أشياء تستحق السماع: التقشف، وإدوارد سعيد، ونظرية الجندر

بحكم الساعات الطويلة التي أمضيها كل أسبوع متنقلا أعرف أمرًا واحدًا بكل تأكيد: أن العثور على محتوى ممتع ومبهر أمر متعب ونادر. من بين عشرات الساعات المسموعة و/أو المرئية، قليل منها ما يكون فارقًا. يزداد الأمر تقييدا حين تكون المسموعات المطلوبة أثناء التنقل هي تلك التي تقدّم نقاشًا ذكيّا دون أن تتطلب إصغاءً تامًا ودون أن تربكها الانقطاعات المتكررة.

سأوثّق بعض المسموعات التي أجدها قيّمة هنا في سلسة تدوينات، لن تكون السلسة دورية، بل سأكتبها متى ما اجتمعت ثلاثة مسموعات قيّمة، قد تفصلها أسابيع وقد تفصلها شهور. معظم المسموعات باللغة الإنجليزية، ومعظمها محاضرات.

أولا: كيف حُرّفت قصّة رُبن هود؟

استضافت مجلة لندن لمراجعة الكتب London Review of Books كاتبًا اسمه جيمس ميك (وأنا بعد! أول مرة أسمع عنه 😀 ) ليتحدث في محاضرة عنوانها “رُبن هُد في زمن التقشّف”. تتناول المحاضرة نقاشًا بديعا لسياسات التقشّف: ابتداءً بقصّة رُبن هُد التي تقمّصها اليمين الشعبوي. كان رُبن هُد يأخذ الأموال من الإقطاعيين الكُسالى ليردّها إلى الفلاحيين الكادحين، واليوم صار اليمين الشعبوي يتقمّص هذا الدور لكنه جعل الفقراء هم الكُسالى، والأغنياء هم الكادحين. تتناول المحاضرة (وما تالها من نقاش) تفكيكا لمفاهيم اقتصادية مهمّة يطرحها دعاة التقشّف، ويتناول تحليلا مُغايرًا للأزمة الاقتصادية في عام 2008، ويطرح حلولا يساريّة لهذه الأزمات المتكررة.

تتوفر المحاضرة أيضا بصيغة مكتوبة.

ثانيًا: لماذا لا يهتم الفلسطينيون بالبيئة؟

ألقت نعومي كلاين المحاضرة السنوية لعام 2016 في ذكرى رحيل إدوراد سعيد. المحاضرة مُبهرة ليس فقط لأنها قدّمت قراءة حقيقية وعميقة لطرح إدوارد سعيد، بل -وهذا الأهم- لأنها قدّمت موضوعا أراه مملا (وهو الحفاظ على البيئة) بطريقة ذكيّة شيّقة مهمّة على الصعيد العربي والإسلامي. في السنوات القليلة الماضية صار اهتمام نعومي كلاين (وهي من أبرز وجوه اليسار التّقدّمي في الولايات المتحدة) منصبّا على حماية الموارد الطبيعية وحماية الشعوب الأصلية، وصارت تتناول الاحتباس الحراري بشكل مكثّف. بدأت محاضرتها بسؤال مهمّ: ألم يمقت إدوارد سعيد أولئك الذين يعانقون الأشجار؟ ثم تقدّم ربطًا بديعًا بين الثورة السورية والثورة الليبية ومناطق تمركز الجهاديين وبين تدمير الموارد الطبيعية وتدمير حقوق الشعوب الأصلية، كل ذلك تقدمه بلغة إدوارد سعيد الذي أفنى عمره في دراسة كيف يُصوّر الغرب “الآخر” إذ ترى أن تهميش “الآخر” هو أولى خطوات تدمير المجتمعات المحلية، والموارد الطبيعية.

ثالثًا: ما موقف الماركسية من الجنسانية؟

أحبّ أن أفهم نظرية الجندر. في هذه المحاضرة نقد ماركسي لنظرية الجندر يتناول تحديدا نقدًا لجودث بتلر و”الموجة الثالثة” للسنوية التي تسعى لتفتيت مفهوم الجندر. يرى كولن ولسن أنه لا يمكن إنكار “الأساس المادي” للجنسانية (وهو جسد الأنثى، وجسد الذكر) وهو ما يجده مُهمّشًا في الموجة الثالثة للنسوية، ثم يتناول الصراعات الجنسانية وكيف تتقاطع مع الصراعات الاقتصادية، وكيف أن المجتمع الشيوعي هو الأجدر بحل تلك المعضلات.

فوق البيعة: كيف صارت الصهيونية حركة عنصرية؟

هذه محاضرة إضافية. ليست من “أفضل ثلاث محاضرات”، لكنها ملفتة، وهي أيضا في ذكرى إدوارد سعيد، ففي عام 2013 أقيم مؤتمر تذاكري ناقش فيه باحثون في علوم إنسانية مختلفة أطروحات إدوارد سعيد. كان في المؤتمر عدة مداخلات ملفتة، لكن ما وجدته بارزًا من بينها محاضرة ألقتها جودث بتلر عن “النسخ المتنوعة لحل الأمّتين”. تناولت فيها أمرًا لطالما كان مُشكلا بالنسبة لي: وهو كيف يرى إدوارد سعيد (ذلك الباحث الذي كتب طويلا عن تاريخ القضية الفلسطينية وقدّم سردًا رصينًا لها في المجتمع الأمريكي) الحل لهذا الصراع، في الوقت الذي يرفض فيه الحسم العسكري وينكر فيه أي مشروعية دينية لأيٍ من العرب واليهود في فلسطين. تناقش المحاضرة الانقسامات الأولى داخل الحركة الصهيونية ذاتها بين من رأوا الدولة شرطًا للصهيونية وبين من حارب الدولة، لتجد تقاطعات بين هذه الأطروحات وبين رأي سعيد. (طلع صهيوني الولد :p )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *