الموسوعة الحرة في تونس الحرة

اختتمنا الأسبوع الماضي زيارة موجزة لتونس في إطار خطة مؤسسة ويكيميديا لدعم نمو ويكيبيديا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. شاركت الزيارة مع مشيرة المستشارة للمؤسسة وسايفرز المساهم المتطوع في ويكيبيديا.

كان أساس الزيارة دعوة كريمة من الدكتور علي فريهيدة من المدرسة الوطنية للمهندسين بجامعة تونس المنار (بتمويل من مؤسسة ويكيميديا) وتخللها لقاءات ومشاركات في أنشطة أخرى سأسعى لتلخيصها هنا.

ندوة ويكيبيديا

ملصق الندوة

حضرنا يوم الجمعة التالي ليوم وصولنا (27 يناير) ندوة “التراخيص الحرة والمحتوى المفتوح واستخدامات ويكيبيديا في التعليم” في مدرسة المهندسين نظمها نادي المصادر المفتوحة في المدرسة. يضم النادي حوالي عشرين عضوا يسعون لترويج البرمجيات الحرة في الجامعة وتنظيم الندوات المتعلقة بها. حضر الندوة بين 70-90 شخصا.

مشيرة

ابتدأت الندوة بإلقاء مشيرة كلمة تعريفية بويكيبيديا وترخيصها ومؤسسة ويكيميديا وإحصاءات عن نسبة قراءة عدة لغات من ويكيبيديا في تونس ظهر فيها التفوق الواضح لويكيبيديا الفرنسية (61.6%) أمام العربية (13.8%). تحدثت مشيرة بعد ذلك عن الأجزاء الثلاثة لمبادرة ويكيميديا في المنطقة: التعليم والترجمة والتوعية. ثم عرضت مقطع الفيديو التعريفي بويكيبيديا الذي أنتجه علاء مكتوم. طبعا لا يمكن التغاضي عن ذكر أن مشيرة تفوقت في استخدام اللهجة التونسية! 🙂
تخلل كلمة مشيرة وتلاها طرح قضايا منها ويكيبيديا المصرية. إذ تسآل أحد الحضور عن تأثير ذلك على توحيد جهود الترجمة وأن ذلك سيكون مقدمة لظهور مشاريع أخرى ممالثة. أجبته أن من شروط الاعتراف باللغات في ويكيبيديا الاعتماد على المعايير العالمية وأن اللهجة المصرية حصلت فعلا على اعتراف منظمة المعايير الدولية وأنه رغم المعارضة الشديدة لمجتمع ويكيبيديا العربية للمشروع، قررت اللجنة المختصة الاستناد إلى تلك المعايير وإقرار المشروع. أكدت أن من واجبنا ألا ننشغل بنقاش تلك المشاريع لأن الاستمرار والنجاح ليس مصيرها.

سايفرز

تلى ذلك كلمة قصيرة ومتميزة بحق لسايفرز يمكن تلخيص مغزاها ب”الجنود المجهولين”. بدأ بعرض تطور مقالة اللاعب التونسي الشهير محمد أمين الشرميطي التي بُدئت بسطر واحد لاموسوعي لامحايد مليء بالأخطاء الإملائية أضيف في 15 فبراير 2008 (هذا هو). ثم عرض نسخة المقالة وقت إلقاء الكلمة وقد تحسنت كثيرا ثم سأل: مَن؟ لماذا؟ ماذا بعد؟
عرض بعد ذلك لقطة لمقطع رُفع في 18 ديسمبر 2010 بعنوان “شاب تونسي يحرق نفسه” (هو غالبا المقطع الأول الذي نشر لبوعزيزي وهو يحرق نفسه). كانت معظم التعليقات سلبية وكثير من المعلقين اكتفوا بقول “لا حول ولا قوة إلا بالله”. عرض بعد ذلك صورة لمتظاهرين يملؤون شارع الحبيب بورقيبة لتنطلق شرارة التغيير في العالم العربي. وسأل مرة أخرى: مَنْ؟ لماذا؟ ماذا بعد؟
اختتم عرضه باقتباس لوائل غنيم: “من كل عشرة في العالم العربي: 1 يعمل و 2 يشكرونه على عمله و3 يشككون في نواياه و4 يرددون له يوميا: مفيش فايدة.”

علي فريهيدة

تحدث بعد ذلك د.علي فريهيدة عن نتائج مشروع بحثي يشارك فيه مع أساتذة من جامعة أكسفورد يسعون فيه لاكتشاف المصادر الجغرافية للمحتويات العربية على الإنترنت بأخذ موسوعة ويكيبيديا كمثال وتحليل مصادر مساهمتها (نعم، سألت عن الخصوصية! لكن تبين أنه التحليل يتم بطريقة مجهولة أي بدون ربط المساهمين بأرقام الآيبي). ذكر د.علي أنهم استخدموا لغتي البرمجة بيرل وبايثون في المشروع. تحدث د.علي أيضا عن أن من الفوائد التي يمكن أن تجنى من البحث اكشتاف الأشخاص الذين يمثلون العرب على الإنترنت والأسباب التي تسبب الفجوة بين الجنسين والتشريعات التي يمكن أن تحد من نشاط منطقة معينة.

يامن بوريش

تحدث بعد ذلك يامن بوريش المساهم في ويكيبيديا الفرنسية عن كيفية تسجيل حساب في ويكيبيديا والمساهمة فيها وأعطى نبذة عن مشروع ويكي تونس.

نواة

اتجهنا مساءً إلى مقر نواة وهو موقع وِب سياسي كان محجوبا إبان النظام السابق صار اليوم منظمة غير حكومية مسجلة رسميا تجعل مقرها حاضنا لمتطوعي البرمجيات الحرة والمشاريع التقنية الناشئة. التقينا هناك بدونتلا من مؤسسة المشاع الإبداعي وبالمدون والناشط الحقوقي سامي بن غربية (أعترف أني لم أكتشف أنه هو هو سامي بن غربية إلا متأخرا :)) وعلي وشمس الدين وهما عضوان مؤسسان لحرب القراصنة التونسي الذي يسعى لحماية الحريات الرقمية وإصلاح قوانين حقوق النشر. تحدثنا هناك عن أشياء عدة وأخذنا علي ويامن في جولة ثرية عن تاريخ نضال المدونين تحت النظام السابق والبرنامج السياسي لحزب القراصنة التونسي وتحدثنا مع دونتلا عن نشاط المشاع الإبداعي في العالم العربي.

تجدر الإشارة هنا إلى أن واحدة من الأشياء الجميلة التي حدثت بعد الثورة أن الإنترنت في تونس أصبحت أخيرا حرة ودون رقابة من الحكومة تماما كما أرادها جيل الإنترنت الأول.

ماتسكتنيش

ملصق عند مدخل نواة: ماتسكتنيش!


إحدى غرف نواة. مكان مثالي لاجتماع الخارقين. 🙂


ملصق في نواة يتهكم على سياسة الحجب في النظام السابق إذ لم تكن تُعرض رسائل تخبر المستخدم بأن الموقع محجوب بل يُرسل خطأ تقني مزيف أن الموقع غير موجود أساسًا.

مظاهرات

كان من المفترض أن نزور المتحف الوطني ونتحدث مع مسؤولين فيه ظهر السبت (28 يناير). سبقنا سايفرز إلى هناك لكن أقيمت مظاهرة في شارع الحبيب بو رقيبة أوقفت خط الترام لقرابة ساعة مما منعني ومشيرة من اللاحق به. اسألوا سايفرز عن تلك الجزئية.

أيضا من الضروري أن أذكر أني رأيت هنا للمرة الأولى موقفا سياسيًا شريفًا للأمن الذي كان يرافق المسيرة لا ليقمعها ولا ليرصد المشاركين فيها ليلاحقهم بل ليحمي حقها الإنساني في التعبير والتجمع، تخيلوا؟ 😐

جانب من المظاهرة

جانب من المظاهرة

متظاهر يحمل لافتة ضد السعودية وقطر.

صالون المشاع الإبداعي

ملصق الصالون


ذهبنا مساءً إلى صالون مؤسسة المشاع الإبداعي وهو لقاء ثري للنشطاء والمدونين والفنانين المهتمين بتشارك الثقافة حضرته فرقة الراب التونسية Armada Bizerta التي غنت أغنيتين جميلتين من أغاني الثورة (رغم أن كلاهما باللهجة التونسية الغريبة على الأذن الخليجية :)). عقب ذلك كلمة لدونتلا عن نشاط مؤسسة المشاع الإبداعي في العالم العربي خلال السنة الفائتة (حفلات الإفطار وافتتاح مستودع قناة الجزيرة للوسائط الحرة مثلا) أيضا حضر اللقاء علي وشمس الدين (من حزب القراصنة) وسامي بن غربية ويامن. اضطررنا لمغادرة الاجتماع مبكرا لموعد ودعنا فيه د.علي لكن دونتلا كتبت بتفصيل عما حدث في الصالون.

طبعا وجدتها فرصة سعيدة لارتداء قميص المشاع الإبداعي. 😉

جولة التصوير

قمنا صباح يوم الأحد (29 يناير) بجولة تصوير في مدينة سيدي بوسعيد شاركنا فيها طلاب من مدرسة المهندسين. الغرض من الجولة التقاط صور ثم رفعها إلى مستودع الوسائط الحرة ويكيميديا كومنز. المدينة جميلة جدا تجتمع فيها الجبال العالية والجو العليل وشواطئ البحار. تحدثنا هناك أيضا عن مشكلة غياب المحارف العربية من لوحات مفاتيح كثير من الحواسيب المحمولة. تبين أن كل الطلاب لا يمتلكون محارف عربية على حواسيبهم، لكن اثنان (من ستة) يحفظان مواضع المفتايح العربية. الآخرون إما يستخدمون يملي أو لا يكتبون العربية أساسًا.

مقهى مطل على البحر في سيدي بو سعيد

سوسة

في عصر ذلك اليوم ذهبنا أنا ومشيرة ويامن إلى مدينة سوسة حيث التقينا ثلاثة: مساهمان في ويكيبيديا وهما الحبيب مهني ووائل غباره وناشط برمجيات حرة هو نزار كركيني. كانت جلسة لطيفة مع أناس يسعد من يلقاهم وكان مما تحدثنا عنه إقامة دورات تدريبية لطلاب الجامعات ومشكلة غياب لوحة المفاتيح العربية وقلة استخدام طلاب الجامعات للعربية أساسًا في أبحاثهم وواجباتهم. كنتُ أرى أن تلك المشكلة أكبر من أن تطالب ويكيبيديا بمعالجتها (حاليا على الأقل) وأن علينا التفكير في تشجيع المساهمة في ويكيبيديا الفرنسية.

8 فبراير: وسعتُ هذا الجزء.

الختام

غادرت تونس ظهر الاثنين متجها إلى القاهرة ثم الرياض. شاءت الأقدار أن يؤكد لي مرة أخرى الوعي السياسي المرتفع لعموم التونسيين بدرس ثري من سائق سيارة الأجرة البسيط الذي أوصلني للمطار أعجز من بعده مثقفينا. 🙂

التجربة كانت ممتازة. إن شاء الله تكون بداية موفقة لانطلاقة فريق ويكيبيدي نشط من تونس.

من رسائل المرزوقي في المنفى

مما لا شك فيه أن لخبرة المخلوع ابن علي فضل كبير على وزراء الداخلية العرب اعترفوا به وشكروه عليه وكان كل ذلك شؤم على الشعوب العربية. ربما حان وقت الاستفادة من خبرة رئيس تونس، لكن ليس ابن علي هذه المرة طبعا بل الدكتور المنصف المرزوقي.

في أكتوبر 2010، أرسل المنصف المرزوقي عشر رسائل فيديو لشباب تونس (أنصح بشدة بالاستماع إليها) سعى فيها إلى تشخيص المشاكل التي تواجهها البلاد في تلك المرحلة العصيبة وكيفية التعامل معها، ولأن من المهم جدا فهم تلك المرحلة لفهم الانتفاضة التونسية واستباط الدروس منها ولأن كثيرين قد لا يملكون من الوقت أو الرغبة ما يدفعهم إلى الاستماع إلى المقاطع العشرة، سأكتب أهم عشر دروس ذكرها المرزوقي في رسائله.

  • يسطر تاريخ كل شعب نضالا مجيدا لأجيال مضت، والأنظمة الاستبدادية تهدف لمحو هذا التاريخ وتغييبه. من واجب الشباب أن يتشبعوا من تجارب الماضي ويتعلموا من أخطائه ليؤدوا مسؤولياتهم التاريخية أمام أوطانهم وأممهم.
  • عندما تفرغ حيل الأنظمة الاستبدادية وينفضح كذبها، لا يبقى أمامها سوى استخدام القوة القصوى لقمع أصغر حراك خشية أن يأتي اليوم الذي تفتح فيه السجلات التي تدون خيانتها وفسادها وفشلها الإداري، وحل ذلك بالنسبة للأنظمة أن تبقى في السلطة لأطول فترة ممكنة.
  • وظيفة مؤسسات الدولة توزيع جملة من القيم على المجتمع، فالمؤسسة الأمنية تنشر قيمة الأمن والطمأنينة، والمؤسسة التعليمية تنشر العلم والثقافة والمؤسسة القضائية تنشر العدالة لكن مع سيطرة نظام استبدادي على مرافق الدولة، تنقلب كل مؤسسة لخدمة ما يضادها فبدلا من أن تحمي المؤسسة الأمنية المجتمع من الجريمة المنظمة، تحمي الجريمة المنظمة من المجتمع وعندما تنزع القيم من الدولة تنهار، وينهار معها الإحساس بالاستقرار والطمأنينة وتتوقف عجلة التطور والازدهار.
  • تحكم الأنظمة الاستبدادية بطريقة المافيا ولها أجنحة متصارعة تكن العداء الشديد لمن سواها.
  • لا يمكن أن يعوض الاستقرار الاقتصادي النسبي الحالة النفسية المتردية للشعوب التي سبّبها وعيها بوحشية الأنظمة الاستبدادية ودناءتها التي لم يسبق أن شهدها تاريخ المنطقة، كل ذلك مع إحساس بالعجز عن الرد.
  • لا يوجد أجبن من الأنظمة الاستبدادية ولا يجوز أن تخاف الشعوب من جبناء؛ وكل تجاذبات الواقع السياسي بين الأنظمة والشعوب اليوم ليست إلا تغيرا في توازن الخوف وسيفوز الأقل خوفا. “الشعب خايف من إلي خايف من الشعب”.
  • تسعى الأنظمة الاستبدادية إلى التدمير النفسي بثلاثة سبل: التخويف بأن يشعر الإنسان أن جواسيسها في كل مكان والإذلال بأن يجردوا كل من سواهم من كل قيمة وأن يزعموا أنهم أصحاب المبادئ وزرع اليأس بأن الأنظمة مسيطرة على كل مرافق الحياة وأن التغيير مستحيل.
  • التدين المطلوب ليس الذي يأخذ الشباب من الشارع إلى المسجد بل العكس، والذي يذكرهم بالكرامة التي فقدوها ومكارم الأخلاق العربية الأصيلة.
  • ربما تكون عملية التحرر أصعب مما نتصور وقد يلزم لها جيل أو جيلان وقد نشهد قمعا لم يسبق له مثيل لكن ليس أمامنا حل آخر.
  • لتسترجع الشعوب معنوياتها يجب أن يكون لها هدف، ولو كان بمثابة الحلم فلو أن مارثن لوثر كنغ لم يحلم لما صار أوباما رئيسًا ولو أن مانديلا لم يحلم لما تحررت جنوب أفريقيا. لنحلم بأوطان تهيمن فيها إرادة الشعوب ويسود فيها القانون ويحمي فيها القضاء العدالة، وينشر فيها الإعلام الحقيقة.