وكالحلم جئتي، وكالحلم رحتي!

في 2011 كتبت عن انتهاء المرحلة الثانوية، والآن، وكلمح البصر، أكتب عن انتهاء كليّة الطبّ. ما هي إلا أيام حتى أمشي في مسيرة التخرّج، وأُعرّف والدي ووالدتي على من جمعتني بهم هذه اللحظات الحلوة، وأسلّم مفتاح نادي الطلاب، وأأرشف المجموعات، وألغي ربط هاتفي بعناوين البريد. التخرج مرحلة ثقيلة، إذ ليس مألوفًا أن يطوي الإنسان فصلا عاشه بجسده وروحه سنوات ستّة. لم تكن تلك الحياة الجامعية بنشاطها الطلابي المفعم اعتياديّة، بل كان كل يومٍ منها حافلا، مختلفًا. أريد أن أكتب عما أشعر به تجاه التخرّج. هذه التدوينة -إذًا- تقع في تصنيف الفضفضة.

عن البداية

لست -ولم أكن يومًا- ممن يمعنون النظر في الاختيارات، ولذا لم تكن مفترقات الطرق تبدو كذلك لحظة المرور بها. ألتفت اليوم لأجد أن كل مشروع أحببته، وكل صداقة ظفرت بها أتت لما كان الباب مُشرعًا، لكن دون تخطيط ولا ترصّد. كانت السنوات الستّة الماضية سلسة من اختيارات دون إمعان، ابتداءً باختيار دراسة الطب نفسه إذ شعرت حينها أنه “أقل الخيارات سوءًا”. بعد ذلك، وكبقية من الزملاء والزميلات، اخترت الجامعة التي لم تفرض منافسة بعد القبول (=فكان القبول في الطبّ مضمونًا). في ذلك المكان بدأت الحكايات، ونمت الصداقات، وانطلقت المشاريع. يبدو أن الاختيارات السريعة -دون إمعان- إذا رافقها التصحيح المستمر لها ثمرتها أيضًا!

عن الامتنان

رغم عدم الإمعان (بل ربما بسببه!): ما حدث في هذه السنوات يفوق ما كنت أطمح، ولذا أشعر بامتنان غامر. أعطتني هذه السنوات الفرصة لأجرّب، والتسامح لأختلف، والجَلد لأطمح، والمغفرة لأخطئ، والإرشاد لأصحح، والتفهّم لأعبّر، وأنجَبَت مشاريع الحلم: إنجاز1 وسِراج2 والأكاديمية3 وويكي طبّ4 والسحابة5. لكل واحدة من هذه المشاريع قصّة، ولكل واحدة منها غرضٌ مُلحٌ انطلقت لتخدمه فلم تكن مُثقلًة بإرث عتيق أو غرض مشوب، ولكل واحدة منها فرقٌ كفؤة أنفقت مئات الساعات وصار تمام تلك المشاريع همًا لها.

عن الصداقات

جلال هذه السنوات يتلخص في أمرٍ واحد: أنها قلّصت المسافات، فجادت بصداقات غالية، وخلقت بيئة ولّادة. في مكان واحد بميعاد أو بدونه نلتقي دوما، لنعمل على المشاريع الطلابية فكانت صداقات العمر: مُلهمة كخالد العبد الجبار، وودودة كتميم، ومؤازرة كعزيز، ومنعشة كأمجاد، ومطربة كفهد، ومرحة كخالد الدامري، وباذلة كسليمان، وحكيمة كمصعب، ومعطاءة كسعيد، ومضيافة كأنوار، وثاقبة كثامر، وطموحة كفيصل، وسَمحِة كأثير، كما جادت هذه السنوات بد. بدر المقبل: عرّابًا، مُنجدًا، مُساندًا، وجادت بإيمان الحكيمة وهيفاء المُحسنة. تخيّلوا مكانًا تكون فيه صِلة كل فردٍ من هؤلاء يومية وتلقائية وعفوية.

يحدث أن يمتدّ المكوث في المقر الطلابي إلى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. نذاكر المناهج، وننجز الأبحاث، ونعمل على المشاريع الطلابية، ونتحدث. نتحدث عن ما يحصل في المستشفى، عن النشاط الطلابي، عن مشكلاتنا الشخصية، عن الأفلام التي نتمنى أن نشاهدها يومًا،6 عن الفتيات الرائعات، عن خيبات الأمل (وكثيرا ما كان الحديث عن هذين الأخيرين شديد الارتباط). أحيانا يستمر الحديث في ماكدولندز القريب من الجامعة، إذ هو المطعم الوحيد الذي لا يغلق إلا الثانية بعد منتصف الليل. ولأن الحديث ولّاد، ومستفزّ، وممتع للغاية، كنا نعلن “فترة للإناتجية” (“خلاص كل واحد يخلص شعله، لحد يتكلم خمسة وخمسين دقيقة!”)، وإذا ما أردنا قطع الحديث، فكلمة السرّ: “أرسل السالفة إيميل”، و”تشرّفت بمعرفتك”. 🙂

دون مناسبة كنت أصور عشوائيا. بعد يوم طويل، فيصل ينتظر الممثلين الإعلاميين، عزيز يتذوق أغنية، سليمان يتحدث عن التربية، خالد يجمع الشواهد الغنائية، وثمّة نقاش إعلامي محتدم بين فهد وأمجاد، لكن تم حجبه كي لا يُجنّ جنون اليمين المتطرّف.

عن الاستعداد

أشعر أني مستعد للتخرج. الاستعداد الذي أتحدث عنه ليس استعدادًا الحماسة، بل استعداد الانتباهة التي تحدث عنه غازي القُصيبي لما كتب وكالحلم جئت.

وكالحلم جئت وكالحلم رحتي
وأصبحت أنفض منكِ اليدا!
فما كان أغربه … ملتقى!
و ما كان أقصره … موعدا!

سلام عليك … على كل لحظة
من العمر … أعطيتِها المقودا
فطارت إلى شرفات الجنون
إلى حيث يعثُر … حتى الهُدى!

أشعر أن هذه السنوات كانت أحلى من أن تمتدّ، too good to last. ماذا يفعل الكبار البالغون إذا أدركوا ذلك؟ أظن أنهم يلملمون التجارب والصداقات، ويتعبون المُنادي لمرحلة مختلفة، وهذا ما أنا مُستعد لفعله!

عن الصخب

الجامعة نشطة للغاية. العيش في بيئة جامعية نشطة يعني أن يكون كل يوم مليئا بالصخب، ففي ذات المكان، يحضر الشغف داخل الصفّوف وخارجها: ولأني لعبت أدوارًا تقنية (متعلقة بالبُنى التحتيّة التي تنظّم المواد الأكاديميّة الطلابية، والنشاط الطلابيّ)، كنت في تقاطعات الصخب هذا.

الصخب أمر حادث. قبل بضعة سنوات، لم يكن الصخب شيئا آلفه. لطالما كنتُ الإداريّ في ويكيبيديا، عضو مؤسسة البرمجيات الحرّة، المساهم للأصوات العالمية، أُدعى أحيانا لترجمة بعض البرامج الحرّة، مرة في السنة أحضر لقاءات ويكيبيديا، وأتعاقد أحيانا مع مؤسسات تُعنى بالحريّات الرقمية لأنجز شيئا من أعمالها، هذا ما كنت أفعله كل يوم: أحرر وأكتب وأترجم وأبرمج. لم أكن أعرف الاجتماعات، ولا مواعيد التسليم، ولا التحدث مع غير أصدقائي، كنت مسؤولا عما أقوم به كليا (أي لم أكن أتبع خطة رسمتها مع أحد ولا يتوقع أحد مني شيئا، اللهم إلا من باب المراجعة العفوية بين الأقران).

المهم! تبيّن أن تجربة الصخب مختلفة! الحيّ يحييك! من بركات تلك التجربة أن جعلت رتم ما أطمح للقيام به أسرع بكثير مما كان،7 وأرتني أن الحياة “بعيدًا عن الكيبورد” مليئة بشخصيات فارقة،8 وأظهرت أن النشاط حين يستهدف شريحة محصورة له ثمرته أيضا، إذ قبل ذلك، كان النشاط الذي أعرف مقتصرًا على النشاط عبر الإنترنت الذي يستهدف البنى التحتيّة ويتخطّى الحدود: كبناء موسوعة حرّة لا تعرف من سيستفيد منها، أو ترجمة برنامج حرّ لا تتفاعل أبدًا مع من يستخدمه.

هنا، العكس! نحن أمام مجتمع مُشاهد، خلّاب، معروف أفراده، مليء بمهارات حقيقية ونادرة، وبقناعات مشتركة رفيعة. لكن لو قيل: ما أثمن ما يمنحه الصخب؟ فالجواب أنه لا يترك مجال للتخاذل أبدًا لأن التوقّعات والطموحات دائمًا أعلى مما يُبذل. الجوّ مشحون بتحدّيات معروفة، وطموحات واضحة، وشخصيات متفانية مستعدّة دومًا لبذل المزيد. ورغم أن هذا الجوّ شديد التطلّب، إلا أنه أيضا مفعمٌ بالمؤازرة وحسن العشرة، ومن هنا كانت المِهنيّة (professionalism) معدومة، فالناس هنا لا يتقمّصون أدوارا وظيفية محصورة تجزّئهم بل يأتون كٌلًا: بكل اهتماماتهم ونزواتهم وشغفهم وحبّهم وكرههم.

حسنًا كفاية طرب! أنا هنا أفضفض، وسأحكي لكم أيضا عن جوانب التي تقلقني في الصخب!

  • أولا: الصخب (لما كان سببه المكان المحصور، والفترة المحدودة، والاهتمامات المشتركة) كان إلى زوال، وهذا كان مؤرّقًا. حين تكون البيئة الجامعية هي المُلتقى والهدف، وحين يكون تبدّل من فيها سريعا، ثمة تحدٍ كبير أمام تراكم الخبرات والرعاية المستمرة للمشاريع. صحيح أن كلًا منا يخرج مفعمًا بتجارب غفيرة وصداقات غالية وينتهي بما لم يحلم به يوم بدأ، لكن إذا ما فكرنا بالمشاريع ذاتها وامتدادها وسقفها، فكل ذلك متأثّر.
  • ثانيًا: من الأسئلة المُربكة: “هل ما نقوم به زوبعة في فنجان؟”. كان مُلفتًا لي كل مرّة أن معارفي من خارج الجامعة، مهما كانوا قريبين، لم يكونوا مدركين لما يشغل وقتي، ولا يصلهم من البيئة الجامعية إلا اللَمم، وأنا متأكد أن من وصل لهذا الجزء من التدوينة من خارج البيئة الجامعية يهمهم أمام الشاشة قائلا: “What the fuck is he talking about? Why all the drama?”، وهذا سؤال مشروع، وعلى الرغم أني سأدافع بشدّة عن أن البيئة الجامعية المحصورة فرصة لتحقيق أثر عميق على آلاف البشر ولبناء بيئة تتحقق فيها القناعات الرفيعة (مثل غياب التمييز بالجندر)، إلا أن هذا لا يتحقق دون مراجعة مستمرة وصادقة، ففي بيئة مثل هذه، يسهل لتوافه الأمور أن تحدث الصخب أيضا.

حسنا، ماذا بعد الصخب؟

What is it? What is it, Peter?
“Why, if I didn’t have it, I’d miss it”
said the general to the war.
Wings of Desire

ستكون السنوات القادمة مكتظّة مهنيًا (أريد أن أكون طبيبًا في طوارئ الأطفال)، وفي مرحلة معينة، بعد مواظبة على طاعة الله والصلاة في المسجد، سأتقدّم لأمّ العيال (Stay tuned for that blog post 😌)، وعلى صعيد المجالات الأخرى: سأعود لإحياء فروعٍ من المجتمعات العالمية الحرّة محليًا، وسأعمل على بُنى تحتيّة محليّة ثقافيّة حرّة. Let’s see how all this will turn out!

إلى ذلك الحين: That was an amazing ride with the best of company!

الهامش

  1. بوابة لإدارة الأنشطة الطلابية إلكترونيًا في ثلاثة مدن.
  2. مبادرة لبناء مجتمع معرفي وفكري وثقافي طلابي.
  3. دورات مُكثّفة لتخريج الكفاءات المؤهلة في التصميم والبرمجة، تتبعها مشاريع عملية.
  4. مشروع لتسخير جهود طلاب وطالبات الطبّ للترجمة الصحيّة لويكيبيديا.
  5. منصة طلابية موحّدة لتشارك المواد الأكاديمية.
  6. باستثناء خالد الدامري، لا يشاهد أيٌ منها الأفلام بشكل منتظم.
  7. صرت أستخدم كثيرا شاهد طلال الغنائي: “وش هالبطء يا حبيّبي وينك؟“.
  8. لن تجدوا شخصيات فارقة كمنيرة خالد نشيطة في تويتر، لكنها موجودة بعيدا عن الكيبورد.

3 تعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *