عن ويكيمانيا 2013

أختتم الأسبوع الماضي مؤتمر ويكيمانيا 2013 وهو المؤتمر السنوي لحركة ويكيميديا الذي تعرض فيه أبحاث وتروى فيه تجارب وتعقد فيه ورش عمل وعصف ذهني عن نشر المعرفة الحرة عبر ويكيبيديا ومشاريعها الشقيقة. هذه الدورة الثالثة من ويكيمانيا التي أتمكن من حضورها بعد عام 2010 في غداسنك وعام 2012 في واشنطن. حضر هذه المرة من العرب تسعة: أحمد وآية وعبد الناصر (من برنامج ويكيبيديا لتعليم في مصر) ورشاد (شاب يهمه رفع الوعي التقني في المجتمع اليمني) ورڤان وزكريا وعبّاد ومحمد عودة (المساهمون المخضرمون في ويكيبيديا). عُقِدت هذه المرة -ولأول مرة- جلسات قدمها مساهمون عرب وجلسات عن ويكيبيديا العربية خصّصتُ لها قسمًا في آخر هذه التدوينة، قبل الخاتمة.

الافتتاح

أفتتح المؤتمر بعرض تنانين صينية ظريفة وبفرقة غنائية أدمت أذاننا بصخبها وأيقظتنا في ذات الوقت. :p تلى ذلك كلمة قصيرة لرئيس وحدة المعلومات في حكومة هونغ كونغ الذي تحدث عن أن نسبة الوصول للإنترنت في هونغ كونغ 280% (بحكم امتلاك كثيرين أكثر من جهاز محمول متصل بالإنترنت) وبأن معدل سرعتها 57 ميغابت/ثانية وذلك هو الأسرع عالميا، لكنه كمسؤول حكومي كان -كما هو المتوقع- متطفلا عن المجتمع إذ بدأ بتحية شخصية لمؤسس ويكيبيديا جيمي ويلز -وهو ما لا ينبغي فعله في مؤتمر مجتمعي- وبتعريف بموسوعة ويكيبيديا -في مؤتمر يفترض أن من فيه خبراء بدقائق الموسوعة وكواليسها- ثم افتخر بأن هيرتج فاونديشن (وهي ذراع فكري لليمين المحافظ الأمريكي) اعتبرت هونغ كونغ أكثر بلد يمنح الحرية للشركات.

التنانين ترحّب بالويكيبيديين (CC BY-SA 3.0)

بعد ذلك ألقى الكلمة الرئيسية لليوم الأول من المؤتمر ماكوتو أوماكوتو وهو باحث ياباني تحدث عن مشروع saveMLAK، وهو موقع تعاوني يعمل بتقنية الويكي أطلقه في اليوم التالي للزلزال الذي ضرب اليابان في 11 مارس 2011 ليوثّق المكتبات والمتاحف والأراشيف وغيرها من المؤسسات الثقافية التي تضررت من الزلزال ليتمكن الناس من حصر الخسائر ويتعاونوا على ترميمها. تمكنوا من توثيق 934 مؤسسة متضررة ولعب الموقع دور الوسيط في جمع المال لبناء عدة مكتبات عامة.

بعد ذلك ألقى جيمي ويلز كلمته السنوية “حالة الويكي”، وابتدأها بالحديث عن أنه لأول مرة خلال سنة واحدة كسرت 4 ويكيبيديات حاجز المليون مقالة وهي: الروسية والإيطالية والإسبانية والسويدية (الأخيرة استخدمت برنامجًا آليًا لتوليد مئات آلاف المقالات عن قرى ومدن)، كما انتقد الصين وإصرارها على رقابة ويكيبيديا وحجب بعض مقالاتها لأن ذلك يقيّد الصينيين ويحرمهم من “حق الاشتراك في رواية القصة الإنسانية”، وأن ذلك حق يعلو على السلطات ويجب أن تحترمه. بعد ذلك حيّى مساهمي ويكيبيديا الفرنسية الذين تصدوا للمخابرات الفرنسية التي طالبتهم بحذف مقالة عن برج عسكري فرنسي بحجة أنها تشي بمعلومات سرية (رغم أن المقالة استندت عن مصادر منشورة مسبقا)، وأعلن أن جائزته السنوية (“ويكيبيديّ السنة” الذي يُمنح 5000$) ستذهب للإداري الفرنسي الذي استدعي وُهدّد. تسبّبت المخابرات الفرنسية بضجة حول المقالة وترجمة لأكثر من 28 لغة (منها العربية طبعا!) أثنى أيضا على عميل وكالة الأمن القومي الأمريكية إدورد سنودن الذي وشى بعدة عمليات تجسس تقوم بها الحكومة الأمريكية لكنه استعرض الأسلوب الذي تعاطى الإعلام معه خبره وتركيزه على حياته الشخصية وأن حبيبته راقصة جميلة بدلا من التركيز على أن الحكومة تعتدي على ملايين المواطنين وذكر أنه يبحث إطلاق مشروع إعلامي بديل يجعل للقراء رقابة حقيقة على الصحفيين ومكانة تكافئهم في تقرير ما الأخبار المهمة إن لم تكن مكانة تعلو عليهم، لكنه أكد على أن المشروع لا يزال فكرة وأنه سيسعد بلتقي أي مرئيات عن الأسلوب الأمثل لخلق هذه الوسيلة الإعلامية المجتمعية. اختتم الكلمة بعرض مقطع فيديو يشكر فيه المديرة التنفيذية لمؤسسة ويكيميديا التي ستغادر المؤسسة خلال السنة القادمة.

الأبحاث

في كل سنة يلقي بنجامين ميكو هِل (وهو ناشط معروف في مجتمعي البرمجيات الحرة والثقافة الحرة) كلمة يستعرض فيها الأبحاث التي أجريت على ويكيبيديا. أجري السنة الفائتة حوالي 800 بحث على ويكيبيديا ومشاريعها الشقيقة واختار منها 6 أبحاث. البحث الأول أجراه باحث متخصص في تأريخ الموسوعات ودراسة نشأتها وحدّد ثلاثة مراحل تُتّبع تاريخيا لكتابة كل موسوعة: 1) البحث عن المعلومات، 2) تجميع المعلومات، 3) صياغتها جماعيا. رأى الباحث أن موسوعة ويكيبيديا لا تعتبر قفزة على هذا السياق التاريخي. البحث الثاني أجراه باحث لغوي تمكن من إنتاج شبكة ضخمة تربط الكلمات بمرادفاتها وأضدادها اعتمادًا على مشروع ويكاموس الشقيق لويكيبيديا، وهذا -حسب ما أتصور- مهم جدا للذكاء الصناعي. الجيد في الموضوع أن الباحث أطلق الأداة التي طوّرها برخصة حرة ليتمكن الجميع من الاستفادة منها وتوليد الشبكة كلما تطوّر القاموس. البحث الثالث عن جودة ويكيبيديا، وأشار ميكو إلى أن الأبحاث التي تتناول هذا الجانب لا تنال اهتمام الويكيبيديين رغم إمكانية التعاون مع الباحثين في تصحيح الأخطاء التي يجدونها. البحث الرابع عن صفحات النقاش وعلاقة القراء بها إذ وجد البحث أن القراء عادة لا يعرفون أن صفحات النقاش موجودة أصلا، وأنهم إذا عرفوا أنها موجودة يُقيّمون المقالات تقييما أقل من تقييمها قبل أن يكتشفوها لكن نظرتهم لويكيبيديا تتحسن (أتصور لأن صفحات النقاش تستعرض جوانبًا خلافية قد يكون القراء قد سهوا عنها، لكنهم أيضا يستوعبون أن خلف ويكيبيديا مجتمع نشط من المحررين الجادين الذين يسعون لتحسين مقالاتها). البحث الخامس اعتمد على المنهجية التي يتبعها باحثو النصوص في تحليل الكتابات التي يشترك في تأليفها عدة أشخاص لتحديد الأجزاء التي كتبها كل شخص اعتمادا على تنوّع أنماط التأليف. غاية البحث إيجاد وسيلة آلية لاكتشاف “دمى الجورب” (وهي حسابات عدة يديرها شخص واحد لخلق تأييد وهمي للتأثير على مجرى النقاش). توصّل الباحثون إلى طريقة آلية مكّنتهم من اكتشاف 80% من حالات دمى الجورب آليا. البحث السادس تناول الملاحظات التي يتبادلها الويكيبيديون وأثرها على الناس. خلص البحث إلى أن الويكيبيديين القدامى لا تؤثر عليهم الملاحظات بعكس الجدد (نسيت حقيقة نوع التأثير :))

بعد كلمة بنجامين تحدث ويكيبيديان من السويد عن استطلاع أجرياه على أعضاء البرلمان السويدي للتعرف على نظرة المؤسسة التشريعية لويكيبيديا. شارك 98 عضوا من أصل 349 لكن الباحثين أشارا إلى أن الذين شاركوا في الاستطلاع هو غالبا المتعاطفين مع الموسوعة وهذا قد يسبب تحيّزا في البحث. نوّه الباحثان أيضا إلى أن تمثيل الذكور في البرلمان السويدي أعلى، لكن تبيّن أن نسبتهم 53% فقط. سألت أحد الباحثين عن التفاوت في التعاطي مع الموسوعة بين الأحزاب اليمينية واليسارية للموسوعة فقال أن اليسار أكثر تعاطفًا معها (حزب الخضر مثلا). إجراء هذا البحث في السعودية سيكون أسهل لأن “المؤسسة” التشريعية يسيطر عليها شخص واحد. 😀

بعد ذلك حضرت كلمة أخرى لبنجامين ميكو هِل استعرض فيها مع آرون شاو بحثا أجرياه عن “بيئة الويكيات” حيث حللا بيانات حصلوا عليها من موقع ويكيا (وهو موقع ضخم يستضيف مواقع الويكي) ليقارنوا علاقة حجم الويكي بالمساواة بين مساهميها، وتنافسها على أوقات المحررين وجهودهم. لا تزال أطروحتهما في طور البحث، ولا تزال النتيجة التي خلصا لها ليست واضحة.

استراحة قهوة في المؤتمر (CC BY-SA 3.0)

بعدها استعرض باحث من جامعة ستانفورد بحثًا أجراه عن القيود التي نشأت في ويكيبيديا وعنون لكلمته بـ”الأخ الأكبر يراقبنا“. تحدث عن أن الطبقية والتراتبية (كوجود حكام ومحكومين) ليست هي الوسيلة الوحيدة للقهر في المجتمعات بل يمكن أن ينتج القهر بين الأنداد، وأن تراكم السياسات وإرشادات التحرير يخلق “عصابة” متمكنة تجد لكل رأي لها سندًا في السياسات. تحدث أيضا عن أن المساواة في ويكيبيديا ليست تامّة فمثلا في حين يساهم المجهولون بربع محتويات ويكيبيديا، لا تمثل أصواتهم إلا جزاءً واحدًا من عشرين جزءًا (1/20) حين اتخاذ القرارات فيها. عقب الكلمة نقاش اعترض فيه بعض الحضور على أن الباحث قال أن في مجتمع ويكيبيديا ما يشبه برج المراقبة لتوجيهه، وشبهوا المجتمع ببيت جدرانه من زجاج يرى كل واحد كل ما يفعله الآخرون مما يسبب ضغطا كبيرا بين الأنداد.

مشروع GLAM

حضرت بعد ذلك جلسة لمشروع GLAM (وهو مشروع لحث المعارض والمكتبات والأراشيف والمتاحف على تحرير ما عندها من مواد ونشرها عبر ويكيبيديا ومشاريعها الشقيقة). تحدث فيه ويكيبيدي ألماني عن استراتيجية لتحريض الحكومات على نشر ما عندها من بيانات. يقول أن الاعتراض الذي يتكرر كثيرا أن المؤسسات الحكومية ستخسر مصدرا للدخل إذا نشرت ما تملك من بيانات برخصة حرة فطلب من نائب في البرلمان الألماني أن يستفسر رسميا عن مقدار الدخل الذي تتلقاه الحكومة من ترخيص ما تنتج من بيانات. تبين أن الشرطة الفيدرالية الألمانية مثلا تكسب 128 يورو فقط من ترخيص البيانات سنويًا، أما الحكومة الألمانية مجملا فلا تكسب سوى 5 ملايين وهو ما يكافئ 0.0018% من ميزانيتها السنوية. أحيانا يشتكي المعارضون من أن إتاحة المواد وتسليمها لمن يطلبها مكلف بحد ذاته وأن حقوق النشر مفيدة لتسديد تلك التكاليف. رأى المتحدث أن الواجب هنا أن تسمى تلك التكاليف باسمها: “تكلفة تسيلم”، بدلا من أن تستخدم حقوق النشر لتسديد تلك التكاليف التي لها آثار سلبية مهولة. شارك بعض الحضور تجاربهم في الضغط على الحكومات فذكر ويكيبيدي فرنسي أن للقضية بعدا سياسيا في فرنسا لأن بعض السياسيين قد يحرصون على زيادة ميزانية جهة معينة (كالمتاحف العامة) فلا يجدون وسيلة لزيادتها مباشرة فيحرصون على أن يبيع المتحف تراخيص لاستخدام ما عنده من مواد إلى بقية الجهات الحكومية لكن هذه الوسيلة بحد ذاتها مكفلة لأنها تجبر المتحف على وضع البنية التحتية لهذا البيع فيضطر لإنشاء قسم محاسبة وقسم قانوني وهذه الوسيلة الملتوية غير كفوة لزيادة الميزانية، عدى أثرها في تقييد المعارف.

فيما يخص عالمنا العربي المشكلة أكثر تعقيدا لأن الحكومات لا تنشر أصلا ما عندها من بيانات ناهيك عن أن تسمح باستخدامها. ثمة مبادرة في تونس للحوكمة المفتوحة لحث الحكومات على أن تعمل بشفافية، وأظن أن هذه الخطوة ينبغي أن تكون نقطة الانطلاقة في أي بلد يسعى لأن تحرّر فيه البيانات الحكومية.

الإنترنت في وسط الصين وهونغ كونغ

ألقى الكلمة الرئيسية في اليوم الثاني رجل أعمال من هونغ كونغ هو أول من أسس شركة اتصالات في المدينة وكانت مقارنة بين الإنترنت في وسط الصين وفي هونغ كونغ. حُجبت في ويكيبيديا في وسط الصين سبع مرات من عام 2004 إلى عام 2013، وحاليا بعض المقالات محجوبة والاتصال الآمن (HTTPS) بالموسوعة كله محجوب. أشار إلى سبعة محرمات لا يجوز الحديث عنها في الإنترنت في وسط الصين: المجتمع المدني والحقوق المدنية والقيم الكونية ورأسمالية المحسوبية (وهي تدعي الشيوعية!) وأخطاء الحزب الشيوعي وحرية الصحافة واستقلال القضاء. معظم الخدمات الشهيرة عالميا محجوبة في الصين لكن لها بدائل محلية تخضغ لسلطة الدولة. أشهر بديل لتويتر مثلا Weibo وذكر المتحدث أنه أفضل تقنيا من تويتر. ثمة موقع يوثق ما يُحذف من تلك الخدمة ليسهل دراسة عقلية الرقيب الصيني. أشار إلى أن خدمات VPN غير محجوبة في الصين لأن الشركات تعتمد عليها كثيرا، لكن تكلفتها فوق قدرة الغالبية العظمى من الصينيين. كيف يتغلب الصينيون على الحجب إذا؟ يسعون لتناول المواضيع الحساسة دون أن يقعوا على المحظور ذاته، ويستخدمون صور GIF التي لا يمكن مراقبة ما يكتب فيها آليا ويخترعون بين فترة وأخرى مصطلحات جديدة للإشارة إلى المواضيع المحظورة. مثلا في 2010 فاز ناشط صيني بجائزة نوبل وكان مسجونا فوضعت القلادة على كرسي فارغ في حفل التكريم فاستخدم الصينيون صورة الكرسي للإشارة لما حدث.

انتقل بعد ذلك للحديث عن القيود على الإنترنت في هونغ كونغ إذ يوجد قانون يمنع “التصرفات الإجرامية” على الإنترنت وهو فضفاض يمكن أن يدان بناءً عليه من ينتحل اسم الحكومة على الإنترنت ومن يشترك في هجمات DDoS. تحاول الشركات أيضا أن تضغط على الحكومة لتلاحق الذين يتشاركون الملفات والموسيقى بحجة فرض حقوق النشر. من ناحية أخرى قدمت حكومة هونغ كونغ أكثر من 13 ألف طلب بيانات من مواقع الإنترنت خلال 3 سنوات.

التعليم

تحدث معلم سويسري عن تجربته في تعريف ويكيبيديا لطلاب المرحلة المتوسطة فهو يُدرّس علوم الحاسوب ويُعرّف طلابه على الموسوعة وأسلوب التعامل معها والمساهمة لها كجزء من المقرر فيطلب منهم في البداية أن يبحثوا موضوعا معينًا في الإنترنت (يكون الموضوع حديث الأخبار عادة) ثم يناقش معهم وثوقية المصادر التي جلبوا منها معلوماتهم (ووجد أنهم باستمرار يظنون أن ويكيبيديا هي المصدر الأكثر وثوقية) ثم يعلمهم على الموسوعة.

حضرت أيضا كلمة ألقاها اثنان: طبيب نشيط في إثراء مقالات ويكيبيديا الصحية ورئيسة منظمة مترجمون بلا حدود وهي مؤسسة خيرية تجمع مترجمين متطوعين لأغراض “إنسانية”. تحدثا عن الأهمية البالغة لويكيبيديا في نشر الوعي الصحي كمرجع يلجأ إليه مئات الملايين وعن نقص المراجع الصحية العمومية الأخرى (إما لسطحيتها البالغة أو لرداءتها). حدّد الطبيب من 80 إلى 100 مقالة مختارة وجيدة باللغة الإنجليزية وراجع بعضها وحدثها ودققها. بعد ذلك تُبسّط المقالات الإنجليزية وتستخدم فيها مصطلحات عامة لتسهل ترجمتها. ثم ينجز الترجمة شخصان: أحدهما يجري الترجمة الأولى والثاني يدققها. سأله بعض الحضور عن خطر أن تعتبر ويكيبيديا مرجعا للمعلومات الصحي فشدّد على أنه لا يوجد أي مرجع صحي موثوق كله ولا سيما مع الاكتشافات المتسارعة في المجال الصحي والسقطات التي لا تغيب حتى عن الكتب الرصينة وعلى ضرورة التعامل النقدي مع ويكيبيديا ومع كل مرجع.

المؤسسة

تحدث مشرف برنامج المنح في مؤسسة ويكيميديا عساف بارتوف عن سياسة المؤسسة الجديدة تجاه “الجنوب العالمي” (والمصطلح عموما مصطلح استعماري أكّد عساف أنه سيء لكنه ذائع). شدّد على أن ويكيبيديا تمنح قوة وتمكينا لمن يساهم فيها لأنه سيكون قادرا على توثيق نظرته في مرجع عالمي مهول وأن نقص تمثيل أي جماعة يعني أن الموسوعة ستكون متحيزة ضدهم ولن تنتجح في نقل تصوراتهم واهتمامتهم. يعيش 81% من سكان العالم في “الجنوب العالمي” لكن نسبة المساهمين لويكيبيديا من ذلك الجزء لا تتعدى 21% ونسبة المشاهدة 25%. تحدث عساف عن بعض المبادرات التي أطلقتها المؤسسة وشجّعتها وأن من أكثرها نجاحا مبادرة النسخ المتوفرة من غير اتصال لأنها وسّعت أفق كثيرين ممن لا يملكون الاتصال بالإنترنت وجعلت مرجعا ثريا في متناول أياديهم. أشار أيضا إلى نجاح مبادرات “ويكيبيديا صفر” لتصفح ويكيبيديا من غير تكلفة وطبقت في عدة دول (منها السعودية عند استخدام STC) انتقل عساف بعد ذلك للحديث عن المبادرات التي لم تنجح وذكر أن المهرجانات العامة التي تلقى فيها كلمة للعموم لا تحقق أثرا يذكر رغم أن تجمع الناس يشعر المنظمين بشيء من السعادة. ذكر أيضا أن المؤسسة قررت ألا تعمل في أي بلد لا توجد فيه نواة قوية من المهتمين المخلصين للمشروع الذين يعملون بأنفسهم دون أن ينتظروا جزاءً أو شكورًا وأن المؤسسة مستعدة لمد يد العون لكل فريق كهذا، لكن غياب هذه الفرق إحدى المشاكل الجوهرية التي يعاني منها “الجنوب”. يرى عساف أن برنامج التعليم يعد بخلق فرق مهتمة كهذه، لكن من الصعوبة بدء برنامج تعليم في مكان لا يتوفر فيه هذا الفريق وهنا نعود لمعضلة البيضة والدجاجة. تحدث عساف أيضا عن توقف المؤسسة عن توظيف أشخاص يعملون على تنمية المجتمعات الويكيبيدية “في مكان الحدث” (ولذا لم تُوظّف المؤسسة بديلا لمشيرة لمّا غادرت) وأنها بدلا من ذلك اتجهت لتمويل المؤسسات المحلية التي لها أهداف تتقاطع مع مؤسسة ويكيميديا شريطة أن تكون مؤسسات غير هادفة للربح وأن تعمل مع مجتمع ويكيبيديا المحلي. أخيرا ذكر عساف أن المؤسسة قررت التركيز على دول محددة بناء على عدد سكانها ونسبة الوصول للإنترنت ومستوى اللغة في ويكيبيديا وقدرة المؤسسة على خلق تأثير إيجابي في البلد وأن البلدان المستهدفة حاليا: الهند والبرازيل والفلبين والأرجنتين والمكسيك وأندونيسيا وتركيا ومصر.

ألقت المديرة التنفيذية لمؤسسة ويكيميديا سو غارندر الكلمة الرئيسية في اليوم الثالث والأخير فتحدثت عن ثلاثة جوانب عملت عليها المؤسسة خلال السنة الماضية: جذب المحررين، وتصفح الموسوعة وتحريرها من الجوال، وبرنامج المنح (الذي يشرف عليه عساف). استعرضت سُو رسالة جديدة صارت تعرضت للمسجلين الجدد في الموسوعة تعرفهم على عدة سبل للمساهمة خطوة خطوة، وذكرت أنه عند عرض الواجهة التقليدية يجري 20% من المسجلين تعديلهم الأول خلال 24 من التسجيل لكن النسبة ارتفعت إلى 22% مع الرسالة الترحيبية الجديدة (و 2% نسبة لا يستهان بها فعلا). تحدثت أيضا عن المحرر المرئي وذكرت أن المؤسسة تأخرت في إنجاز هذه المهمة لأنها كانت أصغر من أن تقدر على إنجاز مهمة ضخمة كهذه قبل عام 2009. قالت أن من الأشياء التي ستعالجها المؤسسة تصميم صفحات النقاش التي لا يفهمها المستخدمون الجدد. فيما يخص المنح ذكرت سُو أن المؤسسة سترفع المنح من 5.8 مليون إلى 8 ملايين خلال السنة القادمة. فيما يخص الجوال ذكرت سُو أن 3014 محررا ساهموا للموسوعة في الأسبوع الأول من إتاحة التحرير عبر الجوال وأن 65% منهم جدد. أخيرا عبرت سُو عن سعادتها بما وصلت إليه ويكيبيديا خلال السنوات القليلة الماضية وكيف أنها تحولت من نكتة هواة إلى مشروع تساهم فيه جامعة هارفرد.

الجلسات العربية

الويكيبيديون العرب الذين حضروا ويكيمانيا 2013

لأول مرة ساهم العرب بجلسات لمؤتمر ويكيمانيا. ثلاثة جلسات! أحسن عبّاد في تلخيصها ولذا سأكتفي بذكر ما لم يتطرق له وبتبيين وجهة نظري.

في الجلسة الأولى تحدّث زكريا -ببراعة- عن عيوب واجهة الموسوعة التي تشتت المستخدمين وتصعّب عليهم أداء المهام وذكر أن الواجهة ينبغي أن تكون أكثر قابلية للتخصيص لتتناسب مع المهمة المطلوبة بدلا من استخدام صفحة تعديل واحدة لأداء كل المهام وأوضح أن استخدام فيسبوك مثلا لا يتطلب قراءة أي تعليمات لأن الواجهة واضحة وتلائم كل غرض على حدة بينما يجد المساهم للموسوعة قائمة طويلة بالتعليمات عند أداء أي مهمة؛ وأشار أخيرا -بعد أن سألته- أنه عمل على إصلاح هذا الخلل في ويكيبيديا العربية (لكن زكريا يعمل بصمت :)). في الجلسة الثانية عقدت آية وأحمد وعبد الناصر ورشة عن المصاعب التي يواجهها مساهمو ويكيبيديا العربية. استعرض عبد الناصر في البداية مشاكل الترجمة عموما (وأظن أنه تناولها بتشعب)، وتحدثت آية عن مقترحات لدعم المساهمين العرب أكدت من بينها على أن تحرير الموسوعة من المنطقة العربية بطيء واقترحت أن توضع خوادم في المنطقة العربية لتحسين الأداء لكنها أشارت إلى أن وجود الخوادم يتطلب إنشاء مؤسسة ويكيميديا محلية تحظى باعتراف قانوني لتتولى إدارة الخوادم في المنطقة وأن علينا أن نسعى لذلك. أخيرا في الجلسة الثالثة تحدث محمد مصطفى وآية وليانا (مسؤولة العلاقات العامة في برنامج التعليم العالمي) عن برنامج التعليم في مصر وإنجازاته خلال السنتين الماضيتين. ذكروا أن نسبة النساء 87% وأن معدل بقاء المساهمين في الموسوعة 3-4% (لكن النسبة لا تشمل الذين يتطوعون بعد في تنظيم البرنامج نفسه).

اختلفت مع ما طُرِح في الورشة التي تناولت الصعوبات من عدة جوانب: أولا ينبغي فحص المشاكل التقنية بدقة وتأنٍ قبل أن نخلص لحلول مقترحة بعينها، وهذا ما لم يتم (في الحقيقة ذكر عبّاد أنهم لما سألوا مديرة التطوير في المؤسسة -بعد الورشة- عزت البطئ لامتداد المراجعات المعلّمة الذي تستخدمه ويكيبيديا العربية لا لبعد الخوادم). ثانيا المنطقة العربية تحت وطأة أنظمة قمعية لا يمكن أن نأمن على حرية الموسوعة إذا كانت خوادمها فيها لأننا سنكون ملزمين بتسليم السجلات لأجهزة “الأمن” عندما تطلب ذلك وسنضطر لحذف المحتويات التي لا تريد الأنظمة أن يقرأها الناس. رد بعض الحضور عن أن الأنظمة الغربية التي تلاحق جوليان أسانج وإدورد سنودن وتتجسس على العامة أيضا ليست حرة، وأتفق مع ذلك تماما لكن مغالطة كبيرة أن نساوي قمع الأنظمة الغربية بقمع الأنظمة العربية. ثمة هامش أوسع بكثير للتشهير بالحكومات والتصدي لها في بعض الأنظمة الغربية وعلينا أن نستفيد منه. ثالثا خبرتنا المحدودة وعددنا القليل وتشتتنا بين الدول لا يساعد أبدا في أن ننشئ مؤسسة محلية ذات كيان قانوني تغطي العالم العربي، ولهذه النقطة سأعود أدناه.

عقدنا في اليوم التالي لقاءً بين الويكيبديين العرب لنبحث الخطوة التالية. ثمّة ثلاثة منظومات تجمع مساهمي الموسوعة: مؤسسات ويكيميديا المحلية (Chapters، وهي كيانات مستقلة مسجلة قانونيا تعمل في حدود دولة محددة وتحظى باعتراف المؤسسة)، والمنظمات المتخصصة (Thematic، وهي كيانات مستقلة مسجلة قانونيا تُعنى بغرض معين دون أن تقيدها حدود دولة محددة وتحظى باعتراف المؤسسة)، ومجموعات المستخدمين (وهي كيانات مستقلة ليس لها اعتراف قانوني تُعنى بغرض معين وتحظى باعتراف المؤسسة وتمويلها، مثل تجربة البرازيل التي دوّنت عنها السنة الماضية). رأيت أن علينا تحديد البرامج التي نريد تحقيقها في العالم العربي قبل أن نخلص إلى منظومة محددة بعينها لأن المنظومة -أيا كانت- ليست غاية بل وسيلة لتحقيق تلك البرامج.

طلب زكريا من كل واحد أن يحدد برنامجًا يراه الأكثر أهمية حددنا: GLAM والويكي تهوى المعالم وبرنامج التعليم والخوادم. استثنينا سريعا المنظومة الأولى (مؤسسة ويكيميديا محلية) لأننا لا يمكن أن نكتفي بحدود قطر عربي واحد بل طموحنا العالم العربي كاملا، ثم حاولنا التفضيل بين النوعين الآخرين. رأى بعض الزملاء أن التمثيل القانوني مهم للغاية لأن بعض الدول العربية ترفض العمل مع أفراد وتطلب تمثيلا قانونيا ومؤسسة ويكيميديا غير قادرة على أداء هذا التمثيل من أمريكا لأن ذلك قد يعتبر ضربا من ضروب الهيمنة الأمريكية. رأى آخرون -وكنتُ منهم- أن المهم في المرحلة الراهنة أن نحدد خطة واضحة نعمل لإنجازها كمجموعة (ولم يسبق لنا أن صُغنا خطة ولا أن عملنا سويًا) وأنه ثمة مجال واسع لوضع هذا البرنامج وتنظيم الجهود واقتناص الفرص دون تضييع الوقت والجهد في علاج المعضلات القانونية واختيار البلد الأمثل ولاسيما أنه ليس لأي منا خبرة في التعامل مع هذه الأمور. كان رأيي أن ما نعاني منه ضعف المبادرة، لا غياب الغطاء القانوني وأنه ثمة فرص دائمًا للمهتمين في كل قطر أن يجتمعوا ويبحثوا عن الفرص المتاحة أمامهم دون أن يقف القانون عائقا أمامهم، لكن هذا التجمع لم يحدث، وعلينا أن نوجده في البداية ثم تكون الخطوة التالية -إن استلزم الأمر- كيان قانوني معترف به. تسآل بعض الزملاء عن القيمة التي ستضيفها مجموعة المستخدمين على مجموعات فيسبوك الموجودة حاليا، والفرق -حسب وجهة نظري- أنه سيكون لنا كيان واضح ذو خطة محددة تعترف به المؤسسة وتموله. لم نخلص لتوافق محدد.

تحدثت لاحقا مع مسؤول لجنة الاعتراف في مجتمع ويكيميديا وأخبرني أننا إن كنا نهدف لتأسيس منظمة متخصصة تمثل العالم العربي فعلينا أن نجد مساهما نشطًا واحدًا على الأقل في كل قطر عربي. أشار إلى أن بعض المشاكل التي ترد نظريًا قد لا يكون لها أثر حقيقي عند الممارسة العملية واقترح أن نبدأ أوليا بمجموعة مستخدمين تجمع المهتمين الذين يجربون العمل على أرض الواقع ويحددون العقبات التي يواجهونها ليتخذوا الخطوة القادمة عن بيّنة.

الخاتمة

المؤتمر تجربة جيدة جدا، جدا وفرصة متميزة للمشاركة في نقاشات عميقة عن مستقبل المعرفة الحرة وإطلاق المبادرات التي تقرّبنا للأهداف الكبيرة. تمكنت من حضوره بفضل منحة من مؤسسة ويكيميديا. أسعدتني الفرصة.