الدفعة الثانية لأشياء تستحق السماع: قصص

في أغسطس الماضي (قبل ستّة أشهر) كتبت عن “أشياء تستحق السماع“. كانت مشاركة لبني جلدتي ممن يقضون ساعات طويلة في التنقّل ويريدون أن يشغلوها بمسموعات تقدّم نقاشًا ثريًا دون أن تتطلب إصغاءً تامًا ودون أن تربكها الانقطاعات المتكررة. معظم المسموعاتليست فارقة/مؤثرة، ولذا استغرق الأمر ستة أشهر حتى أعثر على الدفعة الثانية.

هذه هي:

أولا: قصّة تأسيس مجتمع شاطح

إحدى أجمل اللقاءات التي سمعتها مؤخرا كان لقاء أوكسفورد مع مؤسس موقع Reddit ألكسس أوهانين. ليس الموقع مشهورا في المجتمع العربي، إذ أن مجتمعه ناطق بإنجليزية حصرًا. يقوم الموقع على تأسيس مجتمعات فرعية مبنيّة على الاهتمام المشترك ويشارك فيها المستخدمون والمستخدمات بأسماء وهميّة. على مرّ السنوات نمت هذه المجتمعات الفرعية وشيّدت لنفسها عادات وتقاليد وقواعد. مكّنت الأسماء الوهمية الناس من خوض نقاشات عميقة، يعبّرون فيها عن اهتمامتهم وآرائهم دون حرّج وتزييف. إحدى المجتمعات الفرعية الشهيرة مثلا اسمه Change My Mind، وفكرته أن يُطرح رأي ليكون التحدي تقديم حجج تغيّر قناعة من يحمله. هذا اللقاء يستعرض قصة تأسيس الموقع والدروس المتعلمة منه. تضمن اللقاء أيضا نقدًا لمجتمع تويتر الذي ضخّم الفرد على الاهتمام، وهو ما يؤثر على الصدق والصراحة.

ثانيا: قصّة تفكيك المدارس المفصولة عرقيا

أداء الأطفال السود في أمريكا لا يكافئ أداء الأطفال البيض، ولطالما كان محو الفوارق التعليمية التي يعاني منها أطفال الأقليات العرقية هاجسًا لدى المصلحين والمصلحات. منذ الستينيات، دُعي لتفكيك المدارس المفصولة عرقيًا (والتي عادة ما تكون في الأحياء الفقيرة المُهمّشة، والتي تكون بيئتها مُثبّطة، ومواردها محدودة) بتهيئة السبل لنقل الطلاب والطالبات إلى مدارس أحياء أغنى ليكون لكل الأطفال ذات الفرص التعليمية، وفعلا طُبّق هذا في أوج حركة الحقوق المدنية، لكن سرعان ما ألغي بصمت. أجرت إذاعة This American Life حلقتين تتناولا تجربتين جاريتين إحداهما تجربة عصيبة (للتنزيل)، والأخرى تجربة سعيدة (للتنزيل). كلا الحلقتين تعرضان قصصا مؤثرة للغاية ومقابلات مع أهالي مرّوا بهذه التجربة بحلوها ومرّها. سأقولها مجددا: الحلقتان مؤثرتان للغاية.

ثالثا: في نقد الإغاثة والشرطة

هذا لقاء مع عالم أنثروبولوجيا فرنسي كان أصلا طبيب باطنيّة، انشغل شيئا فشئيا بالإغاثة، حتى زاد انخراطه في المنظمات الإغاثية وصار مُنكبّا على أعمال إدارية أخذته بعيدا عن ممارسة الطب، ثم انتقل أخيرا إلى علم الأنثروبولوجيا، الذي ركّز فيه على دراسة المنظومة الإغاثية وأثرها وعلى دراسة الشرطة الفرنسية. يسعى في بحثه إلى توثيق تجارب الأفراد ليوثق مثلا الطبيعة اليومية لعمل الشرطة كما يراها رجال الشرطة ونساءها بأنفسهم (يقول مثلا: أن الملل شعور يتقاسمه كل من يعمل في الشرطة بحكم أنهم يعيشون دوما في انتظار لوقوع الجريمة، ولنا أن نتخيل أثر هذا على ممارساتهم وأخلاقهم!)

فوق البيعة: نسوية ردكالية يتبناها الرجال

هذا لقاء شيّق، لكنه ليس من “أفضل ثلاثة مسموعات مرّت خلال الفترة الماضية”، لكني أضيفه لأننا يجب أن نحتفي (على قولة عزيز) بالنقاشات التي “تحرّك المياه الراكدة”. النقاش الذي يثيره هذا اللقاء هو انخراط الرجال في الحركة النسوية الراديكالية ومساهمتهم لها. لا تطمح النسوية الرادكالية إلى مساواة النساء بالرجال فحسب، بل تأتي متواطئة مع حركات راديكالية أخرى ترى تفتيت النظام الطبقي التراتبي العنصري (وبالتالي فهي لا ترى في دور الرجل في المجتمع المعاصر مطمحًا شريفا)، وبدلا من تعزيز الأنوثة، تريد النسوية الرادكالية تفتيت مفهوم الجندر (الرجولة/الأنوثة)، ولطالما تعاملت مع الرجال كطبقة متمكّنة مهيمنة متسلّطة. يتناول ضيف هذه الحلقة الأدوار التي يمكن للرجال أن يلعبوها في هذا الصراع الطبقي، وليس هذا فحسب، بل إنه يعرض نقدا عنيفا لمفهوم التحول الجندري (transgenderism) ويرى أن على النسوية الرادكالية إن أرادت تفتيت مفهوم الجندر دون إنكار الجنس البيولوجي ألا تقبل التحول الجندري (وهذا رأي يعتبر غريبا ومستهجنا في الأوساط الليبرالية غير الراديكالية التي تدعو لاحتواء المتحولين والمتحوّلات جندريا)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *