمن عنده مقترح آخر مفصل وهو نفس المقترح الذي يطرح حزب القراصة. باختصار: اسمحوا فورا بأي استخدام غير تجاري -ومن ذلك التشارك على الإنترنت- وامنحوا المؤلف احتكارا مؤقتا -لعشر سنوات مثلا- على الاستخدام التجاري -ومن ذلك مثلا طباعة الكتب الورقية والحفلات الغنائية وغير ذلك من أساليب التكسب التي سيبتكرونها إن كانوا حريصين على ذلك.
        ما يجمع بين كل هذه المقترحات فكرتين بسيطتين: يجب أن يتاح للمجتمع الاستفادة القصوى من التقنية المتاحة لنشر الثقافة والعلوم تعاونيا، وأن مهمة التأقلم مع الواقع الجديد يجب أن تكون على التجار لا أن يُروّض المجتمع بأسره لتبقى نفس أساليب التكسب القديمة.

      • وماذا عن حقوق المؤلف فيما يتعلق بنسبة عمله له و حفظ عمله من التعديل ، ألم يكن لهذا مكان في اقتراح ريتشارد؟

      • نِسبة العمل لمؤلفه لا علاقة مباشرة لها بالمشاكل المطروحة هنا فهي لا تقيد استفادة المجتمع وغيابها انتحال وكذب. سبق أن سمعت مؤسس حزب القراصنة وهو يؤكد ذلك، ووفقا لفهمي لآراء ريتشارد فهو كذلك أيضا.
        بالنسبة للنقطة الثانية فعند ريتشارد تفصيل في ذلك فهو يقسم الأعمال لصنفين: ما له غرض أداتي وظيفي -كالبرمجيات والمصادر التعليمية ووصفات الطبخ- فالقدرة على تعديلها ضرورة اجتماعية لأنها مرتبطة بأداء وظيفة ما ويجب أن يملك الناس حق تعديل تلك الوظيفة وفقا لما يتلائم مع احتياجاتهم ورغباتهم. الصنف الثاني تدخل فيه مقالات الرأي والمذكرات الشخصية وتعديل تلك الأعمال ليس ضرورة اجتماعية لعدم ارتباطها بوظيفة معينة وقد يدخل عند تعديلها التدليس، ولذا فكل البرمجيات والكتب التعليمية التي يكتبها ريتشارد متاحة للجميع وفقا لبنود تجيز تعديلها أما موقعه الشخصي ومقالات الرأي التي يكتبها في الصحف العالمية فنشرها مُجاز دون قيود أما تعديلها فيتطلب إذنا.
        شخصيا أرى أنه حتى الصنف الثاني ثمة تعديلات مفيدة اجتماعيا للغاية كالترجمة التطوعية ولا أرى مبررا لتقييدها بإذن. يمكن طبعا أن يطالب المترجم بالنص صراحة على أن هذه الترجمة مستقلة وأن الكاتب مسؤول عن النص الأصلي فقط مثلا… لكن عموما هذه نقطة ثانوية جدا ونقاشها في هذه المرحلة قد يكون ترفا. 😀

  5. هم يسعون بشكل حثيث للمال ، هذه نظرة أولية بسيطة قد توضح جانب بسيط.. و لكن هم يسعون للسيطرة كما يبدو و هذا أكثر بكثير لدرجة لا يمكن تخيل آثارها اللاحقة ، نعم يجب أن تكون هناك حرب فعلا.. لكن ماذا لو استسلم الجميع !!؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *