مشروعٌ للصيف: حرّر طفلا

مقدمة

تقتلني تلك الأجهزة المشعة التي تأخذ أجيالا من البشر إلى فضاءات افتراضية يتجردون فيها من حقوقهم وتقنّن فيها رغباتهم واختيارتهم بما يوافق غايات تربّحية قاصرة. ما أن يمسك الشخص جهازا معيبًا مثل آيباد حتى يتجرد من حرياته، وواحدة من أهم تلك الحريات: حرية أن يعدّل جهازه، وأن يُجرّب البرمجة.

حتى يُسمح لك بالبرمجة بنشر برامجك على آيباد مثلا يجب أن تدفع لأبل 99 دولارًا سنويًا، وأن تزوّدها باسمك وعنوانك وأن توافق على قائمة طويلة من الشروط التي تجعل كل ما تكتب حلالا لأبل. هذه الشروط (التعجيزية، لكثيرين، والمُنفّرة لآخرين) استحدثتها أبل. لم يحتج سيء الذكر ستيف جوبز أن يفي بشروط كهذه حتى يُجرّب ويكتشف مهاراته البرمجية حين تعرّف على الحاسوب في السبعينيات. لكن أبل قررت أن تُفرَض تلك العقبات، لأن مصلحتها تقتضي ذلك.

هذه العقبات لا تفرض على شخص أو شخصين أو مدينة أو مدينتين، بل على أكثر من 400 مليون جهاز وعلى مستخدميها، لكن في عالمنا اليوم لن تُطرَح أسئلة مثل: من سمح لهذه السياسات الحسّاسة أن تُعتمد، وأين نوقشت، وأين صوّت عليها الناس؟ ما يحصل أن آلة تضليلة ضخمة تستخدمها تلك الشركات لتقلب التقنية رأسًا على عقب ولتُحكِم تغولها وسيطرتها على أجيال متعاقبة معتمدة على خيارات لا واعية، ورغبات مُضلّلة.

البرمجة ليست ترفًا، إلا إذا كانت الكتابة كذلك، فالبرمجة ليست إلا كتابة يفهمها الحاسوب. تخيّل لو تمكنت من أن تأمر حاسوبك بما تشاء! أن تفهم البرمجة يعني أيضا أن تنمي ملكات كامنة تنقلك من مقعد المستهلك السلبي إلى مقعد المُنتِج المبدع، وأن تستوعب مهارات حل المشاكل وأن توسّع أفقك وخيالك، وأن تجد متعة في ذلك لا تقل عن متعة إسقاط الخنازير.

فهم البرمجة علاوة على ذلك كله يضيف بعدا مهما يساعد على استيعاب أعمق للقضايا التقنية. حين يُطلب منك مثلا التنازل عن كل بياناتك الخاصة مقابل خدمة بسيطة، سيسهل على من تعلّم أسس البرمجة أن يشكّك في أهمية ذلك، وأن يعي أن التقنية يمكن أن تُطوّر بما لا ينتهك حريات الناس وخصوصياتهم، لو قرّر المطورون ذلك. سيصعب على من لا يعرف كيف تعمل أن يتنبّه لذلك.

حل

قبل ست سنوات بدأ مجموعة من باحثي معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) مشروعًا حُرًا لتبسيط البرمجة للأطفال سمّوه سكراتش. يعتمد المشروع على رسومات مبسطة وعلى السحب والإلقاء لإنتاج ألعاب وأفلام كرتونية يتعلم خلالها الأطفال بسلاسة ذات الأسس التي تعتمد عليها أضخم البرامج: العبارات الشرطية، وعبارات التكرار، والمتغيّرات وسوى ذلك.

واجهة سكراتش الابتدائية (يتوفر بالعربية أيضا)

واجهة سكراتش الابتدائية (يتوفر بالعربية أيضا)

تشكّل حول المشروع أيضا مجتمع ضخم من أكثر من مليون طفل يرفعون الألعاب وأفلام الكرتون التي صمّموها، بدون قيود نشر اعتباطية فيتيح الموقع للجميع الاطلاع على الأوامر البرمجية خلف كل لعبة وفيلم، بحيث يمكن للأطفال أن يتعلموا مما أنتجه أقرانهم وأن يأخذوه ويُحسنوه في جو من التعاون الأخّاذ الذي ليس غريبا على مجتمع البرمجيات الحرة العظيم. 🙂

واجهة المشروع في غاية السهولة، وتوجد تعليمات مُضمّنة فيها تساعد على التقدم. توجد أيضا مقاطع تعليمية كثيرة على يوتيوب.

(سبق أن دوّنت عن بحث أجري على مشروع سكراتش وتعامل الأطفال معه وعُرِضت نتائجه في مؤتمر ويكيميانيا 2012)

المشروع

مؤخرا بُليت أختي الصغيرة غادة بآيباد. سأجعل تعريفها على سكراتش ومساعدتها على تصميم الألعاب فيه مشروعًا لي في هذا الصيف. لا ينبغي أن يُقفل أمام غادة -وعمرها 9 سنوات- باب واسع جدا من أبواب الإبداع لمجرد أن شركة ما تسعى جاهدة لتخليق تصرفاتها وإجبارها على الاستهلاكية.

سأكتب لاحقا عن التجربة. لا أثق صراحة بقدراتي التعليمية، لكن الأمر يستحق التجربة حتما. 🙂