إلى عامر

amer

أخي الغالي عامر،

هذا الشهر (شعبان 1435) أتممتَ سنتك الثانية والعشرين، وأتممتُ معك سنتي الواحدة والعشرين. أظنك تذكر الصدفة التي كنا نفخر بها صغارا: كلانا ولد في ذات اليوم: الثامن من شعبان في سنتين متتاليتين! “لعلها إشارة قدرية أن ما بيننا محتم!”

كانت طفولتنا مفعمة. غريبة. مضحكة. كلما رويتُ شذرات منها أعرف أن الذي أمامي سينفجر ضاحكا أو يبتسم ساخرا. لم تكن عادية أبدا، وأنا متأكد أنك واجهتَ الرد ذاته. قبل أيام عدتُ إلى حاسوبي السابق -توشيبا- وبحثت عن مجلد “الألبوم”. أظنك تعرف أقسامه. هو ذاته المجلد الذي يحفظ كثيرا من ذكريات الأيام الجميلة. بحثت فيه عن مجلد “صور خاصة”. ثمة ثلاثة مجلدات تحته: “صور الطلعات” و”صور الإخوة” و “صور الأصدقاء”. أعرف أين صورك. لم تكن صديقا، بل كنتَ أخا عزيزا. في الحقيقة لم يكن مجلد “صور الإخوة” يحوي إلا صوري معك وأخيك عبد الله في منزلنا وفي منزلكم. في ذات الحاسوب كتبت “amer” فظهرت لي من حيث لا أحتسب سجلات قديمة، قديمة جدا كمحادثاتنا أيام الماسنجر والمنتديات! كانت مشاركاتي في المنتدى الذي نشطنا فيه سويا قد بلغت 1000 مشاركة، فهنأتني ضاحكا. وجدت محادثة أخرى: تريد أن أكتب برنامجا لمعاقبة المتطفلين: اسمه “صور خاصة” لكنه في الحقيقة يطفئ الحاسوب ويجعل الشخص عرضة للمساءلة. أفكارك هذه تعجبني جدا! جهزته، لكنك لم تخبرني حتى الآن من وقع في الفخ. آمل أن تخبرني في أقرب لقاء.

وجدت محادثة أخرى أعتذر منك فيها. لا أذكر السبب بالضبط، لكنه كان اجتماعا علّقتُ فيه تعليقا لم يفهم كما أردتُ. قد يكون اجتماعا لواحدة من الأنشطة المدرسية التي نشطنا فيها سوية كملتقى الفرسان في الابتدائية وعرين الأُسد في المتوسطة. هل تذكرها؟ أو لعله اجتماع من اجتماعات قوّة. طبعًا لن أسألك عن قوّة، لأني لن أصدق لو قلت أنك نسيتها حتى لو حلفت الأيمان!

على ذكر قوّة: رجعت إلى الملف الذي أحفظ فيه سجلاتها، وأخذته معي إلى منزلكم يوم السبت الماضي لأتصفحه مع عبد الله. تذكرنا أياما أسسنا فيها قوّة. لم تكن أهدافها واضحة، ومن يتوقع أصلا أن يكون للأطفال (أنا وأنت وعبد الله) أهداف واضحة! الحق يقال: واضح أننا لم نكن نعرف شيئا عن الأحزاب ولا التنظيمات ولا المؤسسات ولا الشركات، فكانت قوّة خليطا من ذلك كله، لكننا كنا نعرف أسسا بسيطة جدا: الغزو الأمريكي للعراق جريمة، دعم إسرائيل خزي، والعمل الإعلامي مهم، وكانت شروط الانضمام لها الالتزام بمثل هذه المبادئ.

تذكر “آه يا سامي”؟ بعدما عرفنا قصة سامي الحصين المعتقل في أمريكا جهزنا عروض بوربوينت لنُعرّف بالقضية واشترينا عشرات الأقراص المرنة (لا أذكر صراحة من أين أتينا بمبلغها، هل تذكر؟) ثم بعناها لزملائنا في المدرسة بريالين على أن يعود ريعها لقوّة ولنمول بها إصدارتنا القادمة. ثمة إصدارات أخرى: “ضرغام قوّة” و”فستقة المرئيات”. اخترنا الاسم الأخير -فستقة- لأننا كنا نحب آيسكريم الفستق، فكنا نشتريه كلما وقفنا سويا في بقالة العوبثاني في طريق عودتنا من المدرسة.

كنا نصلي سوية في ذات المسجد، ونجلس عند تلك التلة الخضراء أو عليها، أحيانا إلى أن تأتي الصلاة التي تليها. بعدها بُني مسجد أقرب إلي بيتكم فصرت تصلي غالبا فيه، كنتُ لا أخفيك حزني على بنائه.

انتهت أيام المدرسة. ذهبتَ إلى كلية الحاسب، وذهبتُ إلى كلية الطب. كنتَ تأتي أحيانا لتصلي في المسجد القريب من بيتنا، فكنت أنتظرك في آخر المسجد وقتما تصلي السنة الراتبة، وأسألك: “عندك شيء؟” لأركب معك الفورد و “تنطل” في الحارة. تعلمت منك أن “التنطيل” ليس فعل العابثين، فحتى المطاوعة بارعون فيه! سأعترف: إن سئمتُ منك وشعرت أنك ستوقعنا في ورطة كنت أستشهد بأمي التي تدعو على “المنطلين” المزعجين لعلك تتوقف، ودائما كنتَ تتوقف! (لحسن الحظ كنتَ أحرص على سيارتك الجديدة: الأفلون، فهدأت قيادتك) بعدها -إن بقي وقت- كنا نذهب لجافاتايم حيث نصحتني فيه بالآيستي. أشربه دائما.

في جلساتنا تلك -التي كنا ننقل بعضها لتويتر- كنا نرسم خريطة بديلة معقولة لهذا العالم المجنون. ما الذي علق في ذهنك من نقاشات؟ شخصيا أتذكر جيدا: ملف المعتقلين والمظاهرات، ومشروع حسم، وبيان دولة الحقوق والمؤسسات، والأحزاب الإسلامية، واستهداف المدنيين الأمريكيين، وجدوى المقاطعة، والدولة الحديثة والديمقراطية، ومصير سوريا.

سوريا، سوريا، سوريا. كانت همًا شاغلا لك. كانت تصلني إصدارات المنارة البيضاء منك أولا بأول، وكنتُ أسألك باستمرار عن مؤلفات المشائخ الجهاديين وآرائهم ومؤلفاتهم وأعتبرك “ممثل الحركات الجهادية بالنسبة لي”. ثمة حشد لسوريا. كل من أعرف من الجهاديين ذهبوا، لكن هل ستذهب أنت؟ تبدو خطوة مصيرية صعبة جدا، ولا سيما أنك ممنوع من السفر. أخبرتني قبيل ذهابك أن منع السفر رُفع عنك. كنتُ أحتاج أن ألتقي بك سريعا. في الحقيقة لم أكن أنوي أن أقول لك شيئا مخصوصا، ولا أن أسألك عن الموضوع حتى، لكني أريد أن أراك. قلت لك: “خلنا نفرح ونسوي حفلة. استغلنا يا خي! خلنا نشوفك على عشاء أو غداء هالأسبوع.” طلبتَ مني أن أسعى في موضوع طبي لحلقتكم فانشغلنا عن اللقاء. أخبرني عبد الله بعدها أنك ذهبت إلى سوريا. قلتَ لمن خلفك أنه لم يكن لك أن تهنأ وأنت تسمع نداء المستضعفين، وأنك ما خرجت إلا نصرة لهم، وتبا للحدود.

أمضيتَ 11 شهرا متنقلا بين الجماعات والكتائب تاركا الخلافات وراء ظهرك، باحثا عن خطوط النار لتشهر سلاحك في وجه النظام العميل المجرم وجنوده. كانت معركتك شريفة. تحملت الكثير، وضحيت بكل ما في يدك في سبيل الله، الذي كتب نصرة المظلوم. كل من رآك هناك، كمن رآك هنا: أحبك. ابتسامتك الطلقة المعهودة صحبتك في اللاذقية والغوطة وحمص وحلب.

أنشدت “لئن لم نلتقي في الأرض يومًا” وكتبت “يا هلي كيف بالسلا…عن جهاد الأعادي؟”

ثم أصابك رصاصهم الخبيث في ريف حلب.

لم يكن بمقدور الأطباء فعل شيء. مكثت مصابا خمسة أيام إلى أن قُبضت روحك الطاهرة.

ثم دُفنتَ في تفتناز.

أعرفك جيدًا يا عامر، ولا أعرف عنك إلا صفاء القلب وصدق المطلب. قليلون جدا الذين أزداد إجلالا لهم كلما اقتربت إليهم. أنت منهم. تتصاغر أشياء، وتعظم أشياء بحضور الموت. موتك أعمق.

لست هنا أرثيك، أنت فوق الرثاء، لكن مشافهتي لك لم تجد جوابا سوى الصدى، فلنجرب الكتابة.

بكل ود،
أسامة