كيف خرجت المثلية الجنسية من الأمراض النفسية؟

هذه ترجمة لمقالة When Homosexuality Came Out (of the DSM) التي نُشرت في ديسمبر 2014.

يصادف هذا الشهر أنه وقبل 41 سنة لم تعد المثلية الجنسية مرضًا نفسيًا. أُكرهت جمعية الأطباء النفسيين الأمريكية بعد معارضة متصاعدة من النشطاء المثليين، ومعارضة أخرى من داخل الجمعية نفسها على إزالة المثلية من الإصدار الثاني للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-II). تعتبر إزالة المثلية الجنسية من مجال الطب النفسي مؤشرا نموذجيًا على الطبيعة الاجتماعية للتشخيص النفسي ودليلا على اضطراب الدلالات النفسية: فالمثلية التي كانت تعتبر مرضًا وانحرافًا، صارت المنظومة السائدة تعتبرها نوعًا طبيعيًا من أنواع النشاط الجنسي البشري. خروج المثلية الجنسية من دليل DSM يستدعي أن نتأمل في الجوانب التالية: (1) التغير في مفهوم الأمراض النفسية بطيء؛ (2) التشخيص تصرف اجتماعي؛ (3) تشييد الأمراض والاضطرابات (سواءً كانت “نفسية” أو ما سواها) تصرف اجتماعي؛ (4) تشييد الأمراض له تبعات اجتماعية؛ (5) التغير في مفهوم الاضطراب يعكس القوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية أكثر من عكسه للتطورات العلمية.

انتهاء المثلية الجنسية بصفتها مرضا

على الرغم من أن إزالة المثلية الجنسية من دليل DSM يُصوّر كنقلة جذرية وخاطفة في النظرة للميول الجنسية، إلا أن الواقع أكثر فتورًا. في الحقيقة، لم تُزَل المثلية الجنسية من المصطلحات التشخيصيّة للنسخة المنقحة الثانية من دليل DSM؛ بل نُقلت بين قوسين إلى تشخيص جديد: اضطراب الميول الجنسية. أريد بهذا التغيير في التشخيص إحداث أقل قدر ممكن من الاضطراب في ممارسة الأطباء النفسيين، وتنص الملاحظة التي تناولت هذا التغيير أن “من النادر أن تجد خلافًا” على أن “وسائل العلاج الحديثة تتيح لنسبة كبيرة من المثليين الجنسيين الراغبين في تغيير ميولهم الجنسي ذلك.” ورغم أنها تنصّ على أن المثلية الجنسية لا توافي شروط اعتبارها اضرابا نفسيًا، إلا أن نفس الملاحظة تقول: “لا شك أن النشطاء المثليين سيدّعون أن الطب النفسي اعترف بالمثلية الجنسية أخيرا بصفتها ‘طبيعية’ كما المغايرة الجنسية، لكنهم سيكونون على خطأ.” في ذات السنة نُشرت العديد من المنشورات التي تناولت جوانب تشخيصية وعلاجية عن المثلية الجنسية، ومنها الإكراه، واستخدام الصعق الكهربائي، بل والجراحة على فصوص الدماغ. علاوة على ذلك، لم يكن “اضطراب الميول الجنسي” (الذي صار اسمه لاحقًا “الميول الجنسي المرفوض من الأنا/ego-dystonic sexual orientation”) يُطبّق إلا على الانجذاب المثلي؛ وكان الافتراض الضمني هنا أن المنجذبين للجنس المغاير لم يكن لهم ليشعروا بسوء تجاه انجذابهم ذلك، وبغض النظر عن كون هذه الفرضية صائبة أم لا، فلا تزال مسلمة دون تمحيص.

لم يكن الحال كذلك حتى عام 1987 حينما اختفت المثلية الجنسية تمامًا من دليل DSM، لكن مفهوم “الميول الجنسي المرفوض من الأنا” ظل حاضرًا في التصنيف الدولي للأمراض الذي تصدره منظمة الصحة العالمية. مؤخرا رأينا نقلة مماثلة فما يخص المتحولين جنسيًا. من الملفت أنه في الوقت الذي كانت المثلية الجنسية تغادر دليل DSM، أُدخل التحوّل الجنسي فيه لأول مرة، وتحول إلى “اضطراب الهوية الجندرية” وأخيرا (في الإصدار الخامس من دليل DSM) إلى “الانزعاج الجندري/gender dysphoria”.

التشخيص بصفته تصرفا مجتمعيا

طقوس التشخيص تتم في فضاء مجتمعي. التشخيص -كما يقول أرثر كلينمن- يستند على السمات، إذ يقوم على تحويل التجارب إلى “أعراض” و”دلالات” تشير إلى مرض أو اضطراب. تلك التشخيصات تحمل معنًى ليس لمن تنطبق عليه فحسب، بل لمعنى أن تكون بلا مرض ولا اضطراب أيضًا. لو أخذنا المثلية الجنسية كمثال، فظهورها كمفهوم اجتماعي وطبي في نهاية القرن التاسع عشر صاحبه اختراع مفهوم المغايرة الجنسية، ومن هنا كان دور الطب النفسي محوريًا في خلق قطبين للهوية الجنسية لا يزالان حاضرين حتى اليوم، رغم تفريغ الميول الجنسية من دلالاتها الطبية. ومن هنا كان التشخيص دالا ليس على إمكانية علاج حالة معينة ومآلاتها فحسب، بل في خلق هويات، ومنح الاعتراف، وعلى العكس من ذلك تماما: قد يدمر كيان الشخص، وقد يَحُول دون تشييدنا لسردية تتجاوز الوصف الطبي النفسي. الانفصام [مثلا] ليس تشخيصا فحسب، بل يحمل في طيّاته هوية معيّنة تتبدّل بأريحية الثقافية: مرّة تشير إلى المرأة البيضاء الفاتنة التي داسها المجتمع، ومرة تشير إلى الرجل الأسود العنيف المتسلط الذي يُشكّل خطرًا على السلم الاجتماعي.

التأسيس الاجتماعي للمرض النفسي

رغم أن مفهوم اللواط يمتد إلى العصور البابلية إلا أن مفهوم المثلية الجنسية لم يتأسس إلا بنهاية القرن التاسع عشر. في تلك الفترة ولأول مرة، تحوّلت الممارسات الجنسية إلى تشخيص وإلى هوية جنسية. لم يكن هذا التحول وتوقيته مصادفة بل صاحبه قبول ضمني بأن الجنس ليس غرضه الإنجاب فحسب، بل المتعة، وصاحبته زيادة في نفوذ الأطباء بصفتهم الخبراء، وصاحبته حاجة لأن يصف الأطباء “الممارسة الجنسية الصحيّة”. وبنفس الكيفية، كان زوال اعتبار المثلية الجنسية من كونها اضطرابا في وقت تسامت فيه المتعة على الواجب، ونمت فيه معاداة السلطة، وساد فيه الطب النفسي بصفته مُخلّصا من العلل الاجتماعية لزماننا؛ وجود أساس بيولوجي للمثلية الجنسية أو للاضطراب النفسي أو عدم وجوده لا يؤثر على كون الأطباء النفسيين يظلون من وسائل السيطرة الاجتماعية. على سبيل المثال، عام 1972 (بعد سنة من إزالة المثلية الجنسية من دليل DSM) اقترح جون فينر وزملاؤه معيارًا تشخيصيًا لعدد من الأمراض النفسية ليُعتمد في البحث العلمي، ومن بين ال”14 علة نفسية” كانت المثلية الجنسية:

  • هذا التشخيص ينطبق عند وجود أكثر من 18 تجربة مثلية جنسية (وذلك يوافق مقياس كنسي من 3 إلى 6).
  • يستثنى من ذلك المرضى المتحولون جنسيا.
  • يستثنى من ذلك المرضى الذين يمارسون النشاط المثلي الجنسي فقط عندما يُحتجزون لمدة لا تقل عن سنة بدون وصول إلى الجنس المغاير.
  • نرى هنا تعريفًا نفسيًا مُعتَمدًا لكنه اعتباطيٌ تمامًا، إذ يسمح للسجناء المحتجزين لفترة طويلة بممارسة الجنس مع الذكور. جميع التشخيصات الطبية يُشيّدها المجتمع سواءً كانت نفسية أو لم تكن، لكن الأمراض النفسية تحمل في طيّاتها هوية -شئنا أم أبينا- نادرًا ما تحملها بقية الأمراض الطبية.

    التبعات الاجتماعية للأمراض

    قد تكون الأمراض وصمة عار؛ ورغم أن الجذام والدرن والسرطان والإيدز حملت وصمة عار على المرضى في فترة ما في التاريخ، إلا أن تلك الأمراض نادرًا ما تؤثر على تجربة الذات كما الأمراض النفسية. اعتبار المثلية الجنسية مرضًا أقنع بعض الأفراد أنهم مرضى، وذلك -بحد ذاته- جعلهم (يشعرون أنهم) مرضى! إزالة المثلية الجنسية من قالب الطب النفسي ساعد -بلا شك- في توطيد حقوق من يعتبرون أنفسهم مثليات ومثليين أو ثنائي التوجه الجنسي. حقوق التبني، والزواج المثلي، ونقض “لا تسأل، لا تقل“، لم يكن لها أن تحدث لو أن المثلية الجنسية لا تزال تعتبر تجسيدًا لمرض نفسي عميق. ومثل ذلك أن تشخيص الأمراض النفسية يُشعِر الأفراد أنهم مُغايِرون وأنهم مختلفون عن من سواهم من الناس، ولعلهم أقل أهمية أو أقل استحقاقا أو أقل قيمة. إذا ما تبنّى الشخص تشخيص الانفصام، يتبعه تدميرٌ لكيانه وثقة أقل بنفسه وتمزّق لأحلامه وشعورٌ بانعدام القداسة. الطبيب النفسي ريتشارد ورنر ذهب أبعد من ذلك حين رأى أن الذين يرفضون تشخيص الأمراض النفسية الحادّة قد يكون مآلهم أفضل إذ أنهم يحتفظون بحقهم في تشييد سرديتهم لذواتهم ويُحدّدون ما يهمهم حقًا، ورغم حملات التوعية العامة (أو ربما بسببها)، لا تزال وصمة العار مصاحبة للأمراض النفسية كما كانت قبل 50 عامًا.

    ظهور الأمراض: تقدم علمي، أم بقرة حلوب للتجار؟

    كما ناقشنا أعلاه، كانت إزالة المثلية الجنسية من دليل DSM نتيجة لقوى سياسية اجتماعية، ولم يكن انعكاسا لتطور علمي. حتى داخل أروقة الطب النفسي يُعتبر تضخم التشخيص النفسي ظاهرة تجارية. لم يكن التشخيص النفسي حتى السبعينيات ضروريًا لعلاج الذين يعانون من مشاكل كثيرة، ولم يكن أخصائيو الصحة النفسية ينافسون الأطباء النفسيين؛ لكن بعد نمو مجال علم النفس السريري وبقية تخصصات الصحة النفسية والذين كان بمقدورهم تقديم العلاج النفسي بأسعار أرخص، كان لزاما على الأطباء النفسيين أن يحافظوا على سلطتهم الأخلاقية على الحياة النفسية التي صارت من اختصاصهم. ما كان يُميّز الأطباء النفسيين عن سواهم [من العاملين في المجال النفسي] أنهم (كبقية الأطباء) قادرون على التشخيص، ولذا أنشأ المجال الطبي تشخيصات جديدة كان الأطباء النفسيين يتعاملون معاها سابقا في مكاتبهم؛ وصارت تلك التشخيصات مؤشرُا على أن المرضى يعانون من مرض طبي يحتاج علاجُا. سمح نمو الصيدلة النفسية بتوسع حدود تلك التشخيصات الجديدة، وخلق أسواقًا جديدة ليس للصناعة الدوائية فحسب بل لمجال الصحة النفسية أيضُا. لم تكن أي مشكلة أصغر من أن تطلب علاجُا دوائيُا.

    لكن ما القوى الاجتماعية والسياسية التي ساعدت على نمو الأمراض النفسية؟ في الفترة التي لم تعد فيها المثلية الجنسية اضطرابًا نفسيًا كانت الولايات المتحدة تمرّ بأزمة اقتصادية عميقة. بحلول عام 1980 (التي نُشِر فيها الإصدار الثالث من دليل DSM) تولّت حكومة جمهورية جديدة بقيادة رونالد ريغان مقاليد البيت الأبيض. بدلا من لفت الأنظار إلى الأضرار النفسية التي سبّبتها السياسيات النيوليبرالية صار الأسهل أن يصبح مكمن الأمراض النفسية ذاتيًا (في الدماغ، والخلية، والمُركّب) بدلا من أن تكون نتيجة المجتمع والدولة. ولأجل ذلك سمّت جوانا مونريف العلاقة بين طب النفس البيولوجي، والسياسات النيوليبرالية “الزواج المريح”. كان الملائم سياسيًا أن يصعد تصوّر بيولوجي يجعل السخط النفسي بعيدًا عن القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الأخرى؛ وكما لم تكن إزالة المثلية الجنسية من دليل DSM نتيجة لتطور علمي بل لإرادة سياسية، كان تكريس الحالة المرضية والأساس البيولوجي لتشخيصات نفسية بسيطة نتيجة لنفس القوى بدلا من كونه انتصارا علميًا.