عن ويكيمانيا 2013

أختتم الأسبوع الماضي مؤتمر ويكيمانيا 2013 وهو المؤتمر السنوي لحركة ويكيميديا الذي تعرض فيه أبحاث وتروى فيه تجارب وتعقد فيه ورش عمل وعصف ذهني عن نشر المعرفة الحرة عبر ويكيبيديا ومشاريعها الشقيقة. هذه الدورة الثالثة من ويكيمانيا التي أتمكن من حضورها بعد عام 2010 في غداسنك وعام 2012 في واشنطن. حضر هذه المرة من العرب تسعة: أحمد وآية وعبد الناصر (من برنامج ويكيبيديا لتعليم في مصر) ورشاد (شاب يهمه رفع الوعي التقني في المجتمع اليمني) ورڤان وزكريا وعبّاد ومحمد عودة (المساهمون المخضرمون في ويكيبيديا). عُقِدت هذه المرة -ولأول مرة- جلسات قدمها مساهمون عرب وجلسات عن ويكيبيديا العربية خصّصتُ لها قسمًا في آخر هذه التدوينة، قبل الخاتمة.

الافتتاح

أفتتح المؤتمر بعرض تنانين صينية ظريفة وبفرقة غنائية أدمت أذاننا بصخبها وأيقظتنا في ذات الوقت. :p تلى ذلك كلمة قصيرة لرئيس وحدة المعلومات في حكومة هونغ كونغ الذي تحدث عن أن نسبة الوصول للإنترنت في هونغ كونغ 280% (بحكم امتلاك كثيرين أكثر من جهاز محمول متصل بالإنترنت) وبأن معدل سرعتها 57 ميغابت/ثانية وذلك هو الأسرع عالميا، لكنه كمسؤول حكومي كان -كما هو المتوقع- متطفلا عن المجتمع إذ بدأ بتحية شخصية لمؤسس ويكيبيديا جيمي ويلز -وهو ما لا ينبغي فعله في مؤتمر مجتمعي- وبتعريف بموسوعة ويكيبيديا -في مؤتمر يفترض أن من فيه خبراء بدقائق الموسوعة وكواليسها- ثم افتخر بأن هيرتج فاونديشن (وهي ذراع فكري لليمين المحافظ الأمريكي) اعتبرت هونغ كونغ أكثر بلد يمنح الحرية للشركات.

التنانين ترحّب بالويكيبيديين (CC BY-SA 3.0)

بعد ذلك ألقى الكلمة الرئيسية لليوم الأول من المؤتمر ماكوتو أوماكوتو وهو باحث ياباني تحدث عن مشروع saveMLAK، وهو موقع تعاوني يعمل بتقنية الويكي أطلقه في اليوم التالي للزلزال الذي ضرب اليابان في 11 مارس 2011 ليوثّق المكتبات والمتاحف والأراشيف وغيرها من المؤسسات الثقافية التي تضررت من الزلزال ليتمكن الناس من حصر الخسائر ويتعاونوا على ترميمها. تمكنوا من توثيق 934 مؤسسة متضررة ولعب الموقع دور الوسيط في جمع المال لبناء عدة مكتبات عامة.

بعد ذلك ألقى جيمي ويلز كلمته السنوية “حالة الويكي”، وابتدأها بالحديث عن أنه لأول مرة خلال سنة واحدة كسرت 4 ويكيبيديات حاجز المليون مقالة وهي: الروسية والإيطالية والإسبانية والسويدية (الأخيرة استخدمت برنامجًا آليًا لتوليد مئات آلاف المقالات عن قرى ومدن)، كما انتقد الصين وإصرارها على رقابة ويكيبيديا وحجب بعض مقالاتها لأن ذلك يقيّد الصينيين ويحرمهم من “حق الاشتراك في رواية القصة الإنسانية”، وأن ذلك حق يعلو على السلطات ويجب أن تحترمه. بعد ذلك حيّى مساهمي ويكيبيديا الفرنسية الذين تصدوا للمخابرات الفرنسية التي طالبتهم بحذف مقالة عن برج عسكري فرنسي بحجة أنها تشي بمعلومات سرية (رغم أن المقالة استندت عن مصادر منشورة مسبقا)، وأعلن أن جائزته السنوية (“ويكيبيديّ السنة” الذي يُمنح 5000$) ستذهب للإداري الفرنسي الذي استدعي وُهدّد. تسبّبت المخابرات الفرنسية بضجة حول المقالة وترجمة لأكثر من 28 لغة (منها العربية طبعا!) أثنى أيضا على عميل وكالة الأمن القومي الأمريكية إدورد سنودن الذي وشى بعدة عمليات تجسس تقوم بها الحكومة الأمريكية لكنه استعرض الأسلوب الذي تعاطى الإعلام معه خبره وتركيزه على حياته الشخصية وأن حبيبته راقصة جميلة بدلا من التركيز على أن الحكومة تعتدي على ملايين المواطنين وذكر أنه يبحث إطلاق مشروع إعلامي بديل يجعل للقراء رقابة حقيقة على الصحفيين ومكانة تكافئهم في تقرير ما الأخبار المهمة إن لم تكن مكانة تعلو عليهم، لكنه أكد على أن المشروع لا يزال فكرة وأنه سيسعد بلتقي أي مرئيات عن الأسلوب الأمثل لخلق هذه الوسيلة الإعلامية المجتمعية. اختتم الكلمة بعرض مقطع فيديو يشكر فيه المديرة التنفيذية لمؤسسة ويكيميديا التي ستغادر المؤسسة خلال السنة القادمة.

الأبحاث

في كل سنة يلقي بنجامين ميكو هِل (وهو ناشط معروف في مجتمعي البرمجيات الحرة والثقافة الحرة) كلمة يستعرض فيها الأبحاث التي أجريت على ويكيبيديا. أجري السنة الفائتة حوالي 800 بحث على ويكيبيديا ومشاريعها الشقيقة واختار منها 6 أبحاث. البحث الأول أجراه باحث متخصص في تأريخ الموسوعات ودراسة نشأتها وحدّد ثلاثة مراحل تُتّبع تاريخيا لكتابة كل موسوعة: 1) البحث عن المعلومات، 2) تجميع المعلومات، 3) صياغتها جماعيا. رأى الباحث أن موسوعة ويكيبيديا لا تعتبر قفزة على هذا السياق التاريخي. البحث الثاني أجراه باحث لغوي تمكن من إنتاج شبكة ضخمة تربط الكلمات بمرادفاتها وأضدادها اعتمادًا على مشروع ويكاموس الشقيق لويكيبيديا، وهذا -حسب ما أتصور- مهم جدا للذكاء الصناعي. الجيد في الموضوع أن الباحث أطلق الأداة التي طوّرها برخصة حرة ليتمكن الجميع من الاستفادة منها وتوليد الشبكة كلما تطوّر القاموس. البحث الثالث عن جودة ويكيبيديا، وأشار ميكو إلى أن الأبحاث التي تتناول هذا الجانب لا تنال اهتمام الويكيبيديين رغم إمكانية التعاون مع الباحثين في تصحيح الأخطاء التي يجدونها. البحث الرابع عن صفحات النقاش وعلاقة القراء بها إذ وجد البحث أن القراء عادة لا يعرفون أن صفحات النقاش موجودة أصلا، وأنهم إذا عرفوا أنها موجودة يُقيّمون المقالات تقييما أقل من تقييمها قبل أن يكتشفوها لكن نظرتهم لويكيبيديا تتحسن (أتصور لأن صفحات النقاش تستعرض جوانبًا خلافية قد يكون القراء قد سهوا عنها، لكنهم أيضا يستوعبون أن خلف ويكيبيديا مجتمع نشط من المحررين الجادين الذين يسعون لتحسين مقالاتها). البحث الخامس اعتمد على المنهجية التي يتبعها باحثو النصوص في تحليل الكتابات التي يشترك في تأليفها عدة أشخاص لتحديد الأجزاء التي كتبها كل شخص اعتمادا على تنوّع أنماط التأليف. غاية البحث إيجاد وسيلة آلية لاكتشاف “دمى الجورب” (وهي حسابات عدة يديرها شخص واحد لخلق تأييد وهمي للتأثير على مجرى النقاش). توصّل الباحثون إلى طريقة آلية مكّنتهم من اكتشاف 80% من حالات دمى الجورب آليا. البحث السادس تناول الملاحظات التي يتبادلها الويكيبيديون وأثرها على الناس. خلص البحث إلى أن الويكيبيديين القدامى لا تؤثر عليهم الملاحظات بعكس الجدد (نسيت حقيقة نوع التأثير :))

بعد كلمة بنجامين تحدث ويكيبيديان من السويد عن استطلاع أجرياه على أعضاء البرلمان السويدي للتعرف على نظرة المؤسسة التشريعية لويكيبيديا. شارك 98 عضوا من أصل 349 لكن الباحثين أشارا إلى أن الذين شاركوا في الاستطلاع هو غالبا المتعاطفين مع الموسوعة وهذا قد يسبب تحيّزا في البحث. نوّه الباحثان أيضا إلى أن تمثيل الذكور في البرلمان السويدي أعلى، لكن تبيّن أن نسبتهم 53% فقط. سألت أحد الباحثين عن التفاوت في التعاطي مع الموسوعة بين الأحزاب اليمينية واليسارية للموسوعة فقال أن اليسار أكثر تعاطفًا معها (حزب الخضر مثلا). إجراء هذا البحث في السعودية سيكون أسهل لأن “المؤسسة” التشريعية يسيطر عليها شخص واحد. 😀

بعد ذلك حضرت كلمة أخرى لبنجامين ميكو هِل استعرض فيها مع آرون شاو بحثا أجرياه عن “بيئة الويكيات” حيث حللا بيانات حصلوا عليها من موقع ويكيا (وهو موقع ضخم يستضيف مواقع الويكي) ليقارنوا علاقة حجم الويكي بالمساواة بين مساهميها، وتنافسها على أوقات المحررين وجهودهم. لا تزال أطروحتهما في طور البحث، ولا تزال النتيجة التي خلصا لها ليست واضحة.

استراحة قهوة في المؤتمر (CC BY-SA 3.0)

بعدها استعرض باحث من جامعة ستانفورد بحثًا أجراه عن القيود التي نشأت في ويكيبيديا وعنون لكلمته بـ”الأخ الأكبر يراقبنا“. تحدث عن أن الطبقية والتراتبية (كوجود حكام ومحكومين) ليست هي الوسيلة الوحيدة للقهر في المجتمعات بل يمكن أن ينتج القهر بين الأنداد، وأن تراكم السياسات وإرشادات التحرير يخلق “عصابة” متمكنة تجد لكل رأي لها سندًا في السياسات. تحدث أيضا عن أن المساواة في ويكيبيديا ليست تامّة فمثلا في حين يساهم المجهولون بربع محتويات ويكيبيديا، لا تمثل أصواتهم إلا جزاءً واحدًا من عشرين جزءًا (1/20) حين اتخاذ القرارات فيها. عقب الكلمة نقاش اعترض فيه بعض الحضور على أن الباحث قال أن في مجتمع ويكيبيديا ما يشبه برج المراقبة لتوجيهه، وشبهوا المجتمع ببيت جدرانه من زجاج يرى كل واحد كل ما يفعله الآخرون مما يسبب ضغطا كبيرا بين الأنداد.

مشروع GLAM

حضرت بعد ذلك جلسة لمشروع GLAM (وهو مشروع لحث المعارض والمكتبات والأراشيف والمتاحف على تحرير ما عندها من مواد ونشرها عبر ويكيبيديا ومشاريعها الشقيقة). تحدث فيه ويكيبيدي ألماني عن استراتيجية لتحريض الحكومات على نشر ما عندها من بيانات. يقول أن الاعتراض الذي يتكرر كثيرا أن المؤسسات الحكومية ستخسر مصدرا للدخل إذا نشرت ما تملك من بيانات برخصة حرة فطلب من نائب في البرلمان الألماني أن يستفسر رسميا عن مقدار الدخل الذي تتلقاه الحكومة من ترخيص ما تنتج من بيانات. تبين أن الشرطة الفيدرالية الألمانية مثلا تكسب 128 يورو فقط من ترخيص البيانات سنويًا، أما الحكومة الألمانية مجملا فلا تكسب سوى 5 ملايين وهو ما يكافئ 0.0018% من ميزانيتها السنوية. أحيانا يشتكي المعارضون من أن إتاحة المواد وتسليمها لمن يطلبها مكلف بحد ذاته وأن حقوق النشر مفيدة لتسديد تلك التكاليف. رأى المتحدث أن الواجب هنا أن تسمى تلك التكاليف باسمها: “تكلفة تسيلم”، بدلا من أن تستخدم حقوق النشر لتسديد تلك التكاليف التي لها آثار سلبية مهولة. شارك بعض الحضور تجاربهم في الضغط على الحكومات فذكر ويكيبيدي فرنسي أن للقضية بعدا سياسيا في فرنسا لأن بعض السياسيين قد يحرصون على زيادة ميزانية جهة معينة (كالمتاحف العامة) فلا يجدون وسيلة لزيادتها مباشرة فيحرصون على أن يبيع المتحف تراخيص لاستخدام ما عنده من مواد إلى بقية الجهات الحكومية لكن هذه الوسيلة بحد ذاتها مكفلة لأنها تجبر المتحف على وضع البنية التحتية لهذا البيع فيضطر لإنشاء قسم محاسبة وقسم قانوني وهذه الوسيلة الملتوية غير كفوة لزيادة الميزانية، عدى أثرها في تقييد المعارف.

فيما يخص عالمنا العربي المشكلة أكثر تعقيدا لأن الحكومات لا تنشر أصلا ما عندها من بيانات ناهيك عن أن تسمح باستخدامها. ثمة مبادرة في تونس للحوكمة المفتوحة لحث الحكومات على أن تعمل بشفافية، وأظن أن هذه الخطوة ينبغي أن تكون نقطة الانطلاقة في أي بلد يسعى لأن تحرّر فيه البيانات الحكومية.

الإنترنت في وسط الصين وهونغ كونغ

ألقى الكلمة الرئيسية في اليوم الثاني رجل أعمال من هونغ كونغ هو أول من أسس شركة اتصالات في المدينة وكانت مقارنة بين الإنترنت في وسط الصين وفي هونغ كونغ. حُجبت في ويكيبيديا في وسط الصين سبع مرات من عام 2004 إلى عام 2013، وحاليا بعض المقالات محجوبة والاتصال الآمن (HTTPS) بالموسوعة كله محجوب. أشار إلى سبعة محرمات لا يجوز الحديث عنها في الإنترنت في وسط الصين: المجتمع المدني والحقوق المدنية والقيم الكونية ورأسمالية المحسوبية (وهي تدعي الشيوعية!) وأخطاء الحزب الشيوعي وحرية الصحافة واستقلال القضاء. معظم الخدمات الشهيرة عالميا محجوبة في الصين لكن لها بدائل محلية تخضغ لسلطة الدولة. أشهر بديل لتويتر مثلا Weibo وذكر المتحدث أنه أفضل تقنيا من تويتر. ثمة موقع يوثق ما يُحذف من تلك الخدمة ليسهل دراسة عقلية الرقيب الصيني. أشار إلى أن خدمات VPN غير محجوبة في الصين لأن الشركات تعتمد عليها كثيرا، لكن تكلفتها فوق قدرة الغالبية العظمى من الصينيين. كيف يتغلب الصينيون على الحجب إذا؟ يسعون لتناول المواضيع الحساسة دون أن يقعوا على المحظور ذاته، ويستخدمون صور GIF التي لا يمكن مراقبة ما يكتب فيها آليا ويخترعون بين فترة وأخرى مصطلحات جديدة للإشارة إلى المواضيع المحظورة. مثلا في 2010 فاز ناشط صيني بجائزة نوبل وكان مسجونا فوضعت القلادة على كرسي فارغ في حفل التكريم فاستخدم الصينيون صورة الكرسي للإشارة لما حدث.

انتقل بعد ذلك للحديث عن القيود على الإنترنت في هونغ كونغ إذ يوجد قانون يمنع “التصرفات الإجرامية” على الإنترنت وهو فضفاض يمكن أن يدان بناءً عليه من ينتحل اسم الحكومة على الإنترنت ومن يشترك في هجمات DDoS. تحاول الشركات أيضا أن تضغط على الحكومة لتلاحق الذين يتشاركون الملفات والموسيقى بحجة فرض حقوق النشر. من ناحية أخرى قدمت حكومة هونغ كونغ أكثر من 13 ألف طلب بيانات من مواقع الإنترنت خلال 3 سنوات.

التعليم

تحدث معلم سويسري عن تجربته في تعريف ويكيبيديا لطلاب المرحلة المتوسطة فهو يُدرّس علوم الحاسوب ويُعرّف طلابه على الموسوعة وأسلوب التعامل معها والمساهمة لها كجزء من المقرر فيطلب منهم في البداية أن يبحثوا موضوعا معينًا في الإنترنت (يكون الموضوع حديث الأخبار عادة) ثم يناقش معهم وثوقية المصادر التي جلبوا منها معلوماتهم (ووجد أنهم باستمرار يظنون أن ويكيبيديا هي المصدر الأكثر وثوقية) ثم يعلمهم على الموسوعة.

حضرت أيضا كلمة ألقاها اثنان: طبيب نشيط في إثراء مقالات ويكيبيديا الصحية ورئيسة منظمة مترجمون بلا حدود وهي مؤسسة خيرية تجمع مترجمين متطوعين لأغراض “إنسانية”. تحدثا عن الأهمية البالغة لويكيبيديا في نشر الوعي الصحي كمرجع يلجأ إليه مئات الملايين وعن نقص المراجع الصحية العمومية الأخرى (إما لسطحيتها البالغة أو لرداءتها). حدّد الطبيب من 80 إلى 100 مقالة مختارة وجيدة باللغة الإنجليزية وراجع بعضها وحدثها ودققها. بعد ذلك تُبسّط المقالات الإنجليزية وتستخدم فيها مصطلحات عامة لتسهل ترجمتها. ثم ينجز الترجمة شخصان: أحدهما يجري الترجمة الأولى والثاني يدققها. سأله بعض الحضور عن خطر أن تعتبر ويكيبيديا مرجعا للمعلومات الصحي فشدّد على أنه لا يوجد أي مرجع صحي موثوق كله ولا سيما مع الاكتشافات المتسارعة في المجال الصحي والسقطات التي لا تغيب حتى عن الكتب الرصينة وعلى ضرورة التعامل النقدي مع ويكيبيديا ومع كل مرجع.

المؤسسة

تحدث مشرف برنامج المنح في مؤسسة ويكيميديا عساف بارتوف عن سياسة المؤسسة الجديدة تجاه “الجنوب العالمي” (والمصطلح عموما مصطلح استعماري أكّد عساف أنه سيء لكنه ذائع). شدّد على أن ويكيبيديا تمنح قوة وتمكينا لمن يساهم فيها لأنه سيكون قادرا على توثيق نظرته في مرجع عالمي مهول وأن نقص تمثيل أي جماعة يعني أن الموسوعة ستكون متحيزة ضدهم ولن تنتجح في نقل تصوراتهم واهتمامتهم. يعيش 81% من سكان العالم في “الجنوب العالمي” لكن نسبة المساهمين لويكيبيديا من ذلك الجزء لا تتعدى 21% ونسبة المشاهدة 25%. تحدث عساف عن بعض المبادرات التي أطلقتها المؤسسة وشجّعتها وأن من أكثرها نجاحا مبادرة النسخ المتوفرة من غير اتصال لأنها وسّعت أفق كثيرين ممن لا يملكون الاتصال بالإنترنت وجعلت مرجعا ثريا في متناول أياديهم. أشار أيضا إلى نجاح مبادرات “ويكيبيديا صفر” لتصفح ويكيبيديا من غير تكلفة وطبقت في عدة دول (منها السعودية عند استخدام STC) انتقل عساف بعد ذلك للحديث عن المبادرات التي لم تنجح وذكر أن المهرجانات العامة التي تلقى فيها كلمة للعموم لا تحقق أثرا يذكر رغم أن تجمع الناس يشعر المنظمين بشيء من السعادة. ذكر أيضا أن المؤسسة قررت ألا تعمل في أي بلد لا توجد فيه نواة قوية من المهتمين المخلصين للمشروع الذين يعملون بأنفسهم دون أن ينتظروا جزاءً أو شكورًا وأن المؤسسة مستعدة لمد يد العون لكل فريق كهذا، لكن غياب هذه الفرق إحدى المشاكل الجوهرية التي يعاني منها “الجنوب”. يرى عساف أن برنامج التعليم يعد بخلق فرق مهتمة كهذه، لكن من الصعوبة بدء برنامج تعليم في مكان لا يتوفر فيه هذا الفريق وهنا نعود لمعضلة البيضة والدجاجة. تحدث عساف أيضا عن توقف المؤسسة عن توظيف أشخاص يعملون على تنمية المجتمعات الويكيبيدية “في مكان الحدث” (ولذا لم تُوظّف المؤسسة بديلا لمشيرة لمّا غادرت) وأنها بدلا من ذلك اتجهت لتمويل المؤسسات المحلية التي لها أهداف تتقاطع مع مؤسسة ويكيميديا شريطة أن تكون مؤسسات غير هادفة للربح وأن تعمل مع مجتمع ويكيبيديا المحلي. أخيرا ذكر عساف أن المؤسسة قررت التركيز على دول محددة بناء على عدد سكانها ونسبة الوصول للإنترنت ومستوى اللغة في ويكيبيديا وقدرة المؤسسة على خلق تأثير إيجابي في البلد وأن البلدان المستهدفة حاليا: الهند والبرازيل والفلبين والأرجنتين والمكسيك وأندونيسيا وتركيا ومصر.

ألقت المديرة التنفيذية لمؤسسة ويكيميديا سو غارندر الكلمة الرئيسية في اليوم الثالث والأخير فتحدثت عن ثلاثة جوانب عملت عليها المؤسسة خلال السنة الماضية: جذب المحررين، وتصفح الموسوعة وتحريرها من الجوال، وبرنامج المنح (الذي يشرف عليه عساف). استعرضت سُو رسالة جديدة صارت تعرضت للمسجلين الجدد في الموسوعة تعرفهم على عدة سبل للمساهمة خطوة خطوة، وذكرت أنه عند عرض الواجهة التقليدية يجري 20% من المسجلين تعديلهم الأول خلال 24 من التسجيل لكن النسبة ارتفعت إلى 22% مع الرسالة الترحيبية الجديدة (و 2% نسبة لا يستهان بها فعلا). تحدثت أيضا عن المحرر المرئي وذكرت أن المؤسسة تأخرت في إنجاز هذه المهمة لأنها كانت أصغر من أن تقدر على إنجاز مهمة ضخمة كهذه قبل عام 2009. قالت أن من الأشياء التي ستعالجها المؤسسة تصميم صفحات النقاش التي لا يفهمها المستخدمون الجدد. فيما يخص المنح ذكرت سُو أن المؤسسة سترفع المنح من 5.8 مليون إلى 8 ملايين خلال السنة القادمة. فيما يخص الجوال ذكرت سُو أن 3014 محررا ساهموا للموسوعة في الأسبوع الأول من إتاحة التحرير عبر الجوال وأن 65% منهم جدد. أخيرا عبرت سُو عن سعادتها بما وصلت إليه ويكيبيديا خلال السنوات القليلة الماضية وكيف أنها تحولت من نكتة هواة إلى مشروع تساهم فيه جامعة هارفرد.

الجلسات العربية

الويكيبيديون العرب الذين حضروا ويكيمانيا 2013

لأول مرة ساهم العرب بجلسات لمؤتمر ويكيمانيا. ثلاثة جلسات! أحسن عبّاد في تلخيصها ولذا سأكتفي بذكر ما لم يتطرق له وبتبيين وجهة نظري.

في الجلسة الأولى تحدّث زكريا -ببراعة- عن عيوب واجهة الموسوعة التي تشتت المستخدمين وتصعّب عليهم أداء المهام وذكر أن الواجهة ينبغي أن تكون أكثر قابلية للتخصيص لتتناسب مع المهمة المطلوبة بدلا من استخدام صفحة تعديل واحدة لأداء كل المهام وأوضح أن استخدام فيسبوك مثلا لا يتطلب قراءة أي تعليمات لأن الواجهة واضحة وتلائم كل غرض على حدة بينما يجد المساهم للموسوعة قائمة طويلة بالتعليمات عند أداء أي مهمة؛ وأشار أخيرا -بعد أن سألته- أنه عمل على إصلاح هذا الخلل في ويكيبيديا العربية (لكن زكريا يعمل بصمت :)). في الجلسة الثانية عقدت آية وأحمد وعبد الناصر ورشة عن المصاعب التي يواجهها مساهمو ويكيبيديا العربية. استعرض عبد الناصر في البداية مشاكل الترجمة عموما (وأظن أنه تناولها بتشعب)، وتحدثت آية عن مقترحات لدعم المساهمين العرب أكدت من بينها على أن تحرير الموسوعة من المنطقة العربية بطيء واقترحت أن توضع خوادم في المنطقة العربية لتحسين الأداء لكنها أشارت إلى أن وجود الخوادم يتطلب إنشاء مؤسسة ويكيميديا محلية تحظى باعتراف قانوني لتتولى إدارة الخوادم في المنطقة وأن علينا أن نسعى لذلك. أخيرا في الجلسة الثالثة تحدث محمد مصطفى وآية وليانا (مسؤولة العلاقات العامة في برنامج التعليم العالمي) عن برنامج التعليم في مصر وإنجازاته خلال السنتين الماضيتين. ذكروا أن نسبة النساء 87% وأن معدل بقاء المساهمين في الموسوعة 3-4% (لكن النسبة لا تشمل الذين يتطوعون بعد في تنظيم البرنامج نفسه).

اختلفت مع ما طُرِح في الورشة التي تناولت الصعوبات من عدة جوانب: أولا ينبغي فحص المشاكل التقنية بدقة وتأنٍ قبل أن نخلص لحلول مقترحة بعينها، وهذا ما لم يتم (في الحقيقة ذكر عبّاد أنهم لما سألوا مديرة التطوير في المؤسسة -بعد الورشة- عزت البطئ لامتداد المراجعات المعلّمة الذي تستخدمه ويكيبيديا العربية لا لبعد الخوادم). ثانيا المنطقة العربية تحت وطأة أنظمة قمعية لا يمكن أن نأمن على حرية الموسوعة إذا كانت خوادمها فيها لأننا سنكون ملزمين بتسليم السجلات لأجهزة “الأمن” عندما تطلب ذلك وسنضطر لحذف المحتويات التي لا تريد الأنظمة أن يقرأها الناس. رد بعض الحضور عن أن الأنظمة الغربية التي تلاحق جوليان أسانج وإدورد سنودن وتتجسس على العامة أيضا ليست حرة، وأتفق مع ذلك تماما لكن مغالطة كبيرة أن نساوي قمع الأنظمة الغربية بقمع الأنظمة العربية. ثمة هامش أوسع بكثير للتشهير بالحكومات والتصدي لها في بعض الأنظمة الغربية وعلينا أن نستفيد منه. ثالثا خبرتنا المحدودة وعددنا القليل وتشتتنا بين الدول لا يساعد أبدا في أن ننشئ مؤسسة محلية ذات كيان قانوني تغطي العالم العربي، ولهذه النقطة سأعود أدناه.

عقدنا في اليوم التالي لقاءً بين الويكيبديين العرب لنبحث الخطوة التالية. ثمّة ثلاثة منظومات تجمع مساهمي الموسوعة: مؤسسات ويكيميديا المحلية (Chapters، وهي كيانات مستقلة مسجلة قانونيا تعمل في حدود دولة محددة وتحظى باعتراف المؤسسة)، والمنظمات المتخصصة (Thematic، وهي كيانات مستقلة مسجلة قانونيا تُعنى بغرض معين دون أن تقيدها حدود دولة محددة وتحظى باعتراف المؤسسة)، ومجموعات المستخدمين (وهي كيانات مستقلة ليس لها اعتراف قانوني تُعنى بغرض معين وتحظى باعتراف المؤسسة وتمويلها، مثل تجربة البرازيل التي دوّنت عنها السنة الماضية). رأيت أن علينا تحديد البرامج التي نريد تحقيقها في العالم العربي قبل أن نخلص إلى منظومة محددة بعينها لأن المنظومة -أيا كانت- ليست غاية بل وسيلة لتحقيق تلك البرامج.

طلب زكريا من كل واحد أن يحدد برنامجًا يراه الأكثر أهمية حددنا: GLAM والويكي تهوى المعالم وبرنامج التعليم والخوادم. استثنينا سريعا المنظومة الأولى (مؤسسة ويكيميديا محلية) لأننا لا يمكن أن نكتفي بحدود قطر عربي واحد بل طموحنا العالم العربي كاملا، ثم حاولنا التفضيل بين النوعين الآخرين. رأى بعض الزملاء أن التمثيل القانوني مهم للغاية لأن بعض الدول العربية ترفض العمل مع أفراد وتطلب تمثيلا قانونيا ومؤسسة ويكيميديا غير قادرة على أداء هذا التمثيل من أمريكا لأن ذلك قد يعتبر ضربا من ضروب الهيمنة الأمريكية. رأى آخرون -وكنتُ منهم- أن المهم في المرحلة الراهنة أن نحدد خطة واضحة نعمل لإنجازها كمجموعة (ولم يسبق لنا أن صُغنا خطة ولا أن عملنا سويًا) وأنه ثمة مجال واسع لوضع هذا البرنامج وتنظيم الجهود واقتناص الفرص دون تضييع الوقت والجهد في علاج المعضلات القانونية واختيار البلد الأمثل ولاسيما أنه ليس لأي منا خبرة في التعامل مع هذه الأمور. كان رأيي أن ما نعاني منه ضعف المبادرة، لا غياب الغطاء القانوني وأنه ثمة فرص دائمًا للمهتمين في كل قطر أن يجتمعوا ويبحثوا عن الفرص المتاحة أمامهم دون أن يقف القانون عائقا أمامهم، لكن هذا التجمع لم يحدث، وعلينا أن نوجده في البداية ثم تكون الخطوة التالية -إن استلزم الأمر- كيان قانوني معترف به. تسآل بعض الزملاء عن القيمة التي ستضيفها مجموعة المستخدمين على مجموعات فيسبوك الموجودة حاليا، والفرق -حسب وجهة نظري- أنه سيكون لنا كيان واضح ذو خطة محددة تعترف به المؤسسة وتموله. لم نخلص لتوافق محدد.

تحدثت لاحقا مع مسؤول لجنة الاعتراف في مجتمع ويكيميديا وأخبرني أننا إن كنا نهدف لتأسيس منظمة متخصصة تمثل العالم العربي فعلينا أن نجد مساهما نشطًا واحدًا على الأقل في كل قطر عربي. أشار إلى أن بعض المشاكل التي ترد نظريًا قد لا يكون لها أثر حقيقي عند الممارسة العملية واقترح أن نبدأ أوليا بمجموعة مستخدمين تجمع المهتمين الذين يجربون العمل على أرض الواقع ويحددون العقبات التي يواجهونها ليتخذوا الخطوة القادمة عن بيّنة.

الخاتمة

المؤتمر تجربة جيدة جدا، جدا وفرصة متميزة للمشاركة في نقاشات عميقة عن مستقبل المعرفة الحرة وإطلاق المبادرات التي تقرّبنا للأهداف الكبيرة. تمكنت من حضوره بفضل منحة من مؤسسة ويكيميديا. أسعدتني الفرصة.

مشروعٌ للصيف: حرّر طفلا

مقدمة

تقتلني تلك الأجهزة المشعة التي تأخذ أجيالا من البشر إلى فضاءات افتراضية يتجردون فيها من حقوقهم وتقنّن فيها رغباتهم واختيارتهم بما يوافق غايات تربّحية قاصرة. ما أن يمسك الشخص جهازا معيبًا مثل آيباد حتى يتجرد من حرياته، وواحدة من أهم تلك الحريات: حرية أن يعدّل جهازه، وأن يُجرّب البرمجة.

حتى يُسمح لك بالبرمجة بنشر برامجك على آيباد مثلا يجب أن تدفع لأبل 99 دولارًا سنويًا، وأن تزوّدها باسمك وعنوانك وأن توافق على قائمة طويلة من الشروط التي تجعل كل ما تكتب حلالا لأبل. هذه الشروط (التعجيزية، لكثيرين، والمُنفّرة لآخرين) استحدثتها أبل. لم يحتج سيء الذكر ستيف جوبز أن يفي بشروط كهذه حتى يُجرّب ويكتشف مهاراته البرمجية حين تعرّف على الحاسوب في السبعينيات. لكن أبل قررت أن تُفرَض تلك العقبات، لأن مصلحتها تقتضي ذلك.

هذه العقبات لا تفرض على شخص أو شخصين أو مدينة أو مدينتين، بل على أكثر من 400 مليون جهاز وعلى مستخدميها، لكن في عالمنا اليوم لن تُطرَح أسئلة مثل: من سمح لهذه السياسات الحسّاسة أن تُعتمد، وأين نوقشت، وأين صوّت عليها الناس؟ ما يحصل أن آلة تضليلة ضخمة تستخدمها تلك الشركات لتقلب التقنية رأسًا على عقب ولتُحكِم تغولها وسيطرتها على أجيال متعاقبة معتمدة على خيارات لا واعية، ورغبات مُضلّلة.

البرمجة ليست ترفًا، إلا إذا كانت الكتابة كذلك، فالبرمجة ليست إلا كتابة يفهمها الحاسوب. تخيّل لو تمكنت من أن تأمر حاسوبك بما تشاء! أن تفهم البرمجة يعني أيضا أن تنمي ملكات كامنة تنقلك من مقعد المستهلك السلبي إلى مقعد المُنتِج المبدع، وأن تستوعب مهارات حل المشاكل وأن توسّع أفقك وخيالك، وأن تجد متعة في ذلك لا تقل عن متعة إسقاط الخنازير.

فهم البرمجة علاوة على ذلك كله يضيف بعدا مهما يساعد على استيعاب أعمق للقضايا التقنية. حين يُطلب منك مثلا التنازل عن كل بياناتك الخاصة مقابل خدمة بسيطة، سيسهل على من تعلّم أسس البرمجة أن يشكّك في أهمية ذلك، وأن يعي أن التقنية يمكن أن تُطوّر بما لا ينتهك حريات الناس وخصوصياتهم، لو قرّر المطورون ذلك. سيصعب على من لا يعرف كيف تعمل أن يتنبّه لذلك.

حل

قبل ست سنوات بدأ مجموعة من باحثي معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) مشروعًا حُرًا لتبسيط البرمجة للأطفال سمّوه سكراتش. يعتمد المشروع على رسومات مبسطة وعلى السحب والإلقاء لإنتاج ألعاب وأفلام كرتونية يتعلم خلالها الأطفال بسلاسة ذات الأسس التي تعتمد عليها أضخم البرامج: العبارات الشرطية، وعبارات التكرار، والمتغيّرات وسوى ذلك.

واجهة سكراتش الابتدائية (يتوفر بالعربية أيضا)

واجهة سكراتش الابتدائية (يتوفر بالعربية أيضا)

تشكّل حول المشروع أيضا مجتمع ضخم من أكثر من مليون طفل يرفعون الألعاب وأفلام الكرتون التي صمّموها، بدون قيود نشر اعتباطية فيتيح الموقع للجميع الاطلاع على الأوامر البرمجية خلف كل لعبة وفيلم، بحيث يمكن للأطفال أن يتعلموا مما أنتجه أقرانهم وأن يأخذوه ويُحسنوه في جو من التعاون الأخّاذ الذي ليس غريبا على مجتمع البرمجيات الحرة العظيم. 🙂

واجهة المشروع في غاية السهولة، وتوجد تعليمات مُضمّنة فيها تساعد على التقدم. توجد أيضا مقاطع تعليمية كثيرة على يوتيوب.

(سبق أن دوّنت عن بحث أجري على مشروع سكراتش وتعامل الأطفال معه وعُرِضت نتائجه في مؤتمر ويكيميانيا 2012)

المشروع

مؤخرا بُليت أختي الصغيرة غادة بآيباد. سأجعل تعريفها على سكراتش ومساعدتها على تصميم الألعاب فيه مشروعًا لي في هذا الصيف. لا ينبغي أن يُقفل أمام غادة -وعمرها 9 سنوات- باب واسع جدا من أبواب الإبداع لمجرد أن شركة ما تسعى جاهدة لتخليق تصرفاتها وإجبارها على الاستهلاكية.

سأكتب لاحقا عن التجربة. لا أثق صراحة بقدراتي التعليمية، لكن الأمر يستحق التجربة حتما. 🙂

أنهوا الحرب على التشارك

ريتشارد ستولمن مؤسس حركة البرمجيات الحرة وهي حركة اجتماعية تسعى لدمقرطة العالم الرقمي وحماية الحريات فيه بتمكين مستخدمي الحاسوب من استخدام البرمجيات كيفما شاؤوا وتشاركها مع من يحبون وفهمها وتعديلها دون قيود اعتباطية يفرضها المطورون عليهم. اهتمام ريتشارد ليس مقصورا على البرمجيات فقط بل ذهب أبعد من ذلك ليناقش حقوق النشر التي تحد من قدرة الناس على تشارك الأعمال الثقافية رغم أن التقنية الرقمية والإنترنت صارت تتيح أن يتمتع الجميع في كل مكان بالإنتاج الثقافي بلا حدود. في هذه المقالة يدعو ريتشارد لتغييرات جذرية في قانون حقوق النشر ليتوائم مع التطور التقني وليحمي حق الناس في التعاون والتآزر.

ترجمت هذه المقالة قبل بضع سنين لكنها بقيت مختبئة في موقع ريتشارد ستولمن وحان وقت نشرها هنا.

عندما تتشكى شركات التسجيل من خطر “القرصنة” فهي لا تعني الهجوم المسلح على البحارة. إن ما تشكو منه تشارك نُسَخ من الموسيقى، وهي ممارسة يشترك فيها الملايين في جو من التعاون. تستخدم شركات التسجيل كلمة “قرصنة” لتشوّه التشارك والتعاون بتشبيههما بالخطف والقتل والسرقة.

اُستُحدِثت حقوق النشر عندما مكّنت المطابع النَسْخ بكميات كبيرة وكان ذلك لغرض تجاري عادة. كانت حقوق النشر مقبولة في ذلك الظرف التقني لأنها مثّلت تشريعًا صناعيا، ولم تُقيّد قراء الكتب ولا مستمعي الموسيقى (لاحقًا).

بدأت شركات التسجيل في تسعينيات القرن التاسع عشر بيع تسجيلات موسيقية بكميات هائلة. سهّلت تلك التسجيلات الاستمتاع بالموسيقى ولم تتعارض مع الاستماع إليها. لم يكد يوجد خلاف على حقوق نشر تلك التسجيلات لأنها قيّدت شركات التسجيل وحدها ولم تقيد مستمعي الموسيقى.

تُمكّن تقنيات اليوم الجميع من إنشاء نُسَخ وتشاركها، لكن شركات التسجيل تسعى لاستغلال حقوق النشر لحرماننا من هذا التقدم التقني. إن القانون الذي كان مقبولا عندما قيّد الناشرين وحدهم يعتبر ظالمًا اليوم لأنه يمنع المواطنين من التعاون.

إن منع الناس من التشارك يتعارض مع الفطرة البشرية، وكثيرًا ما تقع العبارة الأورويلية “النسخ سرقة” على أذان صماء. يبدو أن الوسيلة الوحيدة لمنع الناس من التشارك أن تُشنّ حرب شعواء على التشارك، ولذا فإن شركات التسجيل تقاضي المراهقين -عبر RIAA (رابطة صناعة التسجيلات الأمريكية) وغيرها من الأذرع القانونية- وتطالبهم بدفع مئات آلاف الدولارات بتهمة التشارك. في نفس الوقت، تآمرت الشركات لتقيّد وصول العامة إلى التقنية فطوّرت أنظمة إدارة القيود الرقمية التي صممت لتُقيّد المستخدمين وجعل النسخ مستحيلا. من أمثلتها iTunes و أقراص DVD و Blueray (راجع DefectiveByDesign.org لمزيد من المعلومات). وعلى الرغم من أن هذه المؤامرات تعيق التجارة، إلا أن الحكومات تتعمد عدم وقفها.

ورغم ذلك يتواصل التشارك. إن الدافع الإنساني للتعاون قوي. ولذلك فإن شركات التسجيل وغيرها من الناشرين يطالبون بوسائل أقوى لمعاقبة المتشاركين. لقد اعتمدت الولايات المتحدة قانونًا في أكتوبر 2008 يُشرّع مصادرة الحواسيب التي تُستَخدم في التشارك المحظور؛ ويدرس الاتحاد الأوروبي مقترحًا لفصل الإنترنت عمّن يُتهم بالتشارك (دون الحاجة إلى أن يثبت عليه ذلك). راجع laquadrature.net إذا أردت المساعدة في معارضته. اعتمدت نيوزلندا في 2008 بالفعل قانونًا مماثلا.

سمعت في مؤتمر أفلام قبل فترة وجيزة عن مقترح يطالب الناس بالإفصاح عن هوياتهم ليتاح لهم الاتصال بالإنترنت، سوف تسهم هذه المراقبة أيضًا في سحق المعارضة وإلغاء الديمقراطية. أعلنت الصين اعتماد مثل هذه السياسة في مقاهي الإنترنت، فهل سيعقبها الاتحاد الأوروبي؟ اقترح نائب في المملكة المتحدة سجن الناس عشر سنوات على التشارك. لم يعتمد هذا المقترح (حتى الآن). في نفس الوقت يُطلب من الأطفال الوشاية بوالديهم (بأسلوب يشبه الأسلوب السوفيتي) عن النسخ غير المصرح بها. يبدو ألا حدود للوحشية التي ستنتهجها شركات حقوق النشر في حربها على التشارك.

حجة شركات التسجيل الأولى لمنع التشارك هي أنه يسبب “خسارة” في الوظائف. لقد تبين أن هذا الادعاء ليس سوى ضرب من الخيال.(1)

لكن حتى لو كانوا صادقين، فهذا لا يبرر الحرب على التشارك. هل يجب أن نمنع الناس من تنظيف منازلهم لنتفادى “الخسارة” في وظائف العمال؟ أو نمنع الناس من الطبخ لأنفسهم أو تشارك الوصفات لنتفادى “الخسارة” في وظائف المطاعم؟ هذه الحجج سخيفة لأن “العلاج” أشد ضررًا بكثير من “الداء”.

تزعم شركات التسجيل أيضًا أن تشارك الموسيقى يسلب المغنين المال. يعتبر هذا الادعاء من أنصاف الحقائق التي تعتبر أسوأ من الكذب، إلا أن الحقيقة فيه أقل بكثير من النصف.

حتى لو قبلنا بافتراضهم أنك لو لم تُنزّل بعض المقاطع الموسيقية لكنت اشتريت نسخا منها (وهو افتراضا يغلب خطؤه ونادرًا ما يصح)، فإن الموسيقيين ذوي التاريخ العريق والمشهورين جدًا هو وحدهم من سيجني مالًا مما اشتريت. إن شركات التسجيل تجبر الموسيقيين في بداية مسيرتهم على القبول باتفاقيات استغلالية تشمل 5 أو 7 ألبومات معًا. لا تكاد أن تصل مبيعات أي تسجيل يُنشر تحت هذه الاتفاقيات إلى كمية تكفي ليحصل الموسيقيون على سنت واحد منها. لمزيد من التفاصيل راجع هذه الوصلة. إذا تجاهلنا ذوي التاريخ العريق والمشهورين جدًا فإن التشارك لا ينقص سوى الدخل الذي تستغله شركات التسجيل في محاكمة محبي الموسيقى.

أما الموسيقيون الذين لا تستغلهم اتفاقياتهم (ذوو التاريخ العريق والمشهورون جدًا) فلا مشكلة خطيرة للمجتمع ولا للموسيقى إذا أصبحوا أقل ثراءً بقليل. هذا لا يبرر الحرب على التشارك. ونحن (العامة) يجب أن نضع حدًا لها.

يقول البعض أن شركات التسجيل لن تنجح أبدًا في إيقاف الناس عن التشارك وأن هذا مستحيل.(2) بالنظر إلى التفاوت بين قوة جماعات ضغط (“لوبيات”) شركات التسجيل ومحبي الموسيقى، فإني لا أعول على توقعات من سيفوز في هذه الحرب؛ على كل حال إن الاستهانة بالعدو خطأ. يجب أن نتوقع أن كلا الطرفين لهما إمكانية النصر وأن الناتج متوقف علينا نحن.

أيضًا حتى لو لم تنجح شركات التسجيل في سحق التعاون البشري فإنها تسبب الكثير من المعاناة بمجرد محاولتها ذلك وهي عازمة على إحداث المزيد منها. بدلا من أن نسمح لهم بمواصلة الحرب على التشارك حتى يعترفون أنها عقيمة، يجب أن نوقفهم في أقرب وقت. يجب أن نُشرّعن التشارك.

يقول البعض أن مجتمع الإنترنت لم يعد بحاجة إلى شركات التسجيل. أنا لا أدعم هذا الرأي. إني أرغب في شراء أسطوانات -بشكل سري- من متاجر التسجيلات، لكني لن أدفع لأنزل الموسيقى إلا إذا تمكنت من القيام بذلك بشكل مجهول. لا آمل أن يُقضى على شركات التسجيل كلها، لكني لن أتخلى عن حريتي لأجل أن تبقى.

إن غرض حقوق نشر -للتسجيلات الموسيقية وغيرها- سهل وواضح: أن تُشجّع الكتابة والفنون. إن هذا الغرض مقبول، لكن ثمة حدود لما يمكن تبريره به. إن منع الناس من التشارك غير التجاري غير مقبول. إذا أردنا تشجيع الموسيقى في عصر شبكات الحاسوب فعلينا اختيار الوسائل التي تتناسب مع ما نريد القيام به بالموسيقى، ومن ذلك تشاركها.

أدناه بعض المقترحات التي يمكن القيام بها:

  • يمكن لعشاق نوع معين من الموسيقى تنظيم نوادٍ تدعم الذين يحبون تلك الموسيقى.
  • يمكن أن نزيد النفقات للبرامج الحكومية الموجودة حاليًا التي تُموّل الموسيقى.
  • يمكن أن يُموّل الفنانون الأعمال المكلفة بالاكتتاب، على أن تُرد الرسوم إذا لم يُنجز العمل.
  • يجني كثير من الموسيقيين مالا أكثر من بيع البضائع للمعجبين من بيع التسجيلات. لو توجهوا نحو بيع البضائع فلن يوجد سبب لتقييد النسخ؛ بل على العكس تمامًا.
  • يمكن أن ندعم الفنانين الموسيقيين بنفقات عامة تُوزّع مباشرة عليهم وفق الجذر التربيعي لشهرتهم. استخدام الجذر التربيعي يعني أنه إذا كان الفنان الشهير “أ” أشهر ب1000 مرة من الفنان “ب”، فإن “أ” سوف يحصل على 10 أضعاف ما سيحصل عليه “ب” من نفقات الضرائب. إن هذه الوسيلة تضمن تعدد أنواع الموسيقى.
    يجب أن يضمن القانون أن شركات التسجيل لا تصادر هذه النفقات من الفنانين، لأن التجربة أظهرت أنها ستسعى إلى القيام بذلك. إن “تعويض أصحاب الحقوق” ما هو إلا قناع لإعطاء معظم المال لشركات التسجيل باسم الفنانين.
    يمكن أن تؤخذ النفقات من الميزانية العامة، أو من ضريبة خاصة مرتبطة بشكل غير مباشر بمن يستمع إلى الموسيقى، كضريبة على الأقراص الفارغ أو على الاتصال بالإنترنت. كلا الطريقتين سوف تؤدي المهمة.
    Mécénat Global” خطة مشابه إلى حد ما.
  • ادعموا الفنانين بمبالغ طوعية. هذه الوسيلة ناجحة لبعض الفنانين مثل Radiohead و Nine Inch Nails و Jane Siberry (sheeba.ca)، رغم اعتمادها على نظام ليس سهلا يتطلب من المشتري امتلاك بطاقة ائتمان.

    لو تمكن كل عاشق للموسيقى من الدفع بسهولة باستخدام أموال رقمية، ولو احتوى كل مشغل موسيقى زرًا يمكنك عبر نقره إرسال يورو واحد إلى الفنانين الذين أنتجوا المقطوعة التي تستمع إليها، ألن تنقره أحيانًا، ربما مرة كل أسبوع؟ الفقراء ومن هم في غاية البخل وحدهم سوف يُحِجمون.

قد تكون لديك بعض الأفكار الجيدة الأخرى. دعونا ندعم الموسيقيين ونُشرّعن النسخ.

الهامش

  1. راجع هذه المقالة، لكن تنبه إلى أنها تستخدم المصطلح التضليلي “الملكية الفكرية”، والذي ينشر اللبس بجمع قوانين غير مرتبطة ببعضها. راجع هذه الوصلة لمعرفة السبب في أن استخدام هذا المصطلح ليس جيدًا أبدًا في أية حال.
  2. راجع the-future-of-copyright.

المقالة منشورة برخصة المشاع الإبداعي النِّسبة دون اشتقاق 3.0. هذا يعني أن بإمكانك نشرها كيفما شئت شريطة ألا تعدلها.

بيان طلائع النفاذ المفتوح

أرُن سوارتز مطور ماهر وناشط فذّ قضى شبابه بين إنجاز وآخر: من تطوير آرإس​إس إلى المساهمة في ويكيبيديا إلى دعم المشاع الإبداعي تقنيا إلى تأسيس ردإت إلى المساهمة في أرشيف الإنترنت كان يسعى دوما لتحرير المعارف من شر الاحتكار وإتاحة النفاذ لها لأكبر عدد ممكن من الناس. حضر سوارتز مؤتمرا في إيطاليا في 2008 لحركة النفاذ المفتوح وعلى هامش المؤتمر نشر البيان المهم التالي. تعرض أرن لملاحقة الحكومة الأمريكية التي اتهمته بتهم تصل عقوبتها للسجن لأكثر من ثلاثين سنة. لم يحتمل أرن ذلك فانتحر في 11 يناير 2013. لمعرفة المزيد عن ملابسات قضيته استمعوا لهذه الحلقة الممتازة من راديو هند.

المعلومات قوة، وككل قوة ثمة من يريد الاستئثار بها لنفسه. إن الميراث العلمي والثقافي للعالم أجمع -الذي نُشر طوال القرون الماضية عبر الكتب والمجلات- ترقمنه بضع شركات خاصة وتحجره. هل تريد أن تقرأ بحوثا عن أشهر النتائج العلمية؟ يجب عليك أن تعطي أموالا طائلة لناشرين من أمثال ريد إلسيفر.

ثمة من يكافح ليغير هذا الأمر. كافحت حركة النفاذ المفتوح بشدة لتضمن أن العلماء لا يتنازلون عن حقوق النشر [لأولئك الناشرين] وأن تُنشر أعمالهم على الإنترنت ببنود تسمح للجميع بالنفاذ إليها؛ لكن حتى في أفضل الحالات سينطبق جهدهم فقط على ما سينشر في المستقبل. أما كل ما نشر سابقا فقد ضاع.

هذا ثمن باهض جدا. هل نجبر الأكاديميين على دفع المال ليقرؤوا أعمال أقرانهم؟ هل [نرقمن] مكتبات كاملة ثم لا نسمح إلا لموظفي غوغل بقراءتها؟ هل نوفر المقالات العلمية للجامعات النخبوية في العالم الأول ونمنعها عن الأطفال في جنوب العالم؟ هذا جنون غير مقبول.

سيقول كثيرون: “أتفق معك، لكن ما الذي يمكننا فعله؟ الشركات تتصرف بحقوق النشر وتجني أموالا طائلة من رسوم النفاذ وهذا قانوني تماما — لا يمكننا فعل شيء لنوقفهم”. بل ثمة شيء يمكننا القيام به، شيء يتم الآن: أن نحاربهم.

إلى من عنده نفاذ لتلك الموارد -سواءً كنتم طلابا أو أمناء مكتبات أو علماء: أنتم في نعمة. تنهلون من مائدة المعرفة التي حرم منها بقية العالم، لكن لستم مضطرين -ولا يحق لكم أصلا- أن تستأثروا بهذه النعمة. أمامكم واجب يحتم أن تتشاركوها مع العالم. يمكنكم أيضا أن تعطوا كلماتكم السرية لزملائكم أو تنزلوا [الأبحاث] لهم إذا طلبوا ذلك.

في ذات الوقت [أنتم أيها] المحرومون لم ترضوا أن تبقوا مكتوفي الأيدي. تبحثون عن الثغرات وتقفزون الحواجز لتحرروا المعلومات التي احتكرها الناشرون وتتشاركونها مع أصدقائكم.

لكن كل هذا يتم في الخفاء سرا ويسمونه سرقة أو قرصنة، كما لو كان تشارك كنز المعرفة يكافئ أخلاقيا الاستيلاء على السفن وقتل طاقمها؛ لكن النسخ ليس عيبا بل هو واجب أخلاقي. لا يمنع صديقَه من النسخ إلا من أعمى الطمع قلبه.

الشركات الضخمة طبعا أعماها الطمع، فالقانون الذي تسير عليه يتطلب ذلك ومساهموها سيثورون إذا لم تكن طماعة بدرجة كافية؛ كما رشت تلك الشركات السياسيين ليمرروا قوانين تمنحهم وحدهم سلطة يقررون بها من بإمكانه النسخ.

ليس من العدل اتباع القوانين الظالمة. حان وقت الظهور للعلن وأن نسير نحو العصيان المدني بأن نعلن معارضتنا للسرقة الخاصة للثقافة العامة.

يجب أن نأخذ المعلومات أينما خُزّنت فننسخها ونتشاركها مع العالم. يجب أن نأخذ المواد التي ليس لها حقوق نشر ونرفعها للأرشيف وأن نشتري قواعد البيانات السرية وننشرها على الوب وأن ننزل المجلات العلمية ثم نرفعها إلى شبكات تشارك الملفات. يجب أن نكافح كفاح طلائع النفاذ المفتوح.

إذا كان عددنا كافيا في شتى أنحاء العالم فلن نتمكن من إرسال رسالة قوية رافضين خصخصة المعرفة فحسب، بل سنجعل الخصصة جزءًا من الماضي. فهل ستنضم لنا؟

آرُن سوارتز

يوليو 2008. إريميو، إيطاليا

لا البيان الأصلي، ولا ترجمته يخضعان لحقوق النشر بل هما في الملكية العامة: انسخ كما تشاء، نقح كما تشاء.

وانتهت ويكيمانيا 2012!


واختُتم المؤتمر السنوي لمجتمع ويكيبيديا المسمى ويكيمانيا الذي عقد هذه السنة في جامعة جورج واشنطن في واشنطن العاصمة. أتحيت لي فرصة حضور المؤتمر للمرة الثانية بعد أن حضرت الدورة التي عقدت في بولندا عام 2010، وهذه التدوينة محاولة لتوثيق أبرز ما قيل وجرى في المؤتمر.

سأبدأ بأجمل ما يميز هذه الدورة تحديدا وهو أن الحضور العربي كان واضحا جدا، وكانت فرصة متميزة لمقابلة الكثير من الوجوه الكادحة التي تعمل خلف كواليس ويكيبيديا العربية. العرب الذين حضروا (دون ترتيب): عصام شرف وهيثم شماع ومشيرة ومحمد عودة وراڤان وأحمد غربية ورامز قنيبي وحبيب مهني وفارس الجويلي وصالح المحمدي ومينا وسامي القائمين على مبادرة تغريدات.

سبق المؤتمر جولة في المدينة التي لا تنام نظمتها مؤسسة ويكيميديا في نيويورك. الجولة كانت مُعدّة لحضور المؤتمر القادمين من خارج الولايات المتحدة وتمت خلالها زيارات عديدة شملت مقر الأمم المتحدة ومتحف التأريخ الطبيعي ومتحف المتروبوليتان للفنون ومبنى إمباير ستيت وول ستريت والحي الصيني في نيويورك وغيرها. لكن كل هذا خارج هدف هذه التدوينة، ودعونا نكتفي بقول “ما يحدث في نيويورك يبقى في نيويورك”. 😛

جلسة المطورين والاستبقال: 10-11 يوليو

يوم 10 و11 يوليو بدأت أولى فعاليات المؤتمر وهي ورشة المطورين. في كل طاولة يجلس مهتمون بموضوع ما. انضممت بشكل موجز لمطوري بايثون واستشرت أحد المطورين عن أفضل وسيلة لتكييف بوتتي الحبيبة للعمل مع ويكيبيديا العربية على تحديث ترتيب أليكسا في مقالات المواقع (وبالمناسبة، البوتة الآن تعمل).

لم أنضم لبقية فعاليات الهاكثون بل انضممت لبعض الجولات التي أعدها منظمو المؤتمر حول واشنطن كزيارة الأرشيف الوطني والكابيتول. في الكابيتول، أتيحت لي فرصة حضور جلستين لمجلسي الشيوخ والنواب، وكانت تجربة لطيفة. في مجلس الشيوخ كان رئيس كتلة الديمقراطيين ورئيس كتلة الجمهوريين يتجادلان في نفس القضية الأزلية التي تشغل السياسة الأمريكية: مشروعية رفع الضرائب على الأغنياء. حمدت الله على نعمة “الأمن والاستقرار” في وطني وخرجت مدبرا. 😛

مساء يوم 11 يوليو رعت غوغل حفلة رائقة ذات طابع أوروبي كلاسيكي في مكتبة الكونغرس. كان الجو لطيفا جدا وكانت فرصة رائعة للالتقاء أخيرا براڤان وسامي ومينا.

فعاليات المؤتمر الرئيسية: 12-14 يوليو

الافتتاح

صباح يوم 12 يوليو ابتدأت فعاليات المؤتمر بكلمة رئيسية ألقتها ماري غاردنر مُؤسِّسة مبادرة إيدا الهادفة لتعزيز مشاركة النساء في مجتمعات البرمجيات الحرة والثقافة الحرة. الحقيقة أن كلمتها لم تكن واضحة المغزى فلقد تطرقت لمواضيع مختلفة جدا لكن أهم ما ذكرته خطوات لتشجيع مشاركة النساء في النشطات والمشاريع والوظائف التقنية عموما. ذكرت مثلا أن تشير الإعلانات تحديدا أن للنساء وجود لأن ذلك يقضي على الصورة النمطية أن تلك النشطات حكر على الرجال. نصحت أيضا أن يحرص منظمو النشاطات على ألا يكون بين الحضور امرأة وحيدة لكي لا يشار إليها أنها “المرأة” “The Woman” بل يفترض أن تكون مشاركتهن طبيعية، وألا تتحمل امرأة واحدة تمثيل النساء. أخيرا ذكرت أن تنوع قاعدة المساهمين لا يعني أن تجلب الجميع تحت نفس المظلة بل أن توسع المظلة لتشمل الجميع.

بعد ذلك تحدث ڤكتور الذي يشغل مسمى وظيفيا عجيبا في المؤسسة — “قاص ويكيميديا”. وظيفته أن يجمع قصص محرري الموسوعة واهتمامتهم ومبررات مساهماتهم على أن تنطلق حملة جمع التبرعات للموسوعة هذه السنة بفيديو لهؤلاء المساهمين.

CC BY-SA 3.0 // Helpameout

بعد ذلك ألقى جيمي ويلز (أحد مؤسسي الموسوعة) كلمته المعهودة: “The State of the Wiki” التي ركز فيها على أفريقيا وتحدث عن القفزة السريعة في نسبة الوصول للإنترنت وعرض إحصاءات تؤكد أن المواقع المنتشرة في العالم الغربي (والعربي) لا تختلف عن المواقع المنتشرة في أفريقا ومنها ويكيبيديا، وهو الأمر الذي ينفي الصورة النمطية عن تخلف استخدامهم للإنترنت. أيضا أعلن جيمي ويلز عن الفائز في جائزته السنوية الشخصية التي يبلغ مقدارها 5000 دولار والتي تمنح لدعم مشروع أحد مساهمي الموسوعة. الفائز كان المساهم Demmy من ويكيبيديا يوربا (وهي لغة أفريقية يتحدثها 20 مليون). كان لدِمي اسهامات كبيرة في وضع نواة تلك النسخة من الموسوعة. أطلق جيمي أيضا جائزة شخصية أخرى لموظفي المؤسسة ونالها هذه المرة المطوّر براندن هارس ومسؤولة التواصل مع المجتمع ماغي دِنِس.

جاء ضمن إجابات جيمي ويلز على الأسئلة تعقيبه على حدود انخراط ويكيبيديا في السياسة بعد الإضراب الذي دخلته النسخة الإنجليزية اعتراضا على قانون SOPA. أكد جيمي أن مراعاة الحيادية السياسية ضروري وأن على الموقع ألا يبدي موقفا سياسيا ما لم يتعلق الأمر بما يمسه مباشرة (كحرية الإنترنت). في إجابة أخرى ذكر أن مجتمع ويكيبيديا مهووسون، لكنهم ليسوا بالضرورة مهووسو حاسوب؛ وأن وجود مئات المقالات التي تتناول توزيعات مختلفة لغنو/لينكس مثلا يعطي المشروعية لوجود مقالات متشعبة في مواضيع أخرى (كالأزياء!). فيما يتعلق بعلاقة ويكيبيديا بالصين ذكر جيمي ويلز أن الوضع لم يتغير منذ ثلاث سنوات في أن بعض المقالات فقط محجوبة لكنه عبر عن تأييده الكبير لأدوات مكافحة الرقابة كتور.

التقنية

حضرت بعد ذلك جلسة تِقنيّة تحدث فيها مطورون من المؤسسة عن آخر مستجدات التطوير. تحدثو عن فكرة إنهاء تعديلات IP واستبدالها بحسابات مؤقتة مجهولة يسهل تحويلها لحسابات دائمة لتشجيع القادمين الجدد على الاستمرار. عرضوا أيضا (لأول مرة بالنسبة لي) الواجهة الجديدة الجميلة لمراجعة المقالات الجديدة وهي -إلى وقت كتابته- متوفرة في ويكيبيديا الإنجيزية فقط. أشار المطورون في هذا السياق إلى أن استبدال الواجهات والأدوات الحالية غير مبحذ لصعوبة الحصول على توافق المجتمع بسرعة ولذا فإن المؤسسة تضيف أدوات وواجهات جديدة ولا تستبدل الموجود منها. الأشياء التي تخطط المؤسسة لتحسينها قبل نهاية عام 2012: آراء القراء وتقييمهم للمقالات (reader feedback)، واجهة مراجعة المقالات الجديدة (new pages feed)، نظام إخطار مساهمي الموقع وتنبيهم (user notification)، والمراسلات بين المستخدمين (user-to-user messaging)

الأبحاث

بعد ذلك حضرتُ كلمة بنجامين ماكو هل السنوية عن الأبحاث التي أجريت على ويكيبيديا طوال السنة الماضية. بدأ ماكو بحديث عن تجربته مع برنامج Scratch وهي لعبة تُدرّب الأطفال على البرمجة طورها باحثون من MIT يستخدمها أكثر من مليون مستخدمًا معدل أعمارهم 13 سنة أنشؤوا 3 ملايين مشروعا كلها تخضع لرخصة CC BY-SA 3.0. عندما قرر المشرفون على الموقع تشجيع المساهمات عبر تخصيص قسم في الصفحة الرئيسية لأكثر الألعاب التي تُعدّل ويُبنى عليها، أدى ذلك لأثر سلبي وهو أن اللاعبين بدؤوا يبنون ألعابا بسيطة جدا يسهل تعديلها لأن كل ما كانوا يسعون إليه أن تظهر ألعابهم على الصفحة الرئيسية. كان أثر التشجيع هنا سلبيا.

أولى الدرسات التي عرضت كانت عن تأثير الأوسمة مساهمو الموسوعة لبعضهم عبر دراسة مستوى نشاط المساهمين قبل منحهم الأوسمة وبعدها. أظهرت الدراسة أن النشاط بشكل عام كان يقل وعلل الباحثون ذلك إلى أحد أمرين: إما أن الأوسمة تُمنح بعد أن يبذل المستخدم جهدا فوق طبيعي لإنجاز مهمة ما وأن الوسام يمنح لأدائه هذه المهمة وبالتالي طبيعي أن بقل نشاطه؛ أو أن الأوسمة تَمنح شعورا بالرضى عن الأداء يدفع المساهم إلى الراحة.

دراسة أخرى تناولت حيادية ويكيبيديا الإنجليزية في المقالات التي تتناول السياسية الأمريكية خلصت إلى أن 40% من المقالات التي تناولتها الدراسة منحازة بمعنى أنها تستخدم ألفاظا ومصطلحات حزبية يفضلها الجمهوريون وحدهم أو الديمقراطيون وحدهم. خلصت الدراسة إلى أن المقالات المنحازة للديمقراطيين كانت أكثر لكن النسبة تقاربت مؤخرا. دراسة أخرى تناولت مساهمة النساء خلصت إلى أن تعديلات النساء بشكل عام أقل لكنها أكبر وأكثر ثراءً. الدراسة الأخيرة -التي سأذكرها- كانت تتناولت حال ويكيبيديا في القطاع الأكاديمي وخلصت إلى أن 60% من المعلمين حذروا من استخدام ويكيبيديا في نفس الوقت الذي أفاد فيه 75% منهم أنهم سبق أن استخدموها!

جلسة غداء عربية أثناء المؤتمر.
على اليمين (من أسفل لأعلى): مينا، أسامة، راڤان، مشيرة.
على اليسار (من أسفل لأعلى): ثريا، سامي، أمين، أحمد، هيثم.

القانون

في يوم 13 يوليو حضرت جلسة للمستشار القانوني الأعلى لمؤسسة ويكيميديا. تحدث فيها عن ضرورة أن تلتزم الموسوعة بالحياد السياسي في المستقبل إلا فيما يتوافق مع سياسية واضحة ينبغي للمجتمع أن يصوغها لتضع حدود المشاركة السياسية لويكيبيديا. قال أيضا أنه يفضل أن تدعم المؤسسة ماليًا الجمعيات التي تدافع عن الحريات الرقمية مثلا بدلا من أن تنخرط بنفسها في ذلك. تحدث أيضا عن ميزانية تخطط المؤسسة لوضعها للدفاع عن إداريي الموسوعة الذين قد يتعرضون لمضايقات قانونية. (شيء رائع! :))

بعد ذلك عرض باحث من MIT دراسة أجراها عن تأثير حقوق نشر الصور على مقالات ويكيبيديا. تناول عددا من مقالات لاعبي البيسبول وكيف أن المقالات القديمة التي تتناول أشخاصا تتوفر لهم صور حرة تفوق زياراتها وتعديلاتها مقالات اللاعبين الذين لا تتوفر لهم صور حرة (كثير من اللاعبين الجدد من النوع الثاني). ذكر من الأشياء التي قد تسبب ذلك أن محركات البحث قد تضع المقالات التي تحتوي صورا في مرتبة أعلى من تلك التي لا تحتوي أي صور. علق بعض الحضور أن الدخول للمقالات عبر محركات بحث الصور قد يكون سببا آخرًا لزيادة الزيارات. باختصار قانون حقوق النشر شيء أسوأ مما تتوقع. 😀

المؤسسة

في يوم 14 يوليو كان الافتتاح كلمة ألقتها المديرة التنفيذية لمؤسسة ويكيميديا عرضت فيها أداء المؤسسة خلال السنة الفائتة وخططها للسنة القادمة. أشارت سو غاردنر مرارا أن المشكلة الرئيسية حاليا أن عدد مساهمي الموسوعة لا يزال (منذ أربع سنوات) في نقصان. الأرقام التي ذكرتها والإنجازات التي سردها كلها ستنشر في تقرير المؤسسة القادم.

حضرت بعد ذلك جلسة عن المنح التي تقدمها المؤسسة للمساهمين ألقها عسّاف الذي ذكر أن 94.5% من طلبات المنح التي تُقدّم للمؤسسة تقبل! تحدث عن نصائح عملية لضمان حصول الطلب على الموافقة السريعة (الحصول على موافقة المجتمع، التأكد من أن المبلغ المطلوب هو أقل ما يمكن أن يُنفّذ به الطلب، تفصيل الاحتياجات بدقة). بعد ذلك تحدثت دلفين من ويكيميديا الألمانية عن برنامجهم للمنح كما تحدث شخص ثالث من ويكيميديا البولندية عن برنامج المنح هناك لكن لا حاجة للتفصيل في الأخيرين لأنهما لا يشملان العرب! 🙂

اجتماعات غير رسمية

في أوقات مختلفة خلال المؤتمر عقدنا لقاءات غير رسمية كان أجملها لقاء برنامج التعليم العالمي الذي طرح فيه الحضور من حوالي عشر بلدان تجاربهم المختلفة ونجاحاتهم وإخفاقاتهم. من العرب تحدث عصام شرف عن برنامج التعليم في مصر وذكر أن البرنامج كان الأول عالميا حسب عدد المقالات لكل طالب (حوالي 6 مقالات للطالب الواحد). مدرّس من جامعة ساوثرن إنديانا ذكر أن طلاب كلية الصحافة وجدوا ضالتهم في ويكي الأخبار، وليس ويكيبيديا. تحدث مُطوّر من المؤسسة أيضا عن امتداد جديد تعمل المؤسسة عليه يسهّل متابعة الطلاب والمقالات التي يعملون عليها.

نظّمت مشيرة أيضا اجتماعا لطيفا مع مساهمي ويكيبيديا البرازيليين. كان الهدف الأصلي أن نناقش سوية المصاعب المشتركة، لكن تبين أن النسخة البرتغالية والمجتمع الويكيبيدي البرازيلي متفوقان جدا بالمقارنة مع النسخة العربية والمجتمع الويكيبيدي العربي. من الأشياء التي قيلت أن مساهمي البرازيل ورغم أنهم لا يعملون تحت مظلة مؤسساتية محلية، إلا أنهم يظهرون أنفسهم كحركة اجتماعية لها موقع يشبه مواقع مؤسسات ويكيميديا المحلية وهدفه أن يكون واجهة سهلة ومباشرة لكل من من أراد الانضمام إلى المجتمع والتعرف على نشاطاته. ذُكر أيضا أن ويكيبيديا قد لا تكون المشروع الأمثل لكل الجماهير، وأن عرض المشاريع الشقيقة سيساعد تلك الجماهير على التعرف على روح الويكي والمساهمة بمحتويات (غير موسوعية) حرة ستعزز من دور ويكيبيديا في نهاية المطاف. ذكر أيضا أن ورشة عمل واحدة على الأقل تقام كل شهر في البرازيل.

جلسات وحوارات أخرى كثيرة لا مجال لذكرها هنا. كل الأمل أن ترى النور كواقع عملي يخدم المعرفة العربية الحرة.

ختام

كان المؤتمر وما صاحبه من أنشطة تجربة ثرية ممتعة جدا تمكنت من المشاركة فيها بفضل منحة جزئية من مؤسسة ويكيميديا. الشكر الوافر لجهودهم ولجهود منظمي المؤتمر ولجهود مؤسسة ويكيميديا في نيويورك ولكل النفوس المرحة التي جعلت المؤتمر تجربة متميزة. 🙂

خمسة أسباب لأجلها أقول: أعطونا الإنترنت كاملة حرة!

مقدمة


يحي العالم كل عام في 12 مارس اليوم العالمي لمكافحة الرقابة الإلكترونية، وهو نشاط تدعو له منظمة مراسلون بلا حدود ليوحد فيه الناس صوتهم رافضين الاعتداء على حرية الإنترنت بأشكالها المختلفة كتعقب المستخدمين وحجب المواقع والاعتقال التعسفي للمدونين والمستخدمين.

سأتناول في هذه التدوينة الحجب تحديدا، ومع قدوم الربيع العربي أعطت تونس مثالا ممتازا بإصلاح هام (ذكرته في تقريري عن زيارتها) وهو إزالة الحجب لحماية حرية الإنترنت واستقلالها.

عندما نتحدث عن واقع الحجب في السعودية، نتحدث عن واقع مؤسف جدا تتولى فيه السلطات (ممثلة بهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات) دون معايير ولا مساءلة حجب ما تشاء إلى أجل غير مسمى وتترفع فيه عن الإجابة على استفسارات المواطنين وطلبات رفع الحجب (رغم أنها تدعي الإجابة على كل الطلبات خلال 48 ساعة!) من ضحايا الحجب مواقع حوار ونقاش ومواقع مشاركة ملفات وصفحات حقوقية وصفحات نشطاء سياسيين وحقوقيين على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض خدمات الأرشفة والترجمة المفيدة جدا.

المشاكل

تختلف الدول التي تطبق سياسة حجب في مدى تقدم أساليبها في ذلك (ولحسن الحظ الأسلوب المستخدم في السعودية متخلف جدا)؛ لكن في نفس الوقت تتفق أساليب الحجب أنها تتم بتمرير جميع بيانات الإنترنت المحلية عبر وسيط تشرفه عليه جهة مركزية (حكومية عادة) تقوم بالحجب آليا.

  • تهديد للحريات: الإنترنت فضاء مستقل ومنصة لا تخضع لسلطة أي حكومة وعليها تُكفل حريات ضرورية كحرية التعبير والصحافة والتجمع وذلك أعطى فرصة لإبداعات لا حدود لها وخلق أرضية يجتمع فوقها المضهدون والمظلومون ويتناقشون وينظمون أنفسهم حيث لا مكان آخر يسعهم. الحكومات أثبتت تعديها على أبسط الحقوق والحريات الإنسانية لما امتلك أدوات الحجب، وتزويرها يوم ترفع شعار حماية الأخلاق. لا أريد أن تقرر السلطات ما يمكنني قراءته في بيتي (أولا لأني حر في ذلك، وثانيا لأن ذلك طريق للاستبداد). ولا يحق لها أن تفرض معاييرها ونظرتها عن طريق الحجب الذي ينطبق على كل أفراد المجتمع على اختلاف أعمارهم وتوجهاتهم ومستوياتهم التعليمية. لا أريد أن تقرر حكومة الوثائق والصفحات التي يمكن أن أقرأها، ولا أظن أنك ترغب بذلك.
  • فشل الحجب في تحقيق أهدافه: سوء استغلال الحجب والحاجة الماسة إلى تخطيه في أحيان كثيرة (رغم أن ذلك غير قانوني في السعودية) نشر ثقافة “كسر الحجب”. يمكن أن أضمن لك: لا توجد وسيلة مثالية للحجب، وكل ما يمكن القيام به أن تجعل الوصول للمواد أطول بخطوة واحدة أو خطوتين، لا أكثر.
  • المشاكل التقنية والتكلفة: إدخال وسيط مركزي تمر من خلاله كل بيانات الإنترنت المحلية يسبب مشاكل تقنية تؤثر فعليا على أداء الإنترنت، وقد تسبب في حرمان الخدمة حال تعطل ذلك الوسيط. هذا طبعا عدى أن تكلفتها المرتفعة التي (كما في النقطة السابقة) لا تعود بفرق يذكر.
  • الخصوصية والسرية: لا يمكن أن يتم الحجب دون تنصت ومراقبة. يتم الحجب في السعودية حاليا بمراقبة عناوين الصفحات التي يزورها المستخدم والتأكد أنها ليست في القائمة السوداء وهذا يعني أن السلطات تراقب كل ما يزوره كل المستخدمين. لا يمكن فرض الحجب على الأدوات التي تحمي خصوصية المستخدم بإخفاء بيانات تصفحه وتعميتها (أي تشفيرها)، كبرنامج تور الذي يكثر أن يستخدمه النشطاء في كل أرجاء العالم أو شبكات VPN التي يكثر للشركات استخدامها لربط مختلف فروعها بأسلوب آمن. واجبنا أن نعزز وأن ندعم الأدوات التي تحمي الخصوصية، لا أن ندعم منعها لأن مزايا الآمان والخصوصية أهم بكثير من أي غرض يمكن أن يخدمه الحجب.

    ماذا تقرأ الآن؟

  • غياب الشفافية: في السعودية وغيرها من الدول، يتم الحجب دون أدنى شفافية. قد يدعون أنهم يقومون بذلك لكي لا يروجوا للمواقع، لكن ثبت للجميع أن غياب الشفافية يعني غياب المساءلة. جهد بسيط قمت به بأن جمعت قائمة بصفحات تويتر المحجوبة فتبين أن كلها صفحات لنشطاء سياسيين وحقوقيين. غياب الشفافية الذي يعتبره البعض من مستلزمات الحجب يساعد كثيرا على وقوع مثل هذه الانتهاكات.

الحلول

يتبين من الأسباب التي حاولت تبيينها أعلاه أن إخفاء المحتويات السيئة المنشورة على الإنترنت مَهَمّة لا ينبغي أبدا أن توكل للحكومة ولا لأي جهة مركزية أخرى، ليس لأن ذلك لا يحقق مراده أساسا فحسب بل أيضا لأن ذلك سيجلب معه تبعات باهضة على الحرية والأمان والخصوصية بالإضافة إلى المشاكل التقنية والتكلفة.

تتوفر حلول متنوعة لهذه المشكلة ليست الحكومة جزءًا منها. قد لا تكون تلك الحلول كاملة، لكنها على الأقل لا تجلب المشاكل التي تجلبها رقابة الحكومة. من أفضل الوسائل في نظري أن يُثبّت المستخدمون بأنفسهم وعلى حواسيبهم برمجيات حرة تستند لقوائم منشورة لحجب المواقع غير اللائقة. يمكن أيضا أن تُطوّر (إن لم تكن موجودة أصلا) برمجيات تعمل على الراوتر المنزلي لتقوم بالغرض ذاته. من الضروري أيضا نشر الوعي بضرر المواد غير اللائقة ومسؤولية الوالدين عن أطفالهم.

من الضروري في النهاية أن نعي أن الإنترنت تجلب قليلا من المساوئ التي لم تتوصل البشرية لحل معقول لها إلى اليوم، لكن ذلك مقابل زهيد لكل الحريات والخدمات التي نكسبها من ذلك الفضاء الخلاق. يجب ألا نعبث ببنية الإنترنت وأن ندافع عن حرياتنا فيها كمستخدمين ومدونين.

الموسوعة الحرة في تونس الحرة

اختتمنا الأسبوع الماضي زيارة موجزة لتونس في إطار خطة مؤسسة ويكيميديا لدعم نمو ويكيبيديا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. شاركت الزيارة مع مشيرة المستشارة للمؤسسة وسايفرز المساهم المتطوع في ويكيبيديا.

كان أساس الزيارة دعوة كريمة من الدكتور علي فريهيدة من المدرسة الوطنية للمهندسين بجامعة تونس المنار (بتمويل من مؤسسة ويكيميديا) وتخللها لقاءات ومشاركات في أنشطة أخرى سأسعى لتلخيصها هنا.

ندوة ويكيبيديا

ملصق الندوة

حضرنا يوم الجمعة التالي ليوم وصولنا (27 يناير) ندوة “التراخيص الحرة والمحتوى المفتوح واستخدامات ويكيبيديا في التعليم” في مدرسة المهندسين نظمها نادي المصادر المفتوحة في المدرسة. يضم النادي حوالي عشرين عضوا يسعون لترويج البرمجيات الحرة في الجامعة وتنظيم الندوات المتعلقة بها. حضر الندوة بين 70-90 شخصا.

مشيرة

ابتدأت الندوة بإلقاء مشيرة كلمة تعريفية بويكيبيديا وترخيصها ومؤسسة ويكيميديا وإحصاءات عن نسبة قراءة عدة لغات من ويكيبيديا في تونس ظهر فيها التفوق الواضح لويكيبيديا الفرنسية (61.6%) أمام العربية (13.8%). تحدثت مشيرة بعد ذلك عن الأجزاء الثلاثة لمبادرة ويكيميديا في المنطقة: التعليم والترجمة والتوعية. ثم عرضت مقطع الفيديو التعريفي بويكيبيديا الذي أنتجه علاء مكتوم. طبعا لا يمكن التغاضي عن ذكر أن مشيرة تفوقت في استخدام اللهجة التونسية! 🙂
تخلل كلمة مشيرة وتلاها طرح قضايا منها ويكيبيديا المصرية. إذ تسآل أحد الحضور عن تأثير ذلك على توحيد جهود الترجمة وأن ذلك سيكون مقدمة لظهور مشاريع أخرى ممالثة. أجبته أن من شروط الاعتراف باللغات في ويكيبيديا الاعتماد على المعايير العالمية وأن اللهجة المصرية حصلت فعلا على اعتراف منظمة المعايير الدولية وأنه رغم المعارضة الشديدة لمجتمع ويكيبيديا العربية للمشروع، قررت اللجنة المختصة الاستناد إلى تلك المعايير وإقرار المشروع. أكدت أن من واجبنا ألا ننشغل بنقاش تلك المشاريع لأن الاستمرار والنجاح ليس مصيرها.

سايفرز

تلى ذلك كلمة قصيرة ومتميزة بحق لسايفرز يمكن تلخيص مغزاها ب”الجنود المجهولين”. بدأ بعرض تطور مقالة اللاعب التونسي الشهير محمد أمين الشرميطي التي بُدئت بسطر واحد لاموسوعي لامحايد مليء بالأخطاء الإملائية أضيف في 15 فبراير 2008 (هذا هو). ثم عرض نسخة المقالة وقت إلقاء الكلمة وقد تحسنت كثيرا ثم سأل: مَن؟ لماذا؟ ماذا بعد؟
عرض بعد ذلك لقطة لمقطع رُفع في 18 ديسمبر 2010 بعنوان “شاب تونسي يحرق نفسه” (هو غالبا المقطع الأول الذي نشر لبوعزيزي وهو يحرق نفسه). كانت معظم التعليقات سلبية وكثير من المعلقين اكتفوا بقول “لا حول ولا قوة إلا بالله”. عرض بعد ذلك صورة لمتظاهرين يملؤون شارع الحبيب بورقيبة لتنطلق شرارة التغيير في العالم العربي. وسأل مرة أخرى: مَنْ؟ لماذا؟ ماذا بعد؟
اختتم عرضه باقتباس لوائل غنيم: “من كل عشرة في العالم العربي: 1 يعمل و 2 يشكرونه على عمله و3 يشككون في نواياه و4 يرددون له يوميا: مفيش فايدة.”

علي فريهيدة

تحدث بعد ذلك د.علي فريهيدة عن نتائج مشروع بحثي يشارك فيه مع أساتذة من جامعة أكسفورد يسعون فيه لاكتشاف المصادر الجغرافية للمحتويات العربية على الإنترنت بأخذ موسوعة ويكيبيديا كمثال وتحليل مصادر مساهمتها (نعم، سألت عن الخصوصية! لكن تبين أنه التحليل يتم بطريقة مجهولة أي بدون ربط المساهمين بأرقام الآيبي). ذكر د.علي أنهم استخدموا لغتي البرمجة بيرل وبايثون في المشروع. تحدث د.علي أيضا عن أن من الفوائد التي يمكن أن تجنى من البحث اكشتاف الأشخاص الذين يمثلون العرب على الإنترنت والأسباب التي تسبب الفجوة بين الجنسين والتشريعات التي يمكن أن تحد من نشاط منطقة معينة.

يامن بوريش

تحدث بعد ذلك يامن بوريش المساهم في ويكيبيديا الفرنسية عن كيفية تسجيل حساب في ويكيبيديا والمساهمة فيها وأعطى نبذة عن مشروع ويكي تونس.

نواة

اتجهنا مساءً إلى مقر نواة وهو موقع وِب سياسي كان محجوبا إبان النظام السابق صار اليوم منظمة غير حكومية مسجلة رسميا تجعل مقرها حاضنا لمتطوعي البرمجيات الحرة والمشاريع التقنية الناشئة. التقينا هناك بدونتلا من مؤسسة المشاع الإبداعي وبالمدون والناشط الحقوقي سامي بن غربية (أعترف أني لم أكتشف أنه هو هو سامي بن غربية إلا متأخرا :)) وعلي وشمس الدين وهما عضوان مؤسسان لحرب القراصنة التونسي الذي يسعى لحماية الحريات الرقمية وإصلاح قوانين حقوق النشر. تحدثنا هناك عن أشياء عدة وأخذنا علي ويامن في جولة ثرية عن تاريخ نضال المدونين تحت النظام السابق والبرنامج السياسي لحزب القراصنة التونسي وتحدثنا مع دونتلا عن نشاط المشاع الإبداعي في العالم العربي.

تجدر الإشارة هنا إلى أن واحدة من الأشياء الجميلة التي حدثت بعد الثورة أن الإنترنت في تونس أصبحت أخيرا حرة ودون رقابة من الحكومة تماما كما أرادها جيل الإنترنت الأول.

ماتسكتنيش

ملصق عند مدخل نواة: ماتسكتنيش!


إحدى غرف نواة. مكان مثالي لاجتماع الخارقين. 🙂


ملصق في نواة يتهكم على سياسة الحجب في النظام السابق إذ لم تكن تُعرض رسائل تخبر المستخدم بأن الموقع محجوب بل يُرسل خطأ تقني مزيف أن الموقع غير موجود أساسًا.

مظاهرات

كان من المفترض أن نزور المتحف الوطني ونتحدث مع مسؤولين فيه ظهر السبت (28 يناير). سبقنا سايفرز إلى هناك لكن أقيمت مظاهرة في شارع الحبيب بو رقيبة أوقفت خط الترام لقرابة ساعة مما منعني ومشيرة من اللاحق به. اسألوا سايفرز عن تلك الجزئية.

أيضا من الضروري أن أذكر أني رأيت هنا للمرة الأولى موقفا سياسيًا شريفًا للأمن الذي كان يرافق المسيرة لا ليقمعها ولا ليرصد المشاركين فيها ليلاحقهم بل ليحمي حقها الإنساني في التعبير والتجمع، تخيلوا؟ 😐

جانب من المظاهرة

جانب من المظاهرة

متظاهر يحمل لافتة ضد السعودية وقطر.

صالون المشاع الإبداعي

ملصق الصالون


ذهبنا مساءً إلى صالون مؤسسة المشاع الإبداعي وهو لقاء ثري للنشطاء والمدونين والفنانين المهتمين بتشارك الثقافة حضرته فرقة الراب التونسية Armada Bizerta التي غنت أغنيتين جميلتين من أغاني الثورة (رغم أن كلاهما باللهجة التونسية الغريبة على الأذن الخليجية :)). عقب ذلك كلمة لدونتلا عن نشاط مؤسسة المشاع الإبداعي في العالم العربي خلال السنة الفائتة (حفلات الإفطار وافتتاح مستودع قناة الجزيرة للوسائط الحرة مثلا) أيضا حضر اللقاء علي وشمس الدين (من حزب القراصنة) وسامي بن غربية ويامن. اضطررنا لمغادرة الاجتماع مبكرا لموعد ودعنا فيه د.علي لكن دونتلا كتبت بتفصيل عما حدث في الصالون.

طبعا وجدتها فرصة سعيدة لارتداء قميص المشاع الإبداعي. 😉

جولة التصوير

قمنا صباح يوم الأحد (29 يناير) بجولة تصوير في مدينة سيدي بوسعيد شاركنا فيها طلاب من مدرسة المهندسين. الغرض من الجولة التقاط صور ثم رفعها إلى مستودع الوسائط الحرة ويكيميديا كومنز. المدينة جميلة جدا تجتمع فيها الجبال العالية والجو العليل وشواطئ البحار. تحدثنا هناك أيضا عن مشكلة غياب المحارف العربية من لوحات مفاتيح كثير من الحواسيب المحمولة. تبين أن كل الطلاب لا يمتلكون محارف عربية على حواسيبهم، لكن اثنان (من ستة) يحفظان مواضع المفتايح العربية. الآخرون إما يستخدمون يملي أو لا يكتبون العربية أساسًا.

مقهى مطل على البحر في سيدي بو سعيد

سوسة

في عصر ذلك اليوم ذهبنا أنا ومشيرة ويامن إلى مدينة سوسة حيث التقينا ثلاثة: مساهمان في ويكيبيديا وهما الحبيب مهني ووائل غباره وناشط برمجيات حرة هو نزار كركيني. كانت جلسة لطيفة مع أناس يسعد من يلقاهم وكان مما تحدثنا عنه إقامة دورات تدريبية لطلاب الجامعات ومشكلة غياب لوحة المفاتيح العربية وقلة استخدام طلاب الجامعات للعربية أساسًا في أبحاثهم وواجباتهم. كنتُ أرى أن تلك المشكلة أكبر من أن تطالب ويكيبيديا بمعالجتها (حاليا على الأقل) وأن علينا التفكير في تشجيع المساهمة في ويكيبيديا الفرنسية.

8 فبراير: وسعتُ هذا الجزء.

الختام

غادرت تونس ظهر الاثنين متجها إلى القاهرة ثم الرياض. شاءت الأقدار أن يؤكد لي مرة أخرى الوعي السياسي المرتفع لعموم التونسيين بدرس ثري من سائق سيارة الأجرة البسيط الذي أوصلني للمطار أعجز من بعده مثقفينا. 🙂

التجربة كانت ممتازة. إن شاء الله تكون بداية موفقة لانطلاقة فريق ويكيبيدي نشط من تونس.

اجتماع ويكيبيديا العربية في الدوحة

عدت مساء السبت من الدوحة بعد أن قضيت أياما قليلة حافلة لحضور اجتماع ويكيبيديا العربية في الدوحة 2011 الذي نضمته مؤسسة ويكيميديا بالتعاون مع مؤسسة قطر. سأحاول تلخيص ما جرى هناك.

مؤسسة قطر

أُفتتح الاجتماع بعرض للدكتور أحمد المقرمد تناول فيها نبذة عن مؤسسة قطر وعن تاريخها وفرق عملها وكيف تتقاطع أهدافها مع مؤسسة ويكيميديا. وحرص على التأكيد على أريحية اللقاء رغم رسمية القاعة!

مؤسسة ويكيميديا

كان باري نيوزتد ثاني المتحدثين حيث ألقى نبذة عن مؤسسة ويكيميديا بعنوان “Why we are here”. كان جزء كبير منها موجها إلى الحضور من الصحفيين والمترجمين الذين لم يطلعوا على تفاصيل الموسوعة والمؤسسة. تحدث عن أن المعرفة طريق الحرية، وشرح التزام المؤسسة بأن يكون لكل إنسان نفاذ حر ومجاني للمعرفة البشرية. كانت كل خلفيات عرضه صورا رائعة مأخوذة من ويكيميديا كومنز. من الأرقام التي ذكرها باري أن عدد الذين ساهموا للموسوعة منذ تأسيسها “يفوق” سكان قطر (1,335,675) وأن عدد زوار الموسوعة شهريا 425 مليون زائرًا فريدًا وأن أكثر من 500،000 شخص تبرعوا للموسوعة بمعدل 25 دولار لكل متبرع وأن للمؤسسة 35 مؤسسة شريكة (لكن مستقلة) في شتى أنحاء العالم.

تاريخ ويكيبيديا العربية وحاضرها

تحدث بعد ذلك رامي طراونة (وهو أحد أقدم مساهمي ويكيبيديا والأقدم ضمن الحضور) عن تاريخ الموسوعة. ذكر أن أول “مقالة” أنشئت كانت H2O وأنها حملت ذلك الاسم لأن منشئها لم يعرف شيئا عن العربية. ظلت الموسوعة جامدة إلى أن أتى عصام بايزيدي فوضع الأساس لها (في 2004)، لكن بدأت المساهمات تتكاثر بشكل ملحوظ في 2006. يقول رامي أن المصادر العربية الحرة في ترك الفترة شحيحة للغاية (وذلك لم يتغير إلى اليوم طبعا!) ولذا اضطر مجتمع ويكيبيديا لكتابة كل شيء من الصفر لكنهم واجهوا مشكلة في أن كثيرا من المساهمين الجدد كانوا ينسخون من مصادر غير حرة؛ كما أن بعضهم كان يضع اسمه في نهاية كل مقالة غير مدركين لفكرة الموسوعة التعاونية.

يقول رامي أيضا أن المجتمع واجه مشكلة في التواصل مع مؤسسة ويكيميديا بل أنهم شعروا أن المؤسسة لا تعيرهم أي اهتمام لكن تبين أنهم كانوا لا يسلكون الطرق الملائمة للتواصل. إحدى الأمثلة على ذلك وجدت عندما كثر نسخ مقالات ويكيبيديا إلى خارجها دون الالتزام ببنود الترخيص بل بنسبها إلى غير ويكيبيديا أحيانا ووضع علامة “جميع الحقوق محفوظة” فطلب المجتمع من المؤسسة التصرف لكن لم يكن بوسع المؤسسة القيام بشيء لأنها لا تتحكم بحقوق النشر (بل يتحكم بها المساهمون أنفسهم).

النقاش الفعلي بدأ في نهاية كلمة رامي. حيث طرح بعض الصحفيين أسئلة (سطحية!) عن مصداقية الموسوعة وإمكانية الاعتماد عليها فأجاب أبانيما بأن المصادر ضرورية في ويكيبيديا وشرح المصادر المقبولة (وقسّم المصادر إل أولية وثانوية) وذكر أن ويكيبيديا (كأي موسوعة) مجرد نقطة بداية للبحث ثم حاولت أن أضيف أن ويكيبيديا تمتاز على غيرها من مصادر المعرفة بأن جميع سياسات تحريرها ونقاشات مساهميها متاحة للعلن ويمكن التحقق منها ومراجعتها. علق أحمد غربية على أن مما يبطئ نمو ويكيبيديا العربية اعتمادها على معايير الجودة في ويكيبيديا الإنجليزية (بقصد أن علينا اعتماد معايير أعلى إذا نمت الموسوعة أكثر). استمر النقاش في منهج “الحذاذفة“. 🙂

اختتمت مشيرة الجلسة طالبة من الحاضرين من مساهمي ويكيبيديا التعريف بأنفسهم وذكر أبرز المعوقات التي تواجه الموسوعة. ذكرتُ أن نقص اللقاءات على أرض الواقع مشكلة يواجهها المجتمع وأن معرفة المجتمع لأفراده يسهم كثيرا في خلق التوافق وتعزيز العمل المشترك. ذكر أبانيما أن غياب المختصين مشكلة وأن بعض المقالات المختارة يحرر أساسها مستخدم واحد فقط. تحدث عصام شرف عن عقبة تحديد المصطلحات المتخصصة بالعربية وعدم إلمام المختصين بها.

إحصاءات عن ويكيبيديا

تحدث بعد ذلك سايفرز عن استقصائه لمساهمي ويكيبيديا وعرض نتائج الاستقصاء بالأرقام وعرضه التقديمي خير ملخص!

تبع ذلك كلمة مشيرة التي تناولت إحصاءات عن مؤسسة ويكيميديا في العالم العربي. من الأرقام المثيرة للاهتمام التي ذكرتها أن مجموع التبرعات في حملة المؤسسة الأخيرة (من نوفمبر 2010 إلى يناير 2011) كانت 140,000 دولار (قبل أن تذكر الرقم طلبت من الحضور التوقع فتراوحت التقديرات من “3.5 جنيه مصري” إلى “500 ألف دولار” :)). أيضا أجابت على إحدى النقاط التي ذكرها معلقون على فيديو “ويكيبيديا: الموسوعة الحرة” أن معدل الوصول للإنترنت في العالم العربي نفس معدل الوصول في تركيا (40%)، ومع ذلك فإن في ويكيبيديا التركية ما يقارب 175 ألف مقال بينما هي 150 ألف مقال في ويكيبيديا العربية.

ذكرتْ ايضا أننا لو تمكننا من إنشاء 250 مقالة يوميا (بدلا من المعدل الحالي: 62)، فسنصل إلى 265،000 مقالة في 2012. أما لو تمكننا من إنشاء 500 مقالة يوميا فسنصل إلى 512،000 في نفس السنة. تحدث رامي في هذه النقطة عن تجربة توليد 5،000 مقالة عن قرى عربية وكيف أنها لم تنمو منذ أنشئت ولذا فإن المجتمع قرر حذفها.

تحدث صحفي من قناة الجزيرة عن أن للقناة أسلوبا موحدا لكتابة المصطلحات ك”أمريكا” مثلا فشرح أحد المساهمين فكرة بوتات التصحيح الإملائي وأن اختيار أساليب الكتابة تتم (كغيرها من قررات الموسوعة) بشكل توافقي.

برنامج التعليم

تحدث بعد ذلك فرانك سكلنبرغ مدير برنامج التعليم في مؤسسة ويكيميديا عن تجربة البرنامج الذي قال أنه لم يحقق هدفه بإشراك 17 جامعة أمريكية في تحرير ويكيبيديا، بل وصل إلى 32 جامعة. 🙂 قال أن الأساتذة طلبوا وثائق مكتوبة وفيديوهات لفهم طريقة عمل ويكيبيديا وقال أن الأرقام أثبتت أن الأساتذة الذين كانت المؤسسة على تواصل أكثر معهم حققوا نتائج أكبر. قال أيضا أن الجامعات الصغيرة كانت حريصة على معرفة رأي جامعة هارفرد وغيرها من الجامعات الكبيرة في البرنامج.

لخص خطوات البرنامج في: تدريب السفراء ثم التخطيط مع الأساتذة ثم تعريف الطلاب في بداية الفصل على البرنامج ثم تحليل الطلاب للمقالات الموجود وتحديد المقالات المطلوبة ثم يقوم الطلاب بالبحث والدراسة ليوثقوا المعلومات المتعلقة بموضوع المقالة ثم يبدؤون الكتابة ثم يتم تقييم نتائج البرنامج (يقوم بعض الأساتذة بذلك بأن يطلبوا أن يقدم الطلاب عرضا تقدميا لما أنجزوا).

يقول فرانك أن انطباعات الطلاب كانت إيجابية عن البرنامج؛ ففي استطلاع شمل 40% من الطلاب المشاركين في البرنامج قال 72% منهم أنهم يفضلون أن تكون واجبتهم على ويكيبيديا كما قال أن بعض الطلاب زاروا المكتبات لأول مرة في حياتهم وسأل “هل سمعتم بطالب يرسل واجبه إلى جده؟ بعض طلاب البرنامج قاموا بذلك”.

نتائج السنة الأولى كانت 8.8 مليون حرفا وهي ما تعادل 5800 صفحة.

تحدث بعد ذلك الدكتور عادل عن تجربته في تطبيق البرنامج في كلية الإعلام والصحافة في جامعة جورجتاون حيث كان يدرس 25 طالبًا في مرحلة الماجستير مطلع هذا العام فكتبوا عن خدمة Speak to Tweet وقناة الحرة وواقع الإنترنت في مصر والحزب الوطني الديمقراطي.

اجتماع الويكيبيديين

في صباح اليوم التالي، عُقد اجتماع خاص للويكيبيديين في الفندق. بدأنا النقاش بطرح إلغاء حجب تور للسماح بسرية عالية للمساهمين ولا سيما أن جمهور تور ليس من الهادفين للتخريب فوُجد التأييد بالإجماع. ناقشنا أيضا المراجعات المعلمة فطُرح اعتماد التعديلات تلقائيا بعد مرور فترة معينة ما لم تُرفض. طُرح أيضا وضع حد أدنى لمراقبي الصفحة قبل السماح بتطبيق نظام المراجعات المعلمة عليها. طرحنا قضية التواصل مع الصحافة وكيف أن البيانات السابقة التي كتبها المجتمع لم تلقَ أي إصغاء من الصحافة (كهذا وكهذا) فأجاب مندوبو المؤسسة أن علينا التواصل مع موكا في المرات القادمة. ناقشنا موضوع تمويل المؤسسة لمشاريع محلية كطاولة في المعارض التقنية المحلية فطرح أن ذلك ممكن عبر برنامج المنح. أما بخصوص الاجتماعات القادمة فطُرح دعوة أفراد من “أجيال” متعددة من ويكيبيديا وعدم الاكتفاء بالقدامى.

الترجمة

بعد ذلك واصلنا جدول الاجتماعات بنقاش مطول عن الترجمة. كنتُ معارضا من ناحية المبدأ لاعتماد تقنيات الترجمة الآلية غير الحرة لأن ذلك يعني مباركة وجود أجزاء غير حرة في البنية التقنية للموسوعة (أجزاء لن نكون قادرين على التحكم بها ولا فهمها ولا تحسينها)، وهو ما يخالف إحدى الأسس التي التزمت بها مؤسسة ويكيميديا منذ تأسيسها (سبق أن دون عن ذلك هنا). طرح بالا (من ويكيبيديا التايملية) المشاكل التي واجهها مجتمعه مع غوغل في كلمة كانت كل شرائحها تهاجم غوغل. 🙂 تلى ذلك كلمة لمندوب مايكروسوفت الذي أصر على تسمية مشروع مايكروسوفت للترجمة WikiBasha “مفتوح المصدر بالكامل” رغم أن الحقيقة أن ذلك لا ينطبق سوى على امتداد ميدياويكي الذي يربط ويكيبيديا بخوادم مايكروسوفت (المحتكرة بالكامل!)

تحدث بعد ذلك خبراء في الترجمة لكن لم يتحدث أحد منهم بإيجابية عن الترجمة الآلية. بعضهم قال أن الترجمة فن عميق آخرون قالوا أن الترجمة علم تصنف فيه رسالات وتوضع فيه البحوث آخر قال أن جودة الترجمة تختلف بمقدار المال المدفوع.

بعد ذلك انفصلنا إلى ثلاث مجموعات عمل أصغر: الترجمة والتوعية والتعليم. كنتُ مع مجموعة التوعية.

التوعية

اقترحت المجموعة إجراء دراسة تفصيلية عن طبيعة قراء ومساهمي ويكيبيديا المستهدفين ليسهل الوصول إليهم بما يتلائم مع اهتمامتهم. اقترحت أيضا اعتماد لافتات تختلف باختلاف البلد للحث على المساهمة في ويكيبيديا. اقترح آخرون أيضا الدعاية لويكيبيديا في المواقع الآخرى؛ واقترح التواصل مع المؤسسات الثقافية التي تؤرشف صور ووثائق عن تاريخ (وحاضر) كل بلد عربي للمساهمة بها لويكيميديا كومنز ضمن برنامج GLAM.

الاجتماع الختامي

في صباح يوم السبت اجتمعنا اجتماعًا ختاميًا لتحديد ما خرجنا به في اجتماعات اليومين الماضيين.

أشياء أخرى

سعدت كثيرا بلقاء عدد رائع من مساهمي ويكيبيديا والتعرف عليهم بعد هذه الفترة الطويلة، 🙂 وأملي أن ألتقي بالبقية قريبا. وجدت أخيرا من يُوقّع مفتاحي العلني: أحمد غربية! إن كنتَ حصلت على مفتاح أحمد بطريقة آمنة فيمكنك التأكد أن المفتاح الذي يحمل اسمي هو فعلا مفتاحي. تفضل أحمد أيضا بإعطائي نسخة مطبوعة من دليل “إحداث التغيير بتوطين المعلوماتية” الذي ترجمه مع خالد حسني.

الجهد الذي بذله طاقم معهد قطر لبحوث الحوسبة لتنظيم الاجتماع والإعداد له كان رائعًا ويشكرون عليه كثيرا.

لم يطلب أحد رسما على الثلاجات

(ترجمة لمقالة رك فالفنغ: Nobody Asked For A Refrigerator Fee. رك هو مؤسس حزب القراصنة الذي يدعو -ضمن ما يدعو له- لإصلاح قوانين حقوق النشر ويشرح في هذه المقالة بعض أبرز مشاكل قوانين حقوق النشر.)

أعيش في عاصمة السويد ستوكهولم. كانت إحدى أكبر الشركات المُوظّفِة في المدينة قبل مئة عام تدعى ثلج ستوكهولم. كان عملها بسيطا لكنه كان ضروريا: كانت توزع الثلج بقوالب يمكن حملها ليستخدمها الناس في حفظ الأطعمة التي يمكن أن تتعفن.

كانت تقطع كتلا ثلجية ضخمة من البحريات المتجمدة في الشتاء وتحفظها في مخازن ضخمة داخل نشارة الخشب ثم تقطعها لأجزاء أصغر وتبيعها في الشوارع. كان الناس يشترون الثلج ويضعونه مع الطعام في صناديق خاصة ليتمكنوا من حفظ الطعام مبردا.

(لهذا السبب لا يزال بعض كبار السن يسمون الثلاجات “صناديق الثلج“.)

عندما دخلت الكهرباء بيوت ستوكهولم في النصف الأول من القرن الماضي بددت الحاجة لموزعي الثلج أولئك لأن كل ما كانوا يقومون به نشر إمكانية تبريد الطعام، ولكن الناس تمكنوا فجأة من القيام بذلك بأنفسهم.

تم ذلك بسرعة في المدن. ومع توفر الثلاجات حوالي عام 1920، صار في كل بيت ثلاجة بحلول نهاية ثلاثينيات القرن الماضي؛ وقُضي على واحد من أكبر المُوظّفِين في المدينة (موزعي الثلج) بفضل تطور تقني.

خلق ذلك كثيرا من المآسي على مستوى أفراد لأن كثيرا من بائعي الثلج فقدوا مصدر قوتهم واحتاجوا التدريب على وظائف جديدة في مجالات مختلفة تماما. كان عملهم كبائعي ثلج شاقا لكن اختفاء المهنة كان عليهم أشق.

لكن ثمة بعض الأشياء التي لم تحدث نتيجة تبدد مهنة توزيع الثلج:

  • لم يُقاضَ أي مالك ثلاجة على توليده الثلج بنفسه وعلى تجاهل الشركات الموزعة للثلج.
  • لم يقترح أحد قوانين تُجرّم شركات الكهرباء إذا ثبت أن الكهرباء الذي توفره أستخدم بطريقة دمرت وظائف بائعي الثلج.
  • لم يطلب أحد رسما شهريا على الثلاجات من مالكيها.
  • لم تُقَم ورش وندوات لإظهار إجماع على أهمية بائعي الثلج للاقتصاد برمته.

بل بُدّد احتكار التوزيع، وتجاهله الناس، واستفاد الاقتصاد برمته من اللامركزية التي نتجت لإنتاج الثلج.

نشاهد حاليا تكرارا لنفس السيناريو لكن الموزعين هذه المرة (وهم الشركات التي تعتمد على حقوق النشر) لديهم الجرأة على المطالبة بقوانين وتشريعات خاصة وعلى القول أن الاقتصاد سينهار إذا غابت خدماتهم (غير الضرورية). لكن التاريخ علمنا مرارا أن اختفاء حرفة شيء جيد لأنه يعني أننا تعلمنا شيئا جديدا وأننا تعلمنا القيام به بصورة أكثر فعالية ودائما تظهر مهارات وحرف جديدة إثر هذا التغير.

تكرر الشركات التي تعتمد على حقوق النشر قول أننا إن لم نحول أسلوب التوزيع الاحتكاري إلى قوانين يُعاقب من يخالفها بعقوبات لا متناهية أن لا أحد سينتج أعمالا ثقافية أبدا. لكن وكما علمنا التاريخ مرارا وتكرارا: هذا هراء.

صحيح أن تلك الشركات قد لا تتمكن من إنتاج مقطع موسيقي واحد بأقل من مليون دولار؛ لكن لا يمكن أن يشرعنوا احتكارهم بناءً على تكاليفهم إن كان غيرهم قادرا على القيام بنفس ما يقومون به بمبالغ أقل بكثير (تصل إلى الصفر!). لم يسبق في التاريخ أن توفرت الموسيقى بالمقدار الذي تتوفر فيه اليوم والسبب أن كل واحد منا يحب أن يبتكر. معظمنا لا يقومون بذلك لأجل المال بل لأجل طبيعة فينا وهي أننا على مر الأزمان نبتكر.

لكن ماذا عن الأفلام والأعمال التي تكلف مئات ملايين الدولارات؟ توجد أمثلة على أفلام أنشئت في كراج بل إن أحدها تغلب على فيلم كازبلانكا الشهير وأصبح أكثر فيلم مشاهدة في تاريخ بلده. لكن قد تكون تلك الحجة أقوى لمعظم الإنتاجات السينمائية التي نالت الشهرة.

سأتجرأ هنا لأقول أنه حتى لو لم يمكن إنتاج نفس الأفلام مادامت الإنترنت وحريتنا المدنية موجودة، فلعل ذلك مجرد تطور طبيعي لثقافتنا.

بطبيعة عملي في حزب القراصنة، أمضي وقتا طويلا مع شباب يافعين. ما أذهلني أنهم لا يتابعون الأفلام أو على الأقل ليس بنفس الدرجة التي كنت عليها عندما كنت في سنهم. ربما كما تخلصتُ من تلفزيوني قبل 15 عاما، هذا تطور طبيعي آخر لثقافتنا. لن يكون غريبا إن انتقلنا من نمط ثقافة المتلقي إلى نمط ثقافة المشارك في هذا العصر.

تذكروا أنه فيما سبق كانت الأوبريتات وعروض الباليه ومسلسلات الراديو من أشهر صور الثقافة ولا أحد قلق من أن تلك الصور نالت شهرتها في فترة ما ثم انتقل المجتمع بعد ذلك إلى صور ثقافية أجدد. لا معنى لأن نحول صور الثقافة الحالية إلى قوانين وأن نمنع التغييرات التي تحدث على مر الأزمان.

ألحظ في كل المجالات أن الاحتكارات القائمة على حقوق النشر يجب تقليصها لنسمح للمجتمع بالانتقال من قبضة الثقافة والمعرفة الحاضرتين. معظم الشباب يعتبون النسخ والتشارك طبيعيا ولا يرون فيه مشكلة ويعتبرون أي شيء خلاف ذلك “ضربا من ضروب التخلف القديم”.

والشباب حتما لا يعترفون ب”رسم شهري مقابل امتلاك ثلاجة”!

Creative Commons License
Nobody Asked For A Refrigerator Fee by Rick Falkvinge and Osama Khalid is licensed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 3.0 Unported License.
Based on a work at torrentfreak.com.

لماذا أستخدم آيدنتكا؟

مستخدمو تويتر السعوديون يشكلون مجتمعا حيويا ونشطا، ورغم أني أشعر بالانتماء لذلك المجتمع لمتابعتي لعشرات خلاصات RSS وللردود والتعليقات التي أرسلها بين الفينة والأخرى للبعض عبر البريد الإلكتروني إلا أني لازلت لا أملك حسابا شخصيا مفضلا البقاء على خدمة آيدنتكا التي أكمل هذا الشهر سنتي الثانية فيها؛ وبهذه المناسبة سأدون الأسباب التي تجعلني حريصا على البقاء فيها والتي لأجلها أكرر الدعوة للجميع للانضمام إليها.

اللامركزية

رسم توضيحي
للشبكات المركزية

الميزة الجوهرية لآيدنتكا أنها شبكة موزعة، ولعل من السهل أن تفهم معنى ذلك عندما تتذكر أنه من غير الممكن لمستخدمي تويتر (الذي يعتبر “شبكة مركزية”) أن يتواصلوا مع من هم خارجه وأن على من يرغب في الانضمام إلى المجتمع أن يوافق على الخضوع لإرادة شركة تويتر وأن يكون ناشطه الكامل تحت سقفها.

المشكلة الأولى للمركزية التي يعتمد عليها تويتر أنها تهديد حقيقي لحرية التعبير وللخصوصية من تويتر نفسه بإعطاء شركة ربحية وحيدة سلطة هائلة لا يجدر أن تمتلكها أصلا. إن امتلاك تويتر بيانات مئات ملايين المستخدمين وكونه المنصة الحصرية لاستقبالهم التويتات العامة والخاصة وإرسالها يخلق سلطة تزيل كل مانع يحول دون فصل الخدمة عن أي مستخدم أو الإدلاء بأي بيانات قد تكون حساسة (كبيانات عنوان الإنترنت -الآيبي- أو البريد الإكتروني أو الرسائل الخاصة–سواءً أكان ذلك استنادا لضغوط أو كان وفقا إرادة محضة). المشكلة الثانية أنها “تضع البيض في سلة واحدة”، فحتى لو لم يكن الخطر بإرادة تويتر، يمكن أن يتسبب أي خطأ بشري أو تقني أو اختراق تعطيل قدرة ملايين البشر على التواصل. المشكلة الثالثة من طرف الحكومات، وهي أن تملك منصة واحدة يسهل رقابتها وتحليلها بل وحجبها.

رسم توضيحي
للشبكات الموزعة

لكن الأمر مختلف تماما مع كل نقطة ذكرتها أعلاه في الشبكات الموزعة التي لن تكون صعبة الفهم إن تذكرت فكرة البريد الإكتروني! يوجد عدد لا نهائي من مزودي خدمة البريد الإلكتروني (هذه قائمة ناقصة) لكن يمكن اختيار أيٍ منهم دون أن تخسر القدرة على التواصل مع بقية المستخدمين. لو كانت غادة تستخدم Hotmail فلن يمنع أحمد استخدامه لGMail من مراسلتها! في فكرة البريد الإكتروني: 1) لا تملك شركة واحدة سلطة مطلقة على مستخدمي البريد ولا أحد مجبر على أن يخضع لمزود معين، 2) احتمال الأخطاء التقنية والبشرية وعدد المتضررين أقل بكثير، 3) سلطة الحكومات أقل بكثير.

نفس الشيء ينطبق على آيدنتكا التي ليست سوى مزود واحد من بين كثير من مزودي خدمة التدوين المصغر الموزعة (هذه قائمة ناقصة).

الحرية


الميزة الثانية حرية المحتوى! روعة التدوين المصغر على الأمد الطويل أنه سجل حافل يحكي تجارب مجتمعات كاملة وأحداث تاريخية حاسمة شارك في كتابتها الملايين. هل تذكر صمود شارع الحبيب بو رقيبة وهروب بن علي؛ وانسجام ميدان التحرير وتكاتفه؛ ومجازر بشار وإباء سوريا؟ كل تلك مسجلة على تويتر لكن من المؤسف أن استخدامها مقيد للغاية بسبب تعقيدات شروط الاستخدام وقيود النشر.

في آيدنتكا جميع البيانات حرة أي يمكن للجميع إعادة نشرها وتنقيحها وترجمتها والاستفادة منها بغير ذلك من السبل شريطة ذكر مؤلفيها الأصليين. لا أفضل من أن يكون سجل المجتمع لكامل المجتمع!

مزايا متفرقة

تتوفر واجهة آيدنتكا باللغة العربية كما أنه يدعم الكتابة من اليمين لليسار (قارن هذه بهذه مثلا). تدعم آيدنتكا أيضا ما يسمى ب”المجموعات” وفكرتها شبيهة بالأوسمة (هاشتاغ) إلا أنها تتيح الاشتراك الذي يتيح لمجموعة من المهتمين بموضوع معين نقاشه وتتبعه أخباره. أخيرا تتبع المحادثات في آيدنتكا سهل بفضل صفحات “المحادثة” التي ترتب الردود شجريا حسب وقتها (مثال).

طبعا كل هذا زيادة على أن كافة البرامج التي تُشغل الخدمة “حرة” أي منشورة ويمكن لأي أحد استخدامها ودراستها وتحسينها.

التصدير والنسخ الاحتياطي

توفر آيدنتكا ميزة تصدير كامل المنشروات للاحتفاظ بها على الحاسوب أو استيرادها مجددا إلى مزود خدمة آخرى.

ساهم!


أهمية أي تقنية للتواصل ابتداءً من الهاتف مرورا بالبريد الإكتروني وانتهاء بشبكات التواصل الاجتماعي تزداد بزيادة عدد مستخدميها وهو ما يسمى ب”أثر الشبكة”. انضمامك لآيدنتكا يعني أن يكون الفضاء الإلكتروني الحر أكثر ثراءً وجذبا.

لن تخسر شيئا إذ يمكنك إنشاء حساب على آيدنتكا وربطه بحسابك على تويتر وبالتالي سينشر كل ما تكتب على آيدنتكا تلقائيا على تويتر. توجد أيضا خدمات تقوم بالعكس، مثل Brdcst.it ويمكن الحصول على حساب بطلب دعوة من بريد الخدمة المدون هنا. يمكن أيضا أن تمنح نفسك فرصة التجربة بالاكتفاء حاليا بإنشاء حساب وتفعيل تنبيهات البريد الإلكتروني للانتباه للمحادثات.

حسنا، ماذا تنتظر؟ سجل وألقِ التحية على @osamak!

تحديث: شكرا جزيلا لفؤاد (@alfarhan) على إثارته الموضوع. يبدو أن عددا جيدا من السعوديين انضموا للشبكة وهذه قائمة بهم بعد أن تسجل حسابا سوف يظهر زر اشتراك بجانب كل اسم وستتمكن من الاشتراك بعشرات السعوديين بسهولة.